الصوت الإماراتي، جاسم محمد الجاسم، ليس اسما جديدا في الوسط الفني، فهو فنان حالم، يبحث عن الجمال المتناغم، باللحن والكلمة والفن الخادم، ويتمتع بمذاق خاص فيما يقدمه من غناء وحنين معبر، موهوب منذ فجر صباه، امتهن الغناء، وهو في سن مبكرة، أعطى مؤشرا تقنيا ملهما على اعتبار أنه يؤلف كلمات ويغني ويلحن، وتميز بين هؤلاء الثلاثة.
فقد وجه انفعالاته للمشاعر الرومانسية الجياشة، فأساسه ملتهب بحجة الطرب الأصيل لهموم العاطفة وتمجيد الوطن، تبكي ألحانه دائما على الكلمة. بقي يحافظ على قيمه فنه في ظل الموجة السائدة للأغاني الهابطة والكليبات الفاضحة، فهو لم يتأثر بمتطلبات سوق الكاسيت ورفض ركوب الموجة الحالية. ما جعله يعيش صراعا مريرا وطويلا في الغياب، وإيجاد نفسه وسط الزحام الحالي في عالم الفن والغناء بعدما تعرض لنكسات وصدمات تمثلت في النصب عليه من شركات الإنتاج، وعدم إيجاد الدعم المناسب له ولمسيرته في الغناء عبر 25 عاما، بدأها هاوياٍ، ومن ثم عازفا محترفا على آلة الأورغ والعود، واكتملت بالتلحين والغناء وتأليف كلمات الأغاني. في لقاء (الحواس الخمس) معه كان الفنان جاسم محمد الجاسم صريحا لم ينافق، واعترف بندمه، وهو واثق. تحدث عن الساحة الفنية الإماراتية وعن أعماله القادمة:
* أين بدأت محطتك الفنية الأولى؟ ـ البداية في فترة الثمانينات، وتحديدا في عام 1985، حيث أحسست بميولي الفنية وحبي للمجال الموسيقي، فاشتركت مع فرقة الكورال في المدرسة بقيادة الأستاذ فؤاد مدرس التربية الموسيقية آنذاك، رحمه الله، الذي شجعني بشدة، ومنه كانت البداية المؤدية إلى انطلاقتي الفنية في عالم الغناء. حيث استطعت أن أمارس كل هواياتي من خلال ذلك المدرس الذي منحني مقومات الفن والموسيقى. حرصت أن أؤدي وأتعلم جميع الأدوار التي تناط إلي، والعزف على الآلة الموسيقية الأورغ وهي أول آله أعزف عليها، وعبرها عزفت أغلب مقطوعات أغاني العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ. وبفضل ذلك كونت لنفسي لوناً غنائياً؛ الأغاني الحزينة والعاطفية، واستطعت من خلاله أن اعرف هويتي وأطور موهبتي الغنائية، وكما أن تشجيع الأهل والمقربين ودعم الأصدقاء دفعني للمواصلة والاستمرار في هذا المسار.
غير أن 1989 كان نقلة نوعية في هويتي، حيث تأثرت بالمطرب المبدع خالد عبدالرحمن، والذي كان جديدا في الساحة الفنية حينذاك، فأصبحت أسيرا في تلك الفترة لأعماله الجميلة التي لم تفارقني أين ما كنت متأثرا بأدائه وعزفه بالعود الذي انتهجته منه كصديق حميم لي. ففي العام 1992 أنهيت المرحلة الثانوية والتحقت بمعهد للموسيقى يختص بتعليم آله العود.
لأحترف بعدها العزف والتلحين عليه. وكان في 1994 تسجيل أول شريط خاص بي يضم جلسة لأغاني الفنان خالد عبدالرحمن، إضافة إلى مشاركتي في الجلسات الخاصة، وبعض الأعراس. وكنت في هذه السنة رغبت في السفر إلى مصر لصقل موهبتي أكاديميا بناء على نصيحة أحد الأساتذة الموسيقيين. غير أن علم أهلي المبكر وردة فعلهم السريعة، وخصوصا والدتي.
أبعدني عن هدفي بالاختيار بين الفن أو رضاها، فآثرت الأخير خانعا، ولكن هاجس الفن لم يتركني يوما، فأخذت على عاتقي تطوير نفسي من خلال قراءة الكتب حول المقامات الموسيقية والأوزان الشعرية، والتلحين الذي اعتمدته بعد ذلك مصادفة عندما اكتشفت هوايتي بتلحين الأغاني القديمة بشكل جديد، إلى جانب إقامة الجلسات الخاصة. وبناء على ذلك أنشأت مشروعا خاصا ببيع الآلات الموسيقية كوسيلة وحيدة تبقيني في العالم الذي اعشقه.
ما أدى إلى أن خصصت فيه قسما خاصا لتعليم العود (على النوتة وسماعي) واستديو لتسجيل الأغاني سجلت به أول شريط في العام 1998 كان بعنوان (جلسة خاصة) يضم أغاني على العود لمجموعة من الفنانين المبتدئين، إلا انه لم يلقِ النجاح المطلوب على الرغم من الإعجاب والاستحسان بالعمل، وذلك بسبب نقص الدعاية والإعلان عنه بشكل جيد.
تلاه شريطان إيقاعيان في العامين 2000 و2004، خلال تلك الفترة تكون لدي الإدراك والنضج بتقديم نفسي بصورة أكبر بهدف الانتشار، ولكن للأسف تعرضت لانتقادات جارحة، ومشاكل تتعلق بالنصب والاحتيال في إنتاج أعمالي ما أدى إلى أن اقفل هذا الباب نهائيا.
لماذا تعود من جديد لهذا المجال على الرغم من الصدمات، وهل أنت راض عن المكانة التي وصلت إليها؟
طموح الفنان لا يتوقف، ولابد أن يعمل على الوصول إلى أعلى القمم، لكني لاأزال أبحث عن المستوى الذي انتمي له، وأشعر بأن لدي الكثير من الأفكار الكفيلة بتأهيلي إلى المستوى الذي يليق بفني. فأنا حاليا أخطط لإنشاء شركة إنتاج خاصة بي لأتمكن من تقديم المزيد من إبداعاتي وأعمالي للناس.
هل جاسم الجاسم فنان مظلوم إعلاميا؟
في البداية ربما الموضوع شائك، فإن وضعت مقارنة بيني وبين المطربين اليوم لرأيت النسبة كبيرة، ولا يمكن أن توضع بجانبها، إلا أن هناك مسألة يجب أن تحل وسؤالا يطرح نفسه بالأخير من الضروري أن يأخذ الفنان حقه الطبيعي، ويحصل على الدعم من قبل الدولة، التي تمكن من مثلي في وضع موطئ قدم، ونتقدم على أساسها بخطوات بسيطة إلى الإمام.
حيث ما يترتب حاليا من أعباء للمطرب الإماراتي أن أغانيه وإنتاجه الطويل لم تر النور، إلا في أوقات متأخرة جدا، وقد لا يعرف ولم يخرج له في البث، وهذا خلل يجب معالجته.
في ظل ظروف السوق، ألم تفكر في ركوب الموجة؟
إطلاقا، لأنك لو واكبت الموجة معناها أن اضطر إلى مسايرة ما يخالف معاييري ومبادئي في الفن بهدف التعايش مع هذه الموجة. ففي جانب آخر الجمهور لايزال عنده مبدأ مهم جداً، وهو لا يرغب في أن يخدع أو يستهان في ذائقته الفنية. فهناك مستمع يقدر تمييز الفن الهادف من الهابط والجيد، فأنا لم أفكر يوما أثناء عمل أغنية عن مناسبتها للجو والطقس والظروف التي نحن فيها، وإنما ما أنتجه يتم بعناية وتأن.
هل تنتهج خطاً معيناً لك، وما هي سماته إن وجد، وأي نوع من الموسيقى تفضل، وهل تؤيد الثبات على هذا النهج أم التغيير والتجديد؟
بالنسبة لي شخصياً لاأزل في مرحلة الأغنية العاطفية والاجتماعية بالتأكيد وأجبرني على الدخول فيها الكثيرون من عمالقة وأساتذة هذه المدرسة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ وخالد عبدالرحمن.
فمنذ البداية حاولت أن انتهج الخط الوجداني كما يطلق عليه أو الرومانسي العاطفي لأنه الأقرب لقلبي ولقلوب المستمعين، فهذا اللون الغنائي بكل تأكيد يعيش لفترة أطول من أي لون غنائي آخر، خصوصاً ما نستمع له اليوم من فوضى غنائية وفقاعات، اسلك طريقاً أصل من خلاله إلى هدفي، وإن وصلت متأخرا فيكفيني الوصول.
وهذا لا يمنع أني مستمع جيد للكثير من أنواع الموسيقى العربية والغربية ذات الإحساس المرهف.
ولماذا تعتقد أن خطواتك تسير ببطء على الرغم من امتلاكك الموهبة والقدرة على تقديم الأغنية بمستوى رائع؟
بالنسبة لي كاسم غير جديد في الوسط الفني، وكفنان غير معروف على نطاق واسع أسير بخطوات بطيئة نظراً إلى افتقاري للمنتج الداعم والإعلام الذي بدوره لابد أن يتبنى المواهب الحقيقية الموجودة قبل أن تندثر.
لذلك تجدني بطيئا ومتأخرا عن أخواني الفنانين الآخرين بالدولة، والذي يأتي في ظل انتعاش الأغاني المحلية والخليجية بصفة عامة، والتجديد والتنويع المتكرر والعزم على إثبات الذات من خلال مؤسسات وإدارات مهتمة بالفن والفنانين في تلك الدول.
حوار: ناهد مبارك


