مشاهد جنسية، إفيهات إباحية، حوارات مبتذلة.. مفردات أساسية تضمنتها الأفلام التي استقبلتها دور العرض المصرية خلال إجازة نصف العام، لتثير عاصفة من الجدل على الساحة، ففيما هاجم البعض من النقاد السماح بعرض هذه الأفلام الجريئة شكلا ومضمونا؛ حتى وإن تم وضع لافتة «للكبار فقط»، فإنه في المقابل كانت هناك حالة استنفار واعتراض ورفض ودفاع من صناع هذه الأفلام ، حيث اعتبروا الاتهامات الموجهة لهم تقييدا لحرية الإبداع ومحاولاتهم الجادة في رصد مشاكل المجتمع بواقعية، بينما برأت الرقابة نفسها بدعوى أنها أجازت هذه الأفلام وفق قوانين رقابية دون تقييد لحرية الإبداع..

ووسط كل ذلك يبدو السؤال منطقيا: هل بدأت السينما المصرية في التخلي عن مصطلح السينما النظيفة الذى رفعه النجوم الشباب مثل أحمد السقا وكريم عبدالعزيز وأحمد حلمي لصالح تيار آخر فرض توجهاته عليها؟ وكيف يتعامل النقاد مع كم المشاهد الساخنة في تلك الأعمال بشكل خاص ورؤيتهم لحرية التعبير في السينما بشكل عام؟.. تفاصيل أكثر في سياق التقرير التالي.. بدأت دور العرض السينمائية في مصر إجازة نصف العام بعرض فيلم «بالألوان الطبيعية» للمخرج أسامة فوزي، الذي يضم مجموعة من الشباب منهم: يسرا اللوزي وفرح يوسف وكريم قاسم، ويدور العمل حول الحلال والحرام لطلبة يدرسون في كلية الفنون.. وبعدها تم عرض فيلم «كلمني شكرا» للمخرج خالد يوسف، الذي تطرق لحياة العاهرات والعشوائيات. وفي التوقيت نفسه فيلم «أحاسيس» للمنتج والمخرج هاني جرجس فوزي، الذي يناقش قضايا الخيانة الزوجية، وأيضا فيلم «رسائل البحر» للمخرج داوود عبدالسيد، وكان القاسم المشترك في كل هذه الأفلام المشاهد الجنسية، التي اختلفت سخونتها وعددها من فيلم لآخر، حسب القضية التي يناقشها الفيلم.

لكن د. سيد خطاب رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية أشار بداية إلى أنه لا يوجد شيء اسمه سينما نظيفة أو غير نظيفة، ولكن هناك قوانين رقابية، وهناك حرية إبداع لا يمكن أن نكون في غفلة عنها، وقال: ما يقال عن غياب دور الرقابة أمر مرفوض شكلا ومضمونا.. لافتا إلى أن ما حدث من ضجة حول الأعمال السينمائية الموجودة بدور العرض ليس سببه أحداث العمل وجرأته، ولكنه مرتبط أساسا بالصورة الخاطئة التي قدمها صناع هذه الأفلام من خلال عرض الإعلانات الدعائية لأعمالهم، التي أظهرت الفيلم وكأنه فيلم جنسي، في حين لو شاهد الجمهور العمل ككل لكان هناك حكم آخر.. لافتا إلى أنه ليس من حق الرقابة التدخل في شكل عرض الفضائيات لإعلاناتها.

قوانين الرقابة

وبتوجيه السؤال إلى علي أبوشادي- الرقيب السابق والناقد السينمائي- قال إن الجدل الذي أثير مؤخرا عن سماح الرقابة بعرض هذه الأعمال دون حذف، هو مفهوم خاطئ لدور الرقيب، مؤكدا أن دور الرقابة الحقيقي حماية المبدع والمجتمع معا من خلال بنود رقابية واضحة، أهمها «احترام العقائد»، وهو أمر لا يمكن المساس به، وليس هناك مجال للالتفاف حوله أو تجاوزه، أما بالنسبة لمسألة تقديم مشاهد جريئة، فهو بند مطاط؛ لأن تقديم مثل هذه المشاهد لابد أن يكون حسب ما يقتضيه العمل، والفيلم يمر على الرقابة، ودورها عدم تجريح المجتمع أو انتهاك حرية المبدع أيضا.

المرأة مجرد سلعة

بينما انتقدت الناقدة خيرية البشلاوي تركيز هذه الأعمال السينمائية على المشاهد الجنسية التي تحولت معها المرأة إلى مجرد سلعة في أغلب هذه الأعمال، وظهورها بشكل مثير، وأيضا كم الإفيهات المبتذلة التي أكدت إيثار صناع العمل ابتكار طريقة جديدة لجذب الجمهور إلى أعمالهم دون محاولة منهم التركيز على القضية التي يثيرها الفيلم والتي نالت منه هذه المشاهد الجزء الأكبر.

وعن موقف الرقابة قالت: أعتقد أن الرقابة تحاول بالسماح بهذه الأعمال أن تكون هناك حالة من التوازن بين التيارات المحافظة والحرية، وهو أمر لابد أيضا أن يتم التوقف عنده، وأضافت أنها ليست ضد حرية الإبداع، ولكن أن يكون هناك تعبير دون ابتذال أو مجرد التربح فقط وإقحام المشاهد الساخنة وغيرها في العمل بكثرة دون أي فائدة.

إلى هنا يؤكد الناقد السينمائي طارق الشناوي أهمية أن يسعى المخرجون والمؤلفون لمناقشة ورصد القضايا الشائكة والمشاكل الحساسة، لأن هذا هو دور الفن، ولكنه ضد أن يقوم البعض تحت اسم هذه القضايا بإقحام المشاهد الساخنة دون داع، ويقولون إنه في إطار السياق الدرامي، أو يتم التركيز عليها والابتعاد عن القضية التي يطرحها العمل لنصبح أمام عمل آخر، وهو ما حدث في الأعمال المطروحة الآن من الإغراق في مشاهد جنسية، منها «بالألوان الطبيعية» و«كلمني شكرا». ولم يستبعد الشناوي أن تصبح مثل هذه النوعية من الأفلام موضة نطلق عليها موضة أفلام إجازة نصف العام.