أثناء تصفُحي لأحد المواقع الإلكترونية الاستشارية شد انتباهي مشكلة عرضها أحد الشباب جاء فيها: عمري 31 عاما، متزوج ولدي طفل عمره عامان، مشكلتي هي الخوف من الحسد، فأنا أشعر بأن زوجتي تحسدني، وأخاف منها ومن أهلها، ولا أجعلها تعلم ماذا أكسب، حتى انني أخاف من شراء أي شيء له قيمة، خشية أن تحسدني هي وأهلها، على الرغم من أنها من أسرة متوسطة الحال، ولكنهم يحاولون معرفة ما الذي بحوزة الآخرين، وقد ربتني والدتي على الخوف من الحسد، فهل يمكن للحسد أن يغير القدر؟ وهل يمكن للحاسد أن يقتل المحسود أو يجعله فقيرا، وهل أنا إنسان طبيعي، وما العلاج؟!
نعم، كثيرة هي المشاكل التي يرجع سببها عند الغالبية منا إلى الحسد، وقد أوضح لنا ديننا الحنيف كيفية الاستعاذة من شر الحاسدين، ولكن وصلت المسألة عند البعض إلى استخدام وسائل دفع بوضع الخرزة الزرقاء، والبخور، والأعشاب وغيرها، ويعتبر الحسد من أكثر الأمور التي شغلت أذهان الناس على اختلاف بيئاتهم ومداركهم، ومختلف وسائل تفكيرهم، وربما لا يكون له أساس في حياة الكثيرين، غير أنه وهم نفسي. (الحواس الخمس) لن يُناقش هذا الموضوع بشكل تقليدي روتيني، ولكن يستعرضه من منحى آخر وهو (الحاسدون الطيبون)، أولئك الذين يدخلون بيوتنا، ويجلسون بيننا، ونحب أحاديثهم، ونشتاق لهم إن غابوا، إلا أننا نعلم تمام العلم أن لهم عينا حاسدة! مجموعة من الشباب تفاعلوا مع هذا الموضوع، فجاءت ردودهم المختلفة في السطور التالية.
ساعتي كُسرت والسبب صديقتي في هذا الإطار تقول فاطمة عبيد: أهداني زوجي ساعة قيمة بمناسبة مرور عام على زواجنا، وحينما زارتني إحدى صديقاتي أعجبتها الساعة كثيرا، ولاحظت ذلك من خلال نظراتها. الأدهى أنها كانت بين لحظة وأخرى تدير دفة الحديث باتجاه الساعة مبدية إعجابها الشديد بها، وعندما همت بالانصراف، وبمجرد أن رفعت يدي لأُغلق الباب سقطت الساعة على الأرض! الأمر الذي ضايقني كثيرا، إلا أن زوجي سرعان ما أخذها إلى المحل وقام بتصليحها. مضيفة : أحب صديقتي هذه كثيرا، وأعلم أن لها عينا حاسدة، ولكني بدأت عملية التخفيف، أو التقليل من تبادل زياراتنا، خوفا من حسدها الذي يُصيب فورا.
صديقاتي يحسدنني على تفوقي أما أحلام محمد عيسى، طالبة جامعية، فتذكر أن نجاحها الدائم في الفصول الجامعية بدرجة امتياز مثير للحسد بين صديقاتها المقربات، مضيفة أنه «للأسف الشديد أُلاحظ أن صديقاتي لا يدركن التعب والجهد الذي أبذله في الدراسة للحصول على درجات عالية، والحرص على التخرج بدرجة امتياز لتحقيق طموحاتي المستقبلية. مؤكدة أنها تؤمن بوسائل دفع الحسد بالقرآن الكريم والأدعية. كما أنها لا تُفكر إطلاقا باستخدام الخرزة الزرقاء، كما يفعل البعض من الناس، لأنها لا تريد إعارته أكثر من حجمه؛ فالتفكير به يؤدي إلى تعب وتلف الأعصاب.
سخرية تامة
ويبدو أن الحسد موجود أكثر في مجتمع النساء، فهنا قصة أخرى تخبرنا إياها إيمان صالح العمير، إذ دعت صديقاتها إلى حفلة عقد قرانها، والظاهر أن صديقاتها الطيبات أُعجبن بطقم الألماس الذي قدمه زوج صديقتهن لها، وبما أن انتهت الحفلة، وغادر الجميع لاحظت إيمان تعرض جزء من قلادتها الماسية للكسر! مضيفة وبسخرية تامة: هل ألجأ لدرء الحسد عني، وخصوصا من أعين صديقاتي بتعليق سنابل قمح، أو حدوة حصان، أو خرزة، أو كف!
لا يحسد المال إلا صاحبه
تقول عائشة آل علي «الحسد موجود، وبعض الناس لها عيون حارة وقوية، وأؤمن أن البعض له تأثير قوي ليحرق ماله»، مستشهدة بمقولة «لا يحسد المال إلا صاحبه»، مشيرة إلى حرصها الكبير على قراءة القرآن الكريم لدفع الحسد ووسائل الرقية الشرعية. وتروي عائشة أنها في إحدى المناسبات التي أقامتها في منزلها، وبينما هي تقوم بإكرام ضيفاتها أحبت تقديم العود لهن بالمدخن، ولكن سرعان ما وقع عليها المدخن وحرق جزءا من ملابسها ويديها.
مضيفة: استأت لما حدث لي كثيرا، ونصحتني والدتي بذكر المعوذات دائما، وحثتني على إمكانية استغلال الحسد إيجابيا، وذلك بتحويل شعور الحسد إلى شعور إيجابي، من خلال التسامي به، وتحويله إلى حافز للتقدم.
استئجار من نوع آخر
عالية عادل تقول: الحسد يدور حول رغبة المرء في تملك شيء لدى غيره، وهو شعور موجود لدى الناس جميعا، ولا يعني بالضرورة كون المرء شريرا. ومع ذلك، يتمكن البعض من استغلاله عن عمد في إيذاء الآخرين. شخصيا، أتذكر أن امرأة كانت في مدينتي تشتهر بالحسد، وكان البعض لاسيما من فئة النساء يستأجرونها للإضرار بخصومهن!
مُضيفة: ألجأ شخصيا في سبيل درء خطر الحسد إلى جملة من الأشياء، منها العين الزرقاء التي حسب الاعتقاد تصيب عين الحاسد، وتلهيها قبل أن تصيب صاحبها بالحسد، كما ألجأ إلى مقتنيات أخرى كالبخور والشبة والملح والسلاسل والكف.
الحاسد معروف
شيرزاد طاهر، رجل دين وإعلامي، أوضح في قوله: إن الحسد جانب ديني ثابت، وجاء في القرآن والسنة كيفية معالجة هذا الأمر، مشيرا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (العين حق)، ويذكر شيرزاد بعض المواقف المعنية بالموضوع، منها جاءه أحد الشباب وهو إمام مسجد، وكان مريضا جدا.
وأخبرني أن أتوسط بينه وبين أحد الأشخاص على أن الأخير قد حسده، واتضح في نهاية الأمر أن صديقنا إمام المسجد متعرض لالتهاب كبير في صدره ليس إلا ! موضحا أن إلقاء التهم على الغير أمر خطير جدا يجب الانتباه له.
تحرص أسماء عبد الكريم على ارتداء قلادة العين الزرقاء التي في ظنها تبعد الحسد، وعلى حسب قولها: الخرزة عبارة عن حجر فيه من الروحانية ما يؤهله لدفع عين الحاسد، فضلاً عن أن الطلاسم والاحراز والكتابات المخصصة على الأوراق ذات تأثير جيد!
مُضيفة: أن لكل حجر كريم ملكا يحرس من يقتنيه! ومن هذا المنطلق يمكن القول إنه تختلف سبل صد العين الحاسدة والحماية منها، وتتنوع بين الثقافات المختلفة، ولا يخلو بعضها من الطرافة، حيث يستخدم الناس الملح بسبب أنها مادة كانت تستخدم لحفظ المواد الغذائية؛ كاللحوم سابقاً.
وبالتالي يأتي الاعتقاد على أنها قد تحفظ مقتنيها. أما الخرز فلاعتقادهم بأنه يدفع الأرواح الشريرة، ومنها أيضا الشبه التي هي في الأساس تطلق بعض المواد القاتلة للميكروبات، وبالتالي اعتقد الناس البسطاء أن لها تأثيراً على العين الحاسدة.
ومن جانب آخر لجأ الفراعنة قديما في مصر إلى اللون الأزرق باعتباره رمز الخصوبة والحماية من الحسد، وحرصوا على ارتداء حلي كتمائم وتعاويذ، أشهرها «عين الإله حورس». أما في تركيا فيضعون العيون الزرقاء المحدقة بك.
أما في الصين فيتمثل علاج الحسد في مرآة «با كوا»، وهي مرآة سداسية الجوانب توضع أمام الأبواب أو النوافذ لرد طاقة العين السلبية على صاحبها. وفي نيبال يجري ارتداء «عين بوذا» للحماية من الحسد. ويستخدم الهنود، وكذلك شعوب شرق أوروبا، في صد الـ «عين» اللون الأحمر، حيث يجري لف أشرطة من اللون الأحمر حول الرسغ أو الرقبة لحماية الأطفال.
وفي إيران يتم اللجوء إلى إشعال البخور وتلاوة أدعية لصد العين. ومن بعض المقتنيات أيضا حرص الأوروبيين والآسيويين على وضع السلاسل وبعض الخضراوات كالفلفل التي نقلت إلينا من اعتقادات خاطئة في الديانة الهندوسية.
إضاءات
الحسد مادة دسمة تثير ذائقة كبار المطربين والشعبيين
الفن لم يكن بعيدا عن الحسد، بل كان مادة دسمة تغنى بها كبار المطريبن، فمن منا لا يتذكر أغنية (حسدوني)، للموسيقار محمد عبد الوهاب التي جاء فيها: حسدوني وباين في عينيهم من عطفك وحنانك لي، وعذابي في هواك يرضيهم ويا ريتك بتعذب فيّ.
ومن ينسى أغنية (يا حاسدين الناس، مالكم ومال الناس)، للمطرب الشعبي الشهير محمد عبد المطلب في خمسينات القرن الماضي متسائلا ومحذرا من مغبة الحسد، والأمثال الشعبية زاخرة في هذا المجال، ومنها (عين الحسود فيها عود)، (يكفيك شر العين)، ولدى المصريين (خمسة وخميسة في عين اللي ما يصلي على النبي).
وفي التراث يقولون (معروف الشخص الناجح البشر منه يغارون، يحسدونه على إبداعاته والحسد مذكور بالقرآن.. بعض الناس من ربهم مايخافون، والحقد سرى بدمهم ما منهم أبد أمان، واللي ما يتمنا الخير لغيره نفسهم يعرفون، بيظل بحياته فاشل ما يتوقف في هالزمان، ما عنده ثقة بنفسه وعليه دوم بيضحكون، بيدفع الثمن الحاقد وكل غيور وخوان، ياالله عليك فيهم يالله يارب الكون، عليك بالحاقد والحاسد جازيهم يارب الرحمن).
ويُعرف الحسد على أنه تمني زوال النعمة من يد الغير، وفي ثقافتنا العربية والإسلامية الكثير من القصص التي تتناول الحسد والحُساد، وفي المقابل تتعدد التعاويذ والعبارات والأقوال الأخرى التي يتداولها الناس على اختلافهم، ويبقى بينهم هدف واحد مشترك هو منع الحسد.
وأخيرا عن أبي العباس عبدالله بن عباس، رضي الله عنه، قال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال (ياغلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت؛ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف) رواه الترمذي.
الاستعانة والتوكل
شيرزاد طاهر يُلخص جملة من الأمور التي تعين على دفع الحسد، وهي الالتجاء إلى الله عز وجل، وقراءة القرآن الكريم، وخصوصا المعوذتين، والاستعانة والتوكل على الله سبحانه وتعالى، مؤكدا أن الله تعالى هو النافع والضار، وهذه العين التي يخاف منها، لا تستطيع نفعه ولا ضره، إلا أن يشاء الله. وهذا يبدو جليا عند الكثير من الناس الذين يشتكون دائما من أوجاع، أو أعطال في سياراتهم.
دبي ـ جميلة إسماعيل



