أنا (وأعوذ بالله من كلمة أنا) كلمة نقولها كثيراً حين نتحدث عن حياتنا وأنفسنا ومشاريعنا وتطلعاتنا، وهي كلمة تعني الفردية بجدارة، لكن تلك الأنا قد تكون إشارة إلى مشكلات أسرية حين يكثر استخدامها بين الزوجين في حديثهما مع الآخرين، أو داخل الأسرة فقد قال باحثون أميركيون إن الأزواج الذين يستخدمون ضمير المتكلم (نحن) بمعنييها للإشارة إلى الذات وللملكية الشخصية «خاصتنا» أسعد حالاً من نظرائهم الذين يستخدمون ضمير المتكلم (أنا) للإشارة إلى الذات وضمير المتكلم.

وحلل الباحثون في جامعة كاليفورنيا (بيركلي) محادثات لـ 154 زوجاً في منتصف العمر وما فوق حول نقاط الخلاف في زواجهم. وقال روبرت ليفنسون، الأستاذ في علم النفس، وزملاؤه في الدراسة إن الأزواج الذين استخدموا كلمة «نحن» تصرفوا بشكل أكثر إيجابية تجاه بعضهم ولم يعانوا من أي ضغط نفسي، وعلى النقيض من ذلك تبين أن الذين يستخدمون كلمتي (أنا وأنت) يشددون بشكل غير مباشر على «انفصاليتهم» ويعبرون عن عدم رضاهم عن زواجهم، وقال ليفنسون في الدراسة ان الأزواج المسنين يستخدمون كلمة «نحن» أكثر من استخدام نظرائهم لها في منتصف العمر.

وهذه الأنا التي تكدر صفو الحياة الزوجية يراها بعض المتزوجين ضرورية للحفاظ على الطموح والتفرد، حيث تشير الشاعرة رجاء الشحي إلى أن (النحن) هي أساس الحياة الزوجية لكن هذا لا يمنع وجود الأنا داخلها، لحاجة الإنسان إلى إثبات ذاته وتميزه وتفرده، وفي حياتي الأسرية يهمني أن أصل إلى صيغة تفاهم مقنعة تخضع للحوار المشترك والنقاش لأكثر من مرة حتى تكون النتيجة مناسبة لي ولزوجي في أي قرار نتخذه في حياتنا، لأن الزواج ليس إلغاءً للذات وإنما تفاعل وتواصل مع الآخر يضمن السعادة والهدوء ولا يلغي قدرات الزوج أو الزوجة واستقلاليتهما في تحقيق طموحاتهما في العمل والإبداع.

وفي التجارب الزوجية للإعلاميين نجد أن تجربة الإعلامي راشد الخرجي وزوجته الإعلامية أمل محمد من التجارب الزوجية الناجحة التي ذوبت الأنا ووصلت إلى مرحلة متقدمة من التفاهم والتواصل والتفاعل، فيقول راشد الخرجي الحمد لله كان ارتباطي بأم عمر ناجحاً ومثمراً، فهي سيدة إعلامية لها خبرة في مجالها وصارت لي بمثابة المستشارة خلال تنقلات عملي المختلفة واختياري للبرامج التي أقدمها، وهي ما زالت على رأس عملها تقدم ما تراه مناسباً ونتشاور في مشاريعنا، ولم تكن الأنا يوماً سائدة بيننا لأننا نؤمن بالتعاون والمشاركة في الحياة الزوجية، وكذلك ندرك قيمة الاستشارة في العمل، وأحياناً تطرح مداخلات في برنامجي على الهواء فأجد أن هذه المداخلة قد أثرت موضوع الحلقة لذا أقبلها كما هي ولا أسألها لماذا لم تناقشني بها قبل البرنامج أو بعده، لأني أثق بحكمتها وبطريقتها في معالجة الأمور وأشعر أن نجاح أي منا هو نجاح لنا معاً.

أما أم عمر الإعلامية أمل محمد فتتحدث عن تجربتها مع زوجها راشد الخرجي قائلة الزواج يعني انصهار الأنا في الآخر، مشاركته في أحلامه وطموحاته ومسؤولياته، وتجربتنا في الزواج سبقها 12 عاماً من العمل المشترك، الأمر الذي يعني معرفة كبيرة بالآخر فكلانا إعلامي ويعرف طبيعة عمل الآخر، ومن الطبيعي أن تكون الزوجة أكثر اهتماماً بتفاصيل البيت والأسرة والأبناء، فهي الأكثر انتباهاً لأمور البيت، والطريف في علاقتي بأبي عمر أننا قبل الزواج كنا نختلف كثيراً في الأعمال ولكن يبدو أن الأضداد تتجاذب لتشكل ثنائياً ناجحاً، وكلانا يدرك أن الحياة الزوجية لابد لها من تضحيات من الطرفين لذا اعتقد أننا نعرف ما نريد ولا وجود للأنا الفردية بيننا.

ويرى علم النفس أن مراحل الزواج وتشابك تفاصيله، يمكن أن تحدد مساحة الأنا وحضورها في الحياة الزوجية، فقد قال الدكتور ريموند حمدان (عندما يبدأ الزواج فإن الزوجين يكونان في مرحلة شهر العسل ويحاول كل منهما إرضاء الآخر وجعله مرتاحاً، لكن مع مرور الوقت وتنوع التفاصيل التي تربط الزوجين والمسؤوليات اليوم تؤدي إلى ظهور مشكلات يجب أن تعالج في وقتها لأن تراكمها يؤدي إلى التباعد بين الزوجين وظهور لغة تعبر عن هذا الابتعاد، حيث تجد الأنا مساحة كبيرة لها في حواراتهم، ويصبح عندهم باللاوعي شعور بأنهم لم يعودوا مرتبطين تماماً بشريك حياتهم.

وفي الغالب تكون الأنا موجودة في لغة الرجال بسبب طبيعتهم واعتباراتهم الخاصة ومحاولات التعبير عن التفوق، أما المرأة فهي أكثر حساسية اتجاه العلاقة الزوجية وتعطي مساحة كبيرة لمشاعرها، لذا لا تظهر الأنا في لغتها إلا عندما يكون رد فعل على جرح مشاعرها حين لا يعيرها زوجها الانتباه الكافي أو يكون تصرفه أنانياً فردياً أو لا يقدر قيمتها وأحاسيسها، لذا فإن مساحة الأنا حين تتسع في لغة الأزواج فإنها تعطي دلالات سلبية عن مدى نجاح العلاقة بين الزوجين، بينما يدل استخدام ضمير الجماعة في الحديث على الشعور بالتقارب والانتماء إلى الشريك.

دبي - دلال جويد