من اللحظات الجميلة التي يمكن أن تبعث في النفس الفضول، هي فرصة مشاهدة منظر مدينة فرانكفورت من نافذة الطائرة قبل أن تحط على مدرج المطار. فهذا المنظر الساحر يجعلك توقن أن زيارتك إلى (عاصمة الماين) فرانكفورت ستكون مفعمة بالأوقات الممتعة التي ستحملها معك في كاميرتك وفي ذاكرتك.
ذكرياتك ستبدأ على مقعد الطائرة، ولكنها ستتواصل بمجرد أن تطأ قدماك أرض مطار فرانكفورت الدولي (Flughafen Frankfurt am Main)، لاسيما أنك ستكون قد وصلت إلى أكبر مطار في ألمانيا، وثاني أكبر مطار في أوروبا من ناحية الإشغال، فهو يشهد سنوياً مرور عشرات الملايين من المسافرين ومئات الآلاف من عمليات صعود وهبوط الطائرات، ناهيك عن حقيقة كونه من أكثر المطارات في العالم شهرة. من حسن الحظ أنه يوجد في مطار فرانكفورت كل ما تحتاجه من وسائل النقل، فهناك محطة للقطار السريع (إنتر سيتي إكسبريس) ومحطة للقطار الإقليمي في مبنى الركاب رقم واحد، ويتوافر طبعاً حوالي 170 قطاراً سريعاً لنقل الركاب إلى المطار. كما توجد محطة حافلات أمام قاعات الوصول بمبنى الركاب رقم واحد، إضافة إلى وجود حافلة المطار الخاصة بشركة لوفتهانزا، والتي تقوم بنقل الركاب أكثر من مرة خلال اليوم من وإلى مناطق مختلفة بغض النظر عن شركة الطيران التي كان الراكب يسافر على متنها، ناهيك عن وجود عدد كبير من سيارات الأجرة. كل ذلك يجعل عملية التنقل في غاية السهولة.
بمجرد وصولك إلى مكان إقامتك وأخذ قسط من الراحة، يمكنك أن تبدأ جولتك الاستطلاعية. ولك أن تختار الطريقة المحببة إليك؛ فلديك فرصة القيام بالتعرف إلى معالم المدينة مشياً على الأقدام، أو يمكنك ركوب الترام الأثري الذي يطلق عليه اسم (ابلفاي- اكسبرس) ليأخذك بجولة ممتعة حول المدينة، أو ربما ترغب في أن تستقل الحافلة أو الترام العادي. والمسألة لا تتوقف عند هذا الحد، فزيارتك إلى فرانكفورت يمكن أن تتحول إلى رحلة استطلاعية في منتهى السهولة والراحة والمتعة. وهذا ليس نوعاً من المبالغة، بل هو واقع يمكن لأي زائر معايشته، حيث إن المدينة قامت بتوفير الكثير من العروض للزائرين كتذاكر الخصومات الجذابة التي تمكنك من التعرف إلى عاصمة الماين ومعالمها. فهناك تذاكر يومية للمواصلات الداخلية والمتاحف، وتذاكر سنوية لبيوت العروض.
فمن أجل جولة استكشافية لمدة يوم أو يومين في فرانكفورت، يمكنك الحصول على (بطاقة فرانكفورت- Frankfurt Card) التي تتميز بسعرها المناسب، وتعتبر بالفعل خياراً مثالياً، حيث تتيح لك عملية الانتقال بواسطة جميع خطوط المواصلات الداخلية في فرانكفورت متضمنة حتى منطقة المطار. وهناك خصومات كثيرة في المتاحف وحديقة الحيوان وحديقة بالمنجارتن. وفي حالة الاشتراك في إحدى جولات مشاهدة معالم المدينة يمكنك الحصول على خصم جيد. وكل هذه التذاكر يمكن للزائر الحصول عليها لدى مراكز استعلامات السياح. أما أصدقاء الفن فلهم تذكرة ضفة المتاحف ( Museumsufer Ticket) التي تتيح لهم فرصة زيارة الكثير من المتاحف لمدة يومين كاملين ولعدد غير محدود من مرات الدخول. وهذه الخدمة متوافرة أيضاً في صورة تذكرة سنوية تسمى (بطاقة ضفة المتاحف- Museumsufer Card). ويمكنك الحصول على التذاكر أيضاً لدى مراكز الاستعلامات الخاصة بالسياح أو لدى المتاحف المشتركة.
كما توفر المدينة عدداً هائلاً من الجولات السياحية التي يرافقك خلالها مرشد أو مرشدة، حيث سيأخذونك في جولة شيقة في فرانكفورت ويطلعونك على الكثير من الأشياء ذات القيمة وغير المعروفة عن هذه المدينة.
قلب البلدة القديمة
بمجرد دخولك قلب البلدة القديمة، وتحديداً ساحة رومربيرغ، التي احتضنت منذ القرن الثاني عشر الكثير من المعارض والأسواق والاحتفالات، ستجد نفسك في مكان مفعم بالتاريخ. فعلى الجهة الغربية من الساحة يوجد مبنى بلدية فرانكفورت المعروف بمبنى (رومر)، حيث سيلفت هذا المبنى نظرك لاسيما قممه المثلثة التي تأخذ شكل أدراج، كما أن هناك جسراً رومانسياً مغطى بالحجر الأحمر بني ليصل الجناح بالمبنى الرئيسي.
وإلى الشمال من رومربيرغ ستجد كنيسة القديس باول (Paulskirche)، التي يعود بناؤها إلى القرن الثامن عشر، والتي تعتبر من الأماكن التي تستقطب الكثير من الزوار.
أما في كنيسة نيكولاي القديمة (Nikolaikirche) فقد جرت العادة أن تدق الأجراس ثلاث مرات يومياً، وتقام الحفلات على خشبة المسرح هناك. كما أنه من أعلى الصالة في كنيسة القديس نيكولاي، يمكنك التمتع بمنظر بانورامي خلاب للأسواق التي تزخر بها المدينة.
من الأماكن الأخرى ذات الشهرة الواسعة، تبرز دار الأوبرا القديمة (Alte Oper) التي احتضنت في الماضي الكثير من العروض الأولى لمعزوفات الأوبرا ومنها المعزوفة الشهيرة لكارل أورف. وعلى الرغم من أن دار الأوبرا كانت قد احترقت في أحد الأيام نتيجة القصف الذي تعرضت له المدينة، إلا ان أهلها استطاعوا بتبرعاتهم وجهودهم وإرادتهم القوية أن يعيدوها إلى ما هي عليه اليوم.
ويشكل منزل ومتحف الأديب والفيلسوف الألماني الشهير يوهان فولفغانغ فون غوته الذي وُلد في فرانكفورت، مكاناً محبباً للزيارة من قبل محبي الأدب والشعر والفلسفة، ففي هذا المنزل لايزال مكتبه الذي كتب عليه أول أعماله موجوداً. كما يمكن هناك مشاهدة مجموعة من اللوحات والوثائق المتعلقة بهذا الكاتب المحب للفن.
ومن الأشياء التي ترتبط بالمدينة أيضاً هو نهر الماين الذي نجد على ضفافه مجمّعاً فريداً يضم 13 متحفاً مخصصاً للأعمال الفنية باختلافها، من اللوحات الكلاسيكية إلى الحديثة. وتشكل ضفة المتاحف على نهر الماين منطقة ثقافية فريدة من نوعها تستقطب أعداداً لا تحصى من عشاق الفنون. وقد أسهم مهندسون عالميون، مثل أوسفالد ماتياس أونجرز والمهندس النيويوركي ريتشارد ماير في تصميم وبناء هذه المتاحف: بين الجسر الحديدي وجسر السلام تجد المتاحف مجتمعةً إما في فيلات قديمة مرممة أو في مبان هندسية حديثة، ومنها متحف الفيلم، ومتحف الهندسة المعمارية، ومتحف الفنون التطبيقية.
وقد أضيف إلى ذلك متحف الفن الحديث الواقع على مقربة من الكاتدرائية والذي يعرف باسم قطعة التورتة، بسبب شكله المثلث. وتبقى الأجواء الثقافية جزءاً لا يتجزأ من نسيج هذه المدينة، حيث تمثل مقراً لأشهر دور النشر، كما أنها تزداد حيوية في فصل الخريف عندما يقام معرض الكتاب الذي يعتبر أكبر معرض للكتاب في العالم.
مطاعم متنوعة الثقافات
قد تخطف معالم فرانكفورت أنظارك، حيث تنسى أن تنظر في ساعتك، فالقيمة التي تتميز بها مواقعها تجعلك تتبع تاريخها دون أن تنتبه أنك قد قضيت ساعات طويلة في مشاهدة هذه المناطق والتعرف إليها.
وفي حال كانت جولتك مشياً على الأقدام، فلابد أن ينتابك الجوع. ولكن، لا تقلق! فلن تحتاج وقتاً طويلاً لإيجاد ما تبحث عنه. فمطاعم فرانكفورت متنوعة الثقافات تماماً كما هي الحال بالنسبة للعمران والثقافة فيها.
يمكنك مثلاً أن تزور أحد المطاعم المشهورة بتقديم الأطعمة الفرانكفورتية الشعبية، مثل (الحساء الأخضر) أو (فطيرة الجبن بالموسيقى)، أو يمكنك تذوق أشهى الأطباق العالمية بحيث إن المطاعم هناك لا تفوت نوعاً معيناً من المأكولات دون أن يكون مدرجاً على قوائم الطعام لديها.
وقد تقودك المصادفة إلى شارع بوكنهايمر الكبير، الذي يطلق عليه أهل فرانكفورت اسم (فرسغاس- Fressgass) أو ما يمكن ترجمته بالعربية بشارع النهم، فهناك يوجد كبار الطهاة الذين يتفنون في إعداد مختلف الأطعمة المحلية والعالمية، مما يجعل من هذه المنطقة موطن ألذ وأشهى الأطباق. كما يقام هناك كل عام احتفال شعبي تقدم فيه أنواع مختلفة من الوجبات والأطباق ذات الطابع الخاص والتي منحت هذا الاحتفال شهرة كبيرة نظراً لمذاقها اللذيذ.
وفي الحقيقة فإن مطاعم ومقاهي فرانكفورت تتيح لك المجال لتذوق أطيب المأكولات، وفي الوقت نفسه تمنحك فرصة الاستمتاع بمشاهدة شوارع المدينة التي تتميز بأجواء من الحيوية لما تعج به من فعاليات ترفيهية متنوعة تقدم الفائدة والمتعة والتسلية.
ناطحات في أحضان الطبيعة
هذه المدينة المفعمة بالمعالم والمواقع التاريخية والأجواء الثقافية والفنية المتواصلة، هي في الوقت نفسه مركز للمال والأعمال. فقد استطاعت أن تجمع بين كل مظاهر الحياة وتدخل العالمية من أوسع أبوابها. وأصبحت ناطحات السحاب والأبراج الزجاجية التي تزين أفقها جزءاً لا يتجزأ من صورة المدينة، إذ يوجد فيها عشرات البنايات العصرية وناطحات السحاب التي يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة جداً.
ويعتبر مبنى كوميرتس بانك- Commerzbank، أي البنك التجاري، الأعلى بينها، كما أنه أيضاً يعد أعلى بناية مكاتب على مستوى أوروبا، حيث يبلغ ارتفاعه 258 مترا من دون الهوائي ومع الهوائي يصل إلى 300 متر. ومن الأبنية الشاهقة الأخرى التي تميز المدينة هناك (برج ماين- Main Tower الذي يبلغ ارتفاعه 200 متر، ومن صالة المشاهدة فيه، يمكنك أن تحصل على مشهد في غاية الروعة لمدينة فرانكفورت.
إذن، هي مدينة عصرية وتاريخية وفنية وثقافية، ولكنك ستوقن أيضاً أنها مدينة الطبيعة الساحرة، خصوصاً مع ما تحتويه من شوارع تصطف الأشجار العالية على جانبيها، وحدائق مذهلة تجعلك تحن إلى الأجواء الريفية. وإذا سنحت لك الفرصة في أن تقيم في أحد الأحياء ذات البيوت القديمة، ستنتقل بلا شك إلى عالم متناه من الهدوء والسكينة.
أما إذا كان لديك النشاط لتكتشف ما تكتنزه الطبيعة من مناظر تسر العيون وتمنحها أفقاً جديداً، فما عليك إلا التجول سيراً على الأقدام أو ركوب الدراجة الهوائية لتجد نفسك في أحضان الطبيعة الخلابة.
ويمكنك أن تتصور كيف سيكون منظر الغابات في فصل الربيع حين تتزين بأجمل الألوان. فالغابة تشكل جزءاً من حزام المدينة الأخضر الذي يزخر بالتلال والمروج والأشجار لاسيما أشجار البلوط والصنوبر والزان التي يعود عمرها لقرون عديدة. كما تضم فرانكفورت بين جنباتها أيضاً أكثر من خمسين بحيرة وبركة ذات شاعرية فريدة، تدهش حتى الخبير بفرانكفورت.



