إلى عهد قريب، كانت الأزياء التونسية التقليدية قصراً على المناسبات الوطنية والدينية، بدءًا ب«البرنس» التونسي، و«الجبة» و«الشاشية» (القبعة)، إلى مستلزمات اللباس التقليدي، مروراً بـ «الملية» المنتشرة بين نساء الشمال التونسي، و«الحرام» الذي تقبل عليه نساء الوسط والجنوب، كذلك «السفساري»، الذي ينتشر بين نساء المناطق الحضرية.
أسهمت الكثير من العوامل في منافسة الأزياء التونسية التي تشغل بروح عصرية نظيرتها العالمية، نظراً إلى الدور الفعال الذي تقوم به الهيئات السياحية والمبادرات الشبابية؛ كجميعة أحباء تونس والدول العربية التي أسسها سفيان بن قمرة، إلى جانب ابتكارات المصممين الشباب التي طعمت الأزياء التراثية بنكهة عصرية تواكب تطلعات الشباب على مختلف ثقافاتهم. ويؤكد سفيان بن قمرة، (مضيف طيران)، وسفير اللباس التقليدي التونسي: في كثير من الأحيان يغيب الزي التراثي التونسي عن لباس الشباب في تونس، حيث أضحى الزي الأوروبي ملازماً لحياتهم اليومية، ولا ننسى بذلة الزفاف الأوروبية التي يرتديها العريس في ليلة العرس. موضحاً أن لباس (البرنس)؛ وهو عبارة عن عباءة صوفية تستخدم بدلاً من المعطف، لونه أبيض في المناسبات الرسمية، وأحياناً بني أو خمري في الأوقات العادية، وهو مرتفع الثمن، ما أدى إلى قلة استخدامه، فضلاً عن انتقال الرجال إلى المعاطف الأوروبية، كونها عملية أكثر في أجواء العمل والتنقل، وسعرها في متناول الجميع.
ويضيف ابن قمرة: أن التراث التونسي لطالما استأثر باهتمام كبير من كبار مصممي الأزياء في العالم، حيث إنه كثيراً ما شوهد «بيار كاردان» و«ايف لا كوست» وغيرهما من المشاهير يزورون مدناً تونسية للاطلاع على أنواع الأزياء المحلية التي تختلف من منطقة إلى أخرى، وللاقتباس منها في تصميم الأزياء الصيفية والشتوية الجديدة. ويتركز اهتمام مصممي الأزياء الأوروبيين على الأزياء النسائية، نظراً إلى عدم وجود التنوع الكبير في الأزياء الرجالية التونسية، حيث تخضع كلها تقريباً لنمط واحد.
لا شك في أن الزي التونسي تأثر بنظيره الأوروبي، وخصوصاً الفرنسي، خلال القرن الماضي؛ نظراً إلى الاستعمار الفرنسي الذي دام 75 عاماً، ما أدى إلى إدخال بعض التحديثات على الأزياء التراثية لتناسب الحياة العصرية. وفي السنوات الأخيرة امتزجت الأزياء التقليدية بروح العصر الحديث، وكان ذلك على أيدي تلك المحال التي انتشرت بكثرة في الآونة الأخيرة، والتي تفننت في إدخال التعديلات على الأزياء التقليدية. ويتألف الزي التراثي الرجالي في تونس من القميص والسراويل والجبة، أما الزي التراثي التونسي النسائي فيتألف من قطعتين تغطيان كامل جسم المرأة، ويميل التونسيون إلى اللون الأبيض في لباسهم، علماً أنهم يستخدمون أيضاً الألوان الأخرى؛ كالعسلي والأحمر والخمري والبني، لكنهم لا يحبون اللون الأسود مطلقاً.
ويضيف سفيان: بدايتي كسفير للباس التونسي التقليدي جاءت مصادفة عام 1989، وذلك خلال عملي مضيفاً جوياً في الخطوط الجوية السعودية، وقبل أن ألتحق بالعمل كمضيف في الخطوط التونسية، وذلك أثناء تلبيتي دعوة عشاء وحفل تنكري في إحدى الدول الخليجية، بحضور إعلاميين وسياسيين وفنانين من جميع الدول العربية والأجنبية.
وظهرت أمام الحضور وأنا ارتدي اللباس التقليدي المكون من (الجبة) و(الشاشية) و(البلغة)، والذي حاز على إعجاب الحضور، وتم اختياره كأفضل لباس في تلك الأمسية.
ومنذ ذلك الوقت قررت أن يكون لباسي المميز في كل المناسبات العامة الذي يجعلني أبدو مميزاً عن الآخرين، ومن جهة أخرى هي رسالة متألقة؛ فحواها الحب والعرفان لبلدي وحضارتي العربية وتراثها العريق.
ويقول: سعيت إلى التواصل مع وزارة السياحة والديوان الوطني للصناعات التقليدية كمتطوع؛ للتعريف بجماليات اللباس التقليدي، حيث تحمل جميع المنشورات الخاصة بديوان الصناعات صوراً شخصية لي، وأنا أرتدي مختلف تصاميم هذه الأزياء، والتي - من جهتي - أستغلها أثناء أسفاري إلى الدول العربية والأجنبية لترويج السياحة في تونس.
كما قمت أثناء عملي في الخطوط الجوية السعودية بتأسيس «جمعية أحباء تونس»، والتي توسعت لتشمل الدول العربية أيضاً.
ويرى ابن قمرة أن الأزياء التونسية المستوحاة من التراث تشهد تطويرات عدة في الآونة الأخيرة، في محاولة لجعل الملابس التقليدية مواكبة للعصر ومتطلبات الاستعمال اليومي، والملاحظ أن الهدف من هذه التحديثات إثراء الحاضر عبر استلهام الماضي، الأمر الذي تسهم فيه الكثير من المواهب الشابة العاملة في قطاع الصناعات التقليدية، بكل أشكالها.
ومشاركتها السنوية في مسابقة «الخمسة الذهبية»؛ وهي عبارة عن تظاهرة تحتفل بيوم الصناعات التقليدية واللباس الوطني في منتصف شهر مارس من كل عام. وغالباً تنطلق استعدادات الطاقات الشابة المبتكرة للتصاميم الحديثة المستمدة من اللباس التقليدي التونسي مع نهاية كل دورة، إذ إن العملية تتطلب أبحاثاً متنوعة ومضنية بهدف طرح المميز لكل جهة.
وكلما تم المزج الذكي بين اللباس التراثي وبين اللمسات المعاصرة التي تزيد من الإقبال على اللباس التقليدي، كانت النتائج جيدة، وتتويجاً لمجهودات المشاركين في هذه المسابقة. ويلتقي في هذه المناسبة المصممون الشباب مع متخصصين لهم باع طويلة في الصناعات اليدوية والحرفية، من خلال ابتكارات موجهة إلى النساء والرجال على حد السواء، في محاولة لاستمالة الفئات التونسية المختلفة نحو اللباس التقليدي التونسي، الذي عرف فترات صعبة خلال العقود الماضية، ما هدد باندثار الكثير من أشكاله.
ويوضح سفير اللباس التونسي التقليدي أن الملابس التونسية تمزج بين التطريز اليدوي المتقن والجيوب والمتممات التي غالباً نلاحظها على مستوى أكمام الجبة والبرنس و«الملية»، وبين ما يشتهيه الشباب التونسي من ألوان وأشكال تبتعد قليلاً عن الملابس التقليدية العادية، التي غالباً تكون فضفاضة، لتصبح متناسقة مع الأجساد، ومتماشية مع أشكال الموضة العصرية.
ويضيف قمرة: في حقيقة الأمر أسهمت مسابقة عروض أزياء «الخمسة الذهبية» في جذب الشباب التونسي، وإعادة اكتشاف الأزياء التقليدية، ولكن من منظور عصري، فقد تميزت بتعدد وسائل التعريف بالابتكارات التي يعمل الديوان الوطني للصناعات التقليدية على تدعيمها وتكثيفها؛ لمساندة المبدعين الشباب بالترويج الواسع لمنتجاتهم، وإرجاع الاعتبار للباس التقليدي في بلد تهب عليه رياح التغريب من كل جانب.
وفي السياق يؤكد ابن قمرة أن قطاع الصناعات التقليدية يحظى باهتمام رسمي، هدفه رد الاعتبار إلى هذا القطاع، الذي كادت معالمه تندثر بسبب رغبة التونسيين بصفة عامة في التشبه باللباس الأوروبي، متجاهلين تراثهم وحضارتهم التي بناها الأجداد منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
وتمثلت عملية رد الاعتبار بإعادة هيكلة الديوان الوطني للصناعات التقليدية، واتخاذ إجراءات خاصة بالتشجيع المالي؛ كالإعفاء أو التخفيض من بعض الرسوم، وإحياء المجلس الوطني للصناعات التقليدية.
وكان استحداث يوم وطني للصناعات التقليدية، واللباس الوطني في 16 مارس من كل عام من أهم القرارات التي أبرزت اهتمام الدولة بتطوير وتنشيط هذا القطاع، وقد اتخذ هذا القرار في العام 1991، ومن حيثياته ارتداء الزي التقليدي في الأعياد الدينية والمناسبات الرسمية في الدوائر الحكومية، كتقليد سنوي أدى إلى مصالحة التونسيين مع منتجاتهم التقليدية.
وعن تصاميم اللباس التقليدي في تونس يقول: يتميز اللباس التقليدي الخاص بالرجل بتنوعه وثرائه واختلافه من جهة إلى أخرى، وهو يتكون من قطعتين أساسيتين «الجبة» وهي ثوب مفصل ومخيط، و«البرنوس» وهو الرداء الشتوي الذي يوضع عادة فوق «الجبة» على الكتفين، ويشبه العباءة في تفصيله.
ويتميز بالاتساع ليغطي الجسم بأكمله، وفيه شق من الأمام، ويعرف الزي التقليدي أكثر في مناطق الجنوب التونسي، إذ اختلف المؤرخون حول مصدره الحقيقي، فمنهم من ينسبه إلى البربر الذين سكنوا الجزائر وجزءاً من تونس.
ومنهم من ينسبه إلى الأتراك، ولكن يعتبر الافتراض الأول هو الأصح، باعتبار أن «البرنوس» لا يزال يستعمل بقوة في الجزائر والمغرب وليبيا، ولكنه يختلف باختلاف الجهات من ناحية طوله ولونه، إلا أنه في المجمل لباس واحد مع بعض الاختلافات البسيطة.
دبي - رشا عبدالمنعم



