كما هي جميلة ومثيرة التنورة على خصر حواء الرشيقة، استطاعت التنورة (الفرقة) أن تجسد لوحة مبهجة الألوان تتناغم برؤى فلسفية مغلفة بحكايات العشق والأساطير، في غلالة رقيقة من البساطة الآسرة، تزفها آلات شعبية تتنوع بين ربابة، سلامية، مزمار، صاجات، وطبلة، فضلا عن مصاحبة رقصاتها منشد شعبي يعتمد على التلقائية والإنشاد الديني. هذه اللوحة تجسدها ببساطة فرقة التنورة للفنون التراثية، إحدى أبرز فرق الفنون الشعبية بمصر، وأكثرها التصاقاً بالشعب، ذلك أنها تضفي إيحاءات فلسفية صوفية تجذب إليها جمهوراً بلا حصر.

تعتمد عناصر الرقص بفرقة التنورة على راقص رئيسي يسمى (اللفيف) وراقصين آخرين يسمون (الحناتية) يرقصون بآلة الإيقاع (المزهر)، وجميع أفراد الفرقة من راقصين وموسيقيين هم فنانون تلقائيون ورثوا فنون الرقص والعزف والغناء عن آبائهم وأجدادهم. وتتميز رقصة التنورة بطابع فريد في نوعه، معتمدة على حركات دائرية تنبع من الحس الصوفي بكل ما له من أسس فلسفية ودلالية ترجع في جوهرها إلى المفهوم القائل إن الحركة في الكون تبدأ من نقطة وتنتهي عند ذات النقطة، وإن الحركة لذلك تكون دائرية، وعندما يدور (اللفيف) كما الشمس يلتف حوله الراقصون (الحناتية) وكأنهم الكواكب، ومن خلال الدورات المتعاقبة يرمزون إلى تعاقب الفصول الأربعة، ذلك أنهم يدورون عكس عقارب الساعة تماماً، وحين يقوم الراقص يرفع يده اليمنى من أعلى ويده اليسرى إلى أسفل دلالة على عقد الصلة ما بين الأرض والسماء.

فكرة فلسفية... بعيداً عن كونها فن متوارث عن الآباء والأجداد، بدأت فرقة التنورة للفنون التراثية رسمياً نشاطها في العام 1988 في قصر الغوري للتراث الفني، وهو تابع للهيئة العامة لقصور الثقافة، هذا ما يؤكده مدير فرقة التنورة، محمود عيسى، موضحاً أن الفرقة بدأت بمجموعة فنانين تلقائيين تعلموا فنون الموسيقى والغناء من أسرهم، وكانوا يقدمون فنونهم في الموالد والاحتفالات الدينية، ومن ثم تم تجميعهم وتدريبهم وإعدادهم لإخراج العرض الذي تتميز به الفرقة حاليا، وهذا العرض يجمع كل الطرق الصوفية المختلفة للموسيقى الشعبية المتداولة في الموالد والاحتفالات الشعبية والدينية. ويوضح أن الفرقة استلهمت الفكرة الفلسفية للعلامة جلال الدين الرومي، وهذه الفكرة خاصة بالطريقة المولوية تقول إن الكون يبدأ من نقطة وينتهي عند ذات النقطة، وان الشمس هي مركز الكون والكواكب تدور حول الشمس من الشمال إلى اليمين مثل الطواف حول الكعبة.

أما فكرة استخدام التنورات فيوضح أنها اختراع مصري خاص استلهمه الفنان الشعبي من أعلام الطرق الصوفية المختلفة والألوان المتداولة في الموالد الدينية، مشيرا إلى أنه في وقت بدء الفرقة كان الفنان صلاح عناني مديرا لقصر الغوري للتراث، والذي يقام فيه عرض فرقة التنورة، موضحا أنه أول من شجع تكوين هذه الفرقة بمجموعتها الأولى.

ومن ثم تم البدء في تكوين الجيل الثاني الذي تعلم كل أصول الفن، بعدها جاء الجيل الثالث الذي تعلم من الجيلين السابقين، وكان قائد الفرقة في بادئ الأمر، ومعلمهم ومن يعطي لهم التعليمات من الجيل الأول حتى الآن هو محمود عيسى، وكان عدد الفرقة في بادئ الأمر 11 فرداً، ثم بدأت تتزايد إلى أن وصلت إلى 60 فرداً في الفرقة من فنانين راقصين وموسيقيين وعازفين ومنشدين.

ويشير مدير فرقة التنورة إلى أنها عادت إلى وكالة الغوري بعد تركها لسنوات عدة عند البدء في ترميم الوكالة، وتقدم حاليا عروضها كل سبت وأربعاء، ونظرا إلى الإقبال الجماهيري على حفل الفرقة قام صندوق التنمية الثقافي بعرض الحفلة ثلاثة أيام في الأسبوع (سبت/ اثنين/ أربعاء) وفي كل حفلة يكون العدد مكتملا نظرا إلى أنها تعكس القيم التشكيلية المصرية التي تنبض بها البيئة المحلية، والتي أدخلت باتقان في قالب الفن الشعبي الجماهيري لتصبح واحدة من أشهر الرقصات الشعبية.

ارتقاء سماوي

التقينا بعد ذلك راقص التنورة، الفنان هاني أمين، الذي يوضح أنه عشق هذا الفن منذ أن كان عمره 10 سنوات على يد آبائه وأجداده، فكان دائماً يحضر عروضهم وهم يقدمون رقصة التنورة ويقوم بتقليدهم، كان في البداية يقوم باللف من غير التنورة من كثرة إعجابه بما يقدمون، ثم بدأ يقلدهم بعد ذلك بالتنورة أكثر من مرة حتى تعلم أصول الرقصة.

ومن ثم بدأ يقدم العروض بنفسه. وعن شعوره أثناء العرض يقول إنه يشعر أن روحه ترتقي للسماء، ولا يضع في رأسه غير صوت المنشد الذي يوصل له الإحساس بالرقصة، سابحا مع الأداء الموسيقي حوله ناظرا إلى السماء وكأنه في حالة هيام وعشق أبدي، لا يشعر بأحد حوله في هذه اللحظة غير الأصوات التي تخرج مع الإحساس.

مشيراً إلى أن اللفيف في هذه اللحظة يرمز إلى الشمس التي تلتف حولها الكواكب، ويمثلوها بالحنائية وهم يرقصون بآلة الإيقاع، وهذا يرمز إلى الفصول الأربعة مع الرقص اتجاه عكس عقارب الساعة، وعند رفع اليد اليمنى إلى أعلى واليد اليسرى إلى أسفل ذلك يكون عقد صلة بين الأرض والسماء.

وعن استعداداته لرقصة التنورة يقول: امتنع عن تناول الطعام قبل العرض مباشرة، من الممكن أن يكون قبله بفترة طويلة، وحينما أتناول طعاما أحرص على ألا يزيد على نصف رغيف حتى أضبط معدل تنفسي وأترك مكاناً لرئتي لكي تتنفس بحرية وصفاء، أيضا حتى لا أشعر بالغثيان والتعب أثناء العرض.

أما عن سر الألوان الجذابة والكثيرة في التنورة؛ فيوضح أنها تعبير عن طرق الصوفية المختلفة، وذلك لأن لكل طريقة لوناً مختلفاً ومتميزاً يعبر عنها، فمثلا الأحمدية يتميزون باللون الأحمر والقادرية باللون الأخضر، أما الرفاعية فلها لون آخر، فجمعت كل هذه الألوان في التنورة لكي تعبر عنها في شيء واحد، وهناك سبب آخر وهو أن الصوفية كانوا يلبسون قطع القماش القديمة جدا، والتي تتكون من أكثر من قطعة (مرقعة) مع بعضها البعض، وعندما تدمج تكوّن ألواناً كثيرة. وعن البروفات التي يقوم بها يشير إلى أنها تستغرق أكثر من 3 ساعات، إضافة إلى أن عرض الفرقة ورقصة التنورة يستغرق ساعة.

وزن وطول ومهارة

كما التقينا بلّفيف آخر للتنورة وهو السيد إسماعيل الذي يوضح أنه تعلم رقصة التنورة منذ بداية التسعينات، انضم قبلها إلى فرقة الغربية للفنون الشعبية، وأصبح راقصا بها لمدة عامين ثم انتقل إلى القاهرة، وتعرف بفرقة التنورة والتحق بها.

ويؤكد أن راقص التنورة لابد أن يكون له وزن مناسب متناغم مع طوله، ويكون لديه مهارة في لف التنورة، وقدرة عالية على التنفس، حتى لا يجهد سريعا، مع قدرة عالية على التركيز بلف التنورة مع الفانوس متعدد الألوان الذي يبدأ به العرض مع الدفوف، والتي تكون حركة دائرية أيضا مع التنورة لكي تكون فنا استعراضيا كاملا..

لافتا إلى أن الفانوس بالدفوف مع التنورة تعد من أصعب الحركات التي يتم تقديمها لأنها تعتمد على قدرة تثبيت عالية، مع مهارة وقوة تحمل مع التركيز في نقطة واحدة حتى لا يسقط منه الدفوف أو الفانوس.

ويحكي إسماعيل عن أقمشة التنورة، مشيراً إلى أنها تتكون من مجموعة من الأقمشة العادية مع قليل من الشيفون، ويدخل معها اللامية مع ضبط دائري يحكم التنورة ويسمح بالانفتاح والانفراد أثناء الدوران، ويتم صنع التنورة من قبل متخصصين مهرة في منطقة الحسين.

وعن كيفية تغلب راقص التنورة على حالة الغثيان وعدم حدوثها له أثناء العرض يقول إنها مسألة تدريب وتعود، فتكون صعبة في البداية، لكن بعد ذلك تصبح شيئا عاديا وطبيعيا، لاسيما مع تنظيم الطعام الذي يمنع حدوث الغثيان، مشيرا إلى أن التمرين المستمر والإكثار من مدة اللف يساعد على منع حدوث الغثيان أو الدوار، ولذلك لا تقوى السيدات عليها إلا قليلات منهن.

لغة عالمية

أما المنشد الديني الحاج محمد فيوضح أنه يقوم بمصاحبة الموسيقى والتنورة بمدائح نبوية وعن الأولياء الصالحين مع أدعية دينية مختلفة، إضافة إلى بعض المواويل والأغاني الشعبية التراثية التي تدعو إلى المحبة والحكمة والكرم بين الناس، والتسامح والسلام بين الدول، موضحا أنه على الرغم من أن هذه الأدعية والأناشيد باللغة العربية إلا أن جميع الحضور سواء عرب أو أجانب يستمتعون بها ويتجاوبون معها وينبهرون بما يقدم ويطلبون منها المزيد والمزيد.

عالمية

العروض التي تقدمها الفرقة لا تقتصر على مصر فقط، بل تشارك في برامج التبادل الثقافي الخارجي والمهرجانات الدولية، إضافة إلى عرض الفرقة حفلاتها في كل من اليابان والولايات المتحدة الأميركية والنمسا والمجر وإيطاليا والسويد والنرويج والدنمارك وفرنسا والصين وكوريا الشمالية والجنوبية، المغرب، تونس، اليونان، وسوريا ولبنان والأردن ورومانيا وتركيا وهولندا، وغيرها في كثير من دول العالم.

إيقاع

الفرقة أصبحت من أكثر الفرق الشعبية التي لاقت إقبالا جماهيريا في جميع دول العالم، وكل ذلك يظهر بنجاح الفرقة وأدائها، حيث يبدأ العرض بتحميلة موسيقية، وهي عبارة عن مقطوعات شعبية، ولكل عازف آلة يؤدي عزفه منفردا وتظهر قدراته، إضافة إلى رقصة التنورة الصوفية أو الدراويش، وهي الحركة الدائرية التي تنبع من الحس الصوفي، فضلا عن رقصة التنورة الاستعراضية باستخدام التنانير وإظهار أشكالها وألوانها مع إظهار لياقة الراقص، واستخدام الجمل الموسيقية والإيقاع السريع المتنوع.

محبة

المواويل والأغاني الشعبية التراثية التي تغنيها الفرقة تدعو إلى المحبة والحكمة والكرم بين الناس، والتسامح والسلام بين الدول، وعلى الرغم من أن هذه الأدعية والأناشيد باللغة العربية إلا أن جميع الحضور سواء عرب أو أجانب يستمتعون بها ويتجاوبون معها وينبهرون بما يقدم ويطلبون منها المزيد.