يتوارى معبد أنغور وات الضخم في أدغال كمبوديا، وهو يمثل الكون الهندوسي، ويعتبر واحداً من أضخم الأوابد الدينية في العالم.
في القرن الثاني عشر، طمح ملك إمبراطورية الخمير، سوريافارمان الثاني، إلى إنشاء (الفردوس على الأرض) ليكون ضريحه وفردوسه الشخصي في الحياة الآخرة، على حسب اعتقاده وديانته آنذاك، واستلزم مخطط المعبد بناء جبل شاهق الارتفاع، وهائل الحجم، وخندق تشكله تربة حمراء محلية، ومكسو بآلاف من طوب الأحجار الرملية. ونظراً إلى عدم وجود مقالع قريبة للحجارة، تم استخدام آلاف من العمال في تلال كولن البعيدة لتكسير وتشكيل ونقل كل قطعة طابوق عن طريق سلسلة من القنوات المائية العائدة إلى موقع المعبد. ويقدّر الخبراء أن العمال قاموا بتكسير ونقل ما يقارب 400 قطعة طابوق في اليوم.
والمذهل أن الطابوق المثبت في مكانه بالشكل المثالي، والذي شكّل (معبد المدينة) هذا، قد بقي ثابتاً في مكانه بفضل تقنية الحجر فوق الحجر بالاعتماد على قوة الاحتكاك المقاومة للانزلاق، ولم يستخدم في بنائها الأصلي أي بِلاط أو مسامير. وتمتد أنغور وات على ما يزيد على مساحة 200 ملعب كرة قدم على سهل من التربة المنجرفة بفعل الفيضانات، ولكن بناءها لم يستغرق سوى 35 عاماً باستخدام اليد العاملة وأدوات عصر الحديد وحدها.
لمحة تعريفية... أنغور وات تحمل معنى (معبد المدينة)، وكانت المدينة مخصصة للإله الهندوسي فيشنو، الذي كان الهندوس يعتقدون ويزعمون أنه حافظ وحامي الكون. وقُدر عدد العمال الموسميين الذين استخدموا في بناء أنغور وات بمئات الآلاف. وتمتد على مساحة تقدر ب200 ألف هكتار على الأقل. وكانت تعتبر المدينة الأضخم في العالم، إلى أن جاءت الثورة الصناعية، حيث كان عدد سكانها ما يقارب مليون نسمة.
حجاب الشمس
حسب ما تقوله الأسطورة، كان سوريافارمان الثاني يبلغ 14 عاماً فقط من عمره عندما أقدم على قتل خاله، واستولى على عرش إمبراطورية الخمير. وسعى الملك سوريافارمان الثاني إلى تبرير سلطانه المطلق عبر بناء نصب تذكاري شاهق الارتفاع للإله فيشنو، خصصه أيضا ليكون ضريحه وفردوسه الشخصي في الحياة الآخرة، ولإنجاز ما سعى إليه، أراد سوريافارمان الثاني إعادة تشكيل عالم الآلهة بكل تفاصيله في أنغور وات، على حسب اعتقاده.
طرق ومواد البناء المستخدمة
وفر الطابوق المصنوع من التراب الأحمر دعامة قوية في بناء أنغور وات، بينما تم استخدام طابوق الحجر الرملي لزخرفة المعبد بنقوش دقيقة بارزة، تم تثبيت الحجارة حجراً فوق حجر بالاعتماد على قوة الاحتكاك المقاومة للانزلاق، ولم يستخدم في بنائها الأصلي أي بلاط أو إسمنت أو مسامير، كان هذا مهماً بالنسبة لمهندسي الخمير، إذ كان يمكن للبلاط أن يتعارض مع المفاصل غير الملتحمة اللازمة لنحت النقوش التي كانت يتصورونها.
النقوش الدقيقة في أنغور وات كانت تصور مشاهد وصورا من ماهابهاراتا ورامايانا، وقصر سوريافارمان الثاني، ويحفل المعبد كذلك بزخارف لمئات من تماثيل الراقصات الملائكيات، ويقدر الخبراء بأن عملية نحت الشخصيات والنقوش قد استغرقت 15 عاماً على الأقل، وعلى الرغم من أن النقوش تثير انبهارنا اليوم، إلا أنها كانت مغطاة بالذهب وغيره من المواد الثمينة منذ 900 عام.
ويمتد الخندق المحيط بأنغور وات على طول 5 كم، وعرضه 200م، ويمكن رؤيته من الفضاء الخارجي. قد جرف العمال 5 .1 مليون متر مكعب من الطمي والرمل أثناء حفر الخندق، وهي كمية تكفي لتعبئة ما يقارب 000 .200 شاحنة قلابة.
وفي القرن التاسع، ابتكر مهندسو الخمير أكثر شبكات المياه تعقيداً في العالم، وبحلول القرن الثاني عشر كانت مئات من القنوات المترابطة والأحواض والسدود تعمل على مدى يزيد على 500 .1 كيلو متر مربع.
انتقال السلطة والحفاظ على المدينة
في العام 1431، تم الاستيلاء على مدينة أنغور على أيدي الغزاة التايلانديين، وهجر ملك الخمير مدينته عام 1432، وبدأت الأدغال والمستنقعات تهيمن تدريجيا وتقضي على البيوت الخشبية والقصور والقنوات المائية في أنغور وات، وأصبحت المدينة (مفقودة)، وتحول المعبد إلى مقام بوذي خلال القرن الخامس عشر.
في العام 1994، أظهرت صورة التقطتها السفينة الفضائية الأميركية (إنديفور)، وجود مبانٍ مجهولة وهياكل مائية لم يتم اكتشافها من قبل في منطقة أنغور.
وتعتبر منطقة (سيام ريب) في كمبوديا بوابة معابد أنغور بما فيها معبد أنغور وات المهيب. ومن المحتمل ألا يرى الزائر مكانا بمثل هذه الروعة في المنطقة أو في حياته باستثناء معابد باجان في ميانمار (بورما سابقا).
وربما لا تكفي عطلة نهاية الاسبوع لزيارة جميع معالم المنطقة، وذلك لان معابد أنغور التي تمثل درة التاج لحضارة الخمير، التي سادت كمبوديا خلال الفترة بين القرنين التاسع والرابع عشر، تغطي مساحة شاسعة وتضم حوالي مئة معبد.
وكان الراهب البرتغالي انطونيو دي مجادالينا الذي زار المعبد في عام 1586 من أوائل الزوار الغربيين وقال عنه انه بناء استثنائي يعجز القلم عن وصفه، خصوصا أنه لا يشابهه أي بناء في العالم، وأن أبراجه وزخارفه وكل التحسينات فيه لا يتصورها إلا إنسان عبقري. لكن المعبد لم يشتهر في العالم الغربي إلا في منتصف القرن التاسع عشر على خلفية نشر مذكرات رحلات المستكشف الفرنسي هنري ماوت.
المعبد يمثل رمزاً لكمبوديا ومصدرا للفخر القومي، وأصبحت صورة أنغور وات جزءا من علم كمبوديا الوطني منذ تقديم النسخة الأولى من العلم من حوالي عام 1863. وانطلقت مظاهرات في بنوم بنه في يناير 2009 عندما انتشرت إشاعات زائفة بأن ممثلة في مسلسل تلفزيوني تايلاندي ادعت أن أنغور وات ينتمي إلى تايلاند.
الاستقرار السياسي الذي حدث في كمبوديا على مدى السنوات السابقة عزز الثقة والطمأنينة لدى السياح، وباتت آنغكور تعاني الآن ازدحام السياح فيها. فقد زارها العام الماضي فقط ما يزيد على 6 ملايين سائح مقارنة بحوالي 5 ملايين سائح عام 2008. وبتشييد مطار جديد وطرق لربط آنغكور بتايلاند وفيتنام، يتوقع المسؤولون ان يرتفع عدد السياح الى اكثر من 10 ملايين.
تزدحم آنغكور بالسياح خلال الفترة بين نوفمبر وأبريل، وتزدحم الأماكن بحافلاتهم ويمتلئ الجو بأدخنة الحافلات والسيارات وحركة السير بصورة عامة. ويصعد آلاف السياح على المعابد التي باتت تبدو في موسم الازدحام أشبه بجبل النمل. ويحرص كثيرون على تسلق قمة معبد «فنوم باكنيغ» لمشاهدة منظر غروب الشمس في آنغكور وات.
فقد تحولت الى مدينة صغيرة مليئة بالحركة والحيوية والنشاط، وشيدت فيها فنادق 5 نجوم ومقاهي ومطاعم جديدة وصالات لعرض الأعمال الفنية ومحال لبيع الأزياء. وبالنسبة للذين يتمتعون بقدر وافر من النشاط والحيوية، هناك ملاعب للغولف وقيادة الدراجات الهوائية، فضلا عن خدمات السياحة العلاجية.
يعرض يوم الخميس المقبل على قناة ناشونال جيوغرافيك أبوظبي في تمام العاشرة مساءً.



