سياحة

ماتشو بيتشو بين السماء والأرض

صورة

على قمة جبل ناءٍ في جبال الأنديز البيروفية، وعلى ارتفاع يزيد على 2.500 م، تقبع آثار مدينة عريقة، بُنيت مدينة ماتشو بيتشو لإرضاء طموح باتشاكوتي، امبراطور الإنكا، حيث أمر بتشييد مدينة مقدسة له في السماء، مدينة خالدة تستقطب أشعة الشمس والطاقة الخفية لتخومها الطبيعية .

وقد واجه مهندسو باتشاكوتي وهم يسابقون الزمن مشكلة بعد أخرى، كيف يدعمون الأرض والأبنية لتقاوم انجراف التربة والزلازل والأمطار العاصفة؛ كيف يعبئون الأمطار الهاطلة في قنوات بطريقة آمنة لتأمين المياه لألف نسمة من سكان قمة الجبل، الذي يبعد 450 مترا عن أقرب نهر؛ كيف ينقلون طوب البناء الغرانيتي الضخم الذي غالباً ما يزن عدة أطنان دون استخدام رافعات أو عجلات أو ثيران أو خيول؛ وكيف يبنون، دون اسمنت أو بلاط، جدراناً مقاومة للعوامل الطبيعية وللزمن، جدرانٌ ذات جمال وفن حجري يأسر ويدهش المهندسين والمعماريين، وقد تم اكتشاف ماتشو بيتشو منذ أقل من 100 عام، إلا أنها بقيت كما أرادها باتشاكوتي أن تكون، واحدة من أكثر المباني العملاقة العريقة غموضاً وإلهاماً في العالم .

تتربع ماتشو بيتشو على أعلى وادي نهر آروبامبا متوسطةً اثنتين من القمم؛ ماتشو بيتشو (القمة القديمة) وهيوانا بيتشو (القمة الجديدة)، وقد استطاعت هذه المدينة الصمود خلال ما يقرب من 600 عامٍ أمام الأمطار الغزيرة والانزلاقات الطينية، وتشغل المدينة مساحةً تعادل مساحة 12 ملعب كرة قدم، واستطاعت هذه (المدينة التي تعانق السماء) أن تؤي بين جنباتها ما يقرب من 1.000 شخص مؤمنةً كل متطلبات الحياة اليومية من منازل ومياه ريٍ وحقولٍ لزراعة المحاصيل .

لقد تشكل جرانيت ماتشو بيتشو من صهارة الأرض (الماغما) القديمة، الأمر الذي ساعده في أن يكون غنياً بالكوار والفلسبار والميكة، ويصل وزن طابوق الجرانيت إلى أكثر من 20 طنا، واقتصرت عملية نحت ونقل كل قطعة من طابوق الجرانيت على الجهد البشري وأدواتٍ بدائيةٍ، لم يُتعمّد في بناء ماتشو بيتشو استخدام أي خطوط مستقيمة أو زوايا صحيحة . حقول ماتشو بيتشو آيةً في الإبداع، ففي الوقت الذي كانت تسيطر فيه على السيول، وتعمل على منع التعرية، شقت هذه الحقول في الجبل مساحةً قابلةً للاستعمال . واستخدم شعب الإنكا هذه الحقول لزراعة المحاصيل الغذائية وغيرها من المحاصيل المتعارف عليها في تلك المنطقة .

وتعمل الصخور خلال النهار على امتصاص حرارة الشمس لتقوم بعدها ببثها إلى الأرض، الأمر الذي يساعد في حماية المحاصيل . ويساعد تصميم الحقول أيضاً في تشكيل مصد على شكل مسند للمنحدر الجبلي وتحويل ثقل التربة إلى الأرض عند سفح الجبل .

غموض وألغاز

لا يوجد أي سجلّ مكتوب لتاريخ إنكا لأن الحضارة الانكية ما كانت لها كتابة واعتمد تسجيل التاريخ على النقل الشفوي، ويخمن بعض الناس أن شعب إنكا القديم في هذه المدينة لم يرغب في احتلال الإسبانيين للمدينة واختطاف حضارتهم الباهرة، فبقوا صامتين ولم يتكلموا عنها أبدا . والى جانب ذلك بنيت المدينة على قمة جبل محاط بغابات كثيفة، ولم يجدها الإسبانيون .

واكتشف في المدينة كثير من جثامين النساء، لذلك خمن الناس أنها كانت مكانا خاصا سكنت فيه النساء، ولكن المدينة لا تبدو صالحة للسكن من حيث هيكل البنايات هناك، بل تبدو أنها كانت مكانا لتقديم القرابين أو إقامة المراسم فيه .

وفي العام 1911 اكتشف الرائد الأميركي هيرام بينغهام أطلال مدينة ماتشو بيتشو القديمة المغطاة بغابات استوائية كثيفة، ثم بدأت ماتشو بيتشو تظهر حضارتها الرائعة رويدا رويدا أمام العالم الحديث.

وفي المدينة شوارع صغيرة في ترتيب جيد، وتتميز القصور والمعابد والمعامل والحصون بخصائصها المختلفة، وبنيت كل هذه البنايات من أحجار ضخمة، غير أن كل الأحجار مهما كان حجمها تلتصق ببعضها التصاقا وثيقا، حتى لا يمكن إدخال شفرة حلاقة ما بين حجرين . وبفضل هذه العجبية المدهشة صنفت منظمة اليونسكو مدينة ماتشو بيتشو في قائمة (التراث العالمي) عام 1983 .

ولا يزال تاريخ بناء مدينة ماتشو بيتشو غير معروف لدى الناس، ويتوقع البعض أنها بنيت في أواخر القرن الخامس عشر عندما وصل إمبراطور إنكا إلى ذروة مجده، وكانت هذه المدينة مكانا لتقديم القرابين والأنشطة الدينية الأخرى، وكان شعب إنكا هناك يعبد الشمس واعتبروا أن النساء بنات الشمس المقدسات .

وفي ماتشو بيتشو الكثير من الحدائق والأروقة والبنايات والقصور الفخمة، والترع وقنوات الري وبركات الاستحمام، وتربط السلالم الحجرية بين الحدائق والشوارع المختلفة الارتفاع .

وقال الرائد الأميركي هايلم بينغم إن هذه المباني الحجرية معجزة صعبة التصديق، وقال بعض الناس إنه مستحيل أن يكون شعب إنكا القديم قد بنى هذه المباني العجيبة من دون أدوات حديثة ومعارف معمارية وهندسية، فخمنوا أن الكائنات الفضائية قد نزلت إلى هذا المكان قبل آلاف السنين وبنت هذه المدينة، أو بناها إله الشمس وغيرهما من الحكايات الخيالية.

ومهما كانت كيفية بناء مدينة ماتشو بيتشو، يدفع وجودها الناس إلى المزيد من الاكتشاف والتعرف إلى هذا الشعب القديم السحري والذكي .

وتلقب ماتشو بيتشو بالحديقة المعلقة لأنها مبنية على قمة جبل شديد الانحدار، وفي أقل من خمسين سنة منذ اكتشاف أطلالها وفتحها، يزور هذه الحديقة المعلقة أكثر من نصف مليون سائح كل سنة .

تعرض الخميس المقبل على قناة (ناشونال جيوغرافيك) أبوظبي في تمام الساعة الثامنة مساء .

دبي ـ خالد المحمدي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات