كانت الأوراق البيضاء بالنسبة إليهم كما أسراب الحمام ساعة العصاري، تحلق خفاقة مخترقة ما وراء السحاب.. نشأ كل منهم وهو يحلم بأن يصبح شاعراً، تُنشر دواوينه وينقل مخيلته إلى الورق، ويمر أمام المكتبات لكي يراها محاصرة بنظرات الإعجاب واللهفة..

هكذا كان حلم كل شاعر أن يسجل أشعاره ويترجم أحاسيسه واقعاً ملموساً بين دفتي ديوان يقول «ها أنا ذا الشاعر الفذ جئت أطلعكم على موهبتي».. لكن يبدو أن هذا الحلم جرفه طوفان المادة والعولمة، فلم يعد للديوان وجود إلا على هامش اهتمامات الشعراء الشبان الذين وجدوا في المكاسب المادية السريعة التي تحققها لهم الأغاني خير بديل للحلم.. تفاصيل أوفى في سياق التحقيق التالي. بداية، يؤكد الشاعر ماهر مهران أن ظاهرة كتابة الشعر للأغنية فقط دون إصدار دواوين ليست جديدة، حيث نجد الكلمات التي تغنى بها أمثال عبده الحامولي ومنيرة المهدية وغيرهما كلمات تم تأليفها للغناء فقط ولم تصدر في ديوان، كذلك نجد شعراء تخصصوا في الكتابة للأغنية يطلق عليهم شعراء الأغاني مثل عبدالوهاب محمد وعبدالسلام أمين، وبهاء محمد وسيد حجاب ومصطفى كامل.

فاصل كبير... يرى مهران أن هناك فاصلا وفارقا كبيرا بين من يكتب الشعر للأغنية، ومن يكتبه لإصدار ديوان، فكل منهما جنس أدبي له جمالياته ومعاييره وأساليبه ومقوماته، والأمر في النهاية يعود إلى خيارات الشاعر نفسه، وقناعاته الشخصية في اللون الأدبي الذي يظهر من خلاله، أما ما يقال عن أن شعر الأغنية يحقق الشهرة والثراء لصاحبه فهذا ليس مقياساً، فالديوان يضمن لصاحبه البقاء عكس شعراء الأغنية، التي غالباً ما تنتهي بظهور موجة غنائية جديدة، خاصة مع ما نشهده من انحدار في مستوى الكلمات المغناة، حيث صارت الأغنية عملية حسابية وتجارية لكل الأطراف، دون تقديم فكر معين أو كلمات تجذب إليها المستمع المتذوق للأغاني الجيدة.. فالأشعار التي تغنت بها أم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ نجحت لأنهم تدخلوا في كلمات القصيدة بالحذف والإضافة، وحينما تم غناء القصيدة كما هي فشلت التجربة، حيث إن هناك كلمات في الشعر لا يصلح التغني بها. ربما تصلح كل الأشعار للغناء إذا توافر لها ملحن بمستوى بليغ حمدي الذي استطاع تقديم ألحانه على كل المستويات الموسيقية، وتغنى بأشعار شتى لقدرته الموسيقية العالية، أما غير ذلك فالأمر يتطلب التعديل والحذف والإضافة حتى يصلح الشعر للتغني به.

وهج خالد... أما الشاعرة سامية عبدالسلام فتؤكد أن شعراء الدواوين في تراجع مستمر في مقابل تزايد ظاهرة من يكتبون الأغاني، ومع أنها ترفض انتفاء صفة الشاعر عن كتاب الأغاني، إلا أنها تؤكد أن كتابة الأغاني لا تعدو كونها حرفة ومهنة تحقق لصاحبها العائد المادي الثابت والشهرة السريعة والمؤقتة.. أما كتابة الشعر بغرض إصدار ديوان فهي حالة وجدانية وتعبير عن أحاسيس داخلية، وترى أن لكل منهما لونه ومذاقه وجمهوره، لكن يبقى أن شاعر الديوان يحظى بشعبية دائمة وخالدة ويستمر سلطانه وأداؤه الأدبي المتوهج حتى بعد وفاته.

لكنها تتفق مع «مهران» في أن هناك أشعاراً لا تصلح للغناء إطلاقاً، وذلك ليس لضعف كلماتها إنما لأن شكلها الأدبي قد يكون أكبر من قدرة الملحن والمطرب، مؤكدة أنها كتبت نحو عشر أغنيات رفضت تقديمها للمطربين بسبب إقبالهم على التغني بكلمات لا ترقى للذوق أو الفن، وتطالب الشاعرة الجهات الثقافية ووسائل الإعلام بضرورة إحداث نهضة ثقافية للارتقاء بمستوى ما يقدم من أغان وذلك للارتقاء بذوق ووعي الجماهير الموسيقي.

قالب مختلف

إلى ذلك، يرى الشاعر الغنائي وجيه ذكري، عضو جمعية المؤلفين والملحنين، أن ظاهرة اقتصار عمل المبدع على كتابة الأغاني ترجع إلى فترة السبعينات، حيث ظهرت على يد شعراء مثل عمر بطيشة الذي تحول إلى كتابة الأغاني بعد إصداره ديواناً مشتركاً مع أحد الشعراء، تعرف إلى الملحن محمد سلطان والمطربة فايزة أحمد ومن حينها تحول من كتابة الشعر الفصيح إلى كتابة الأغاني.

ويشير إلى أن هناك نماذج لمبدعين عملوا على استثمار هذا الإبداع في الاتجاه الذي يحقق لهم المكاسب المادية والشهرة والأضواء، مؤكداً أن كتابة الأغنية لها قالب أدبي يختلف عن شعر الديوان، وأن أشعار الدواوين غير صالحة للتغني بها، وحينما تغنت غادة رجب بأشعار فاروق جويدة فشلت، ولم تحقق ما تحققه أغاني الأشعار العامة من نجاحات.

ووصف ذكري حال الشعر سواء الغنائي أو الديواني في الوقت الراهن بأنه ينحدر إلى الأسوأ، وذلك لأن الأجيال الجديدة لا تستوعب الأعمال الجادة، كما فقدت الأغنية الميزة الكبيرة لها وهي خلق الخيال والتفاعل مع المستمع حيث فقدت إبهارها الفني. وقديما كان يقال الشعر ديوان العرب، أما الآن فيقال الرواية والقصة هما ديوان العرب، لأن الشعر حالياً أصبح ذاتيا، يعتمد على نظريات الحداثة والتغريب، وبذلك فقدنا الشعر الكلامي والغنائي معاً.

شاعر تحت الطلب

أما الشاعر الغنائي الشاب محمد عبدالكريم عشري فيقول إن مؤلف الأغاني ليس لديه وقت لإصدار ديوان، ولا يعنيه هذا الأمر، وذلك لانشغاله الدائم بكتابة الأغاني المطلوبة منه، حيث إن الشاعر الغنائي يكتب بالطلب.

ويرى أن أشعار الدواوين لا تصلح في كثير من الأحيان للغناء، وذلك لأنها تختلف في بنيتها اللغوية وإيقاعها الموسيقي عن الشعر الغنائي الذي يرتبط بالعروض والإيقاع الموسيقي من خلال ربط الكلمة بالموسيقى حال كتابتها. أما شعر الديوان فكلماته جادة وجامدة لا تتمتع بالمرونة، كما أن جمهوره محدود للغاية.

ويختلف مع من يقول ان شعر الأغاني يحقق لصاحبه الشهرة أو الظهور الإعلامي، موضحا أن شاعر الأغاني أقل فرد من حيث المكاسب المادية والشهرة، وذلك لأنه يأتي في ذيل القائمة بعد المطرب والملحن والموزع الموسيقي والمنتج أيضاً، بعكس شاعر الديوان الذي تتحقق له المكانة الأدبية والظهور الإعلامي وكذلك المكاسب المادية. ويشير إلى ان شهرة مؤلف الأغاني مرتبطة بنجومية المطرب الذي يكتب له، وهناك عدد من كتاب الأغاني البارزين لم يصدر لهم دواوين وحققوا شهرة كبيرة مثل مصطفى كامل وتامر حسني وبهاء الدين محمد.

ظهور سريع

من جانبه، أرجع الشاعر الورداني ناصف ظاهرة لهاث الشباب وراء تقديم إبداعهم الشعري للمطربين إلى الرغبة في الظهور السريع، حتى وإن تم ذلك على حساب الإبداع لإرضاء تجار الكاسيت، الذين نجحوا في تسطيح الأغنية وتفريغ الغناء من مضمونه الجميل، وحققوا لأنفسهم مكاسب مادية طائلة على حساب تدمير الذوق العام، فأصبح اللهاث وراء الكسب المادي السريع يسيطر تماماً على عملية تقديم فن جيد، خاصة من ناحية الكلمات.

ويرى أن تجار الكاسيت لعبوا دوراً مدمراً في نشر هذه الأغاني السوقية، وتدوير كلمات تافهة ورخيصة تجعل الشباب يتصور أن هذا هو الإبداع الحقيقي المتاح، لأنه لم يستمع إلى الجانب الآخر المشرق الذي استمتعت به الأجيال السابقة.

ممسّوسون

أخيراً، يوضح الشاعر سمير درويش أن الشعر الغنائي دائماً وأبداً يعيش عالة على الشعر في أفضل حالاته، ويعيش عالة على ما سبقه من شعر غنائي في أسوأها، فهو يعتمد بالأساس على مفردات سهلة بسيطة ومعان مبتذلة تتمحور حول الحب والهجر والصد.. إلخ.

كما قال بيرم التونسي قبل أكثر من نصف قرن: «حافظين عشرة اتناشر كلمة نقل من الجرنال»!. هذا الشكل السائد لا ينفي- بالطبع- وجود نماذج جميلة لشعراء كبار اتجهوا إلى كتابة الأغنية مثل بيرم نفسه وصلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودي وسيد حجاب وإبراهيم عبدالفتاح وطاهر البرنبالي، لكن الملاحظ أن هؤلاء شعراء عامية مهمون في مسيرة شعر العامية المصرية أكثر من أن يكونوا شعراء أغان، ومع الأسف نجد أن السوق لا تحتفي بهم كثيراً، لأنها تحب النماذج السطحية!

وأشار إلى أن كتابة الأغنية تغوي كثيرين من الممسّوسين بالشعر، وليس الشعراء، لعدة أسباب أولها أن سوق الأغنية رائجة على المستويات جميعها عن سوق الشعر، في كل زمان ومكان.

فالأرقام التي نسمعها عن سعر الأغنية تفوق ما يحصل عليه شاعر حقيقي عن مجمل دواوينه طوال حياته، بالإضافة إلى الاحتفاء الذي يلاقيه شاعر الأغاني لدى وسائل الإعلام المختلفة، مسموعة ومرئية، ومرافقته للمشاهير من الفنانين والملحنين.. إلخ. كل هذه العوامل، إلى جانب قلة الموهبة والثقافة، تسيِّل لعاب هؤلاء الممسوسين بالشعر ليلهثوا وراء كتابة أغنية، ومحاولة تنفيذها بصوت أحد المطربين، من عمرو دياب إلى تامر حسني..

كل حسب شطارته، أغان لا تخرج في معظمها عن لوم الحبيب الذي هجر حبيبته دون أن يترك رسالة، وعن العذاب الذي يعانيه المهجور الذي لا يجد ما يفعله سوى البكاء، وإحصاء عدد نجوم السماء في ليلة مظلمة خالية من النجوم.