«الحواس الخمس» على «أطلالها» في ذكراها الـ 35

10 شخصيات صنعت أم كلثوم وشهرتهم

صورة

أحمد رامي، أحمد شوقي، بيرم التونسي، طاهر أبوفاشا، محمود حسن إسماعيل، مأمون الشناوي، مرسي جميل عزيز، صلاح جاهين، أبوالعلا محمد، أحمد صبري النجريدي، عبده الحامولي، محمد القصبجي، زكريا أحمد، رياض السنباطي، محمد الموجي، كمال الطويل، محمد عبدالوهاب، بليغ حمدي.

عشرات الأسماء الذائعة التي ارتبطت بسيدة الغناء العربي، أم كلثوم،، التي تمر ذكرى رحيلها، الخامسة والثلاثون بعد رحلة طويلة من العطاء قدمت فيها المئات من الاغاني التي احبها المستمعون على اختلاف جنسياتهم وميولهم... (الحواس الخمس) يعيش الذكرى مع 10 أسماء، ارتبطت بسيدة الغناء العربي، أثرت فيها وتأثرت بها.. صنعت نجاحها كما صنعت نجاحهم.. عاشوا آلامها كما عاشت آلامهم.. أحبتهم كما أحبوها وجرحتهم كما جرحوها.. تاريخ حافل من الأحاسيس والأحداث لا يمكن أن تحصيه آلاف الصفحات الصحافية، إنما نمر على عدد من هذه الأسماء مرورا يوجز تاريخا لاتزال أحداثه تتنفس.

1 ـ الشيخ إبراهيم البلتاجي.. الأقدار منحته فاطمة... كان الشيخ إبراهيم البلتاجي، مؤذن قرية طماي الزهايرة بمركز السنبلاوين محافظة الدقهلية يتمنى أن يرزق بصبي خلال العام 1904، لكن الأقدار منحته فاطمة، وعلى الرغم من عدم ابتهاجه بقدومها (أنثى)، تغلبت لديه مشاعر الأبوة. كان الشيخ إبراهيم يأمل في صبي يعينه على متاعب ومتطلبات الحياة، لا صبية تزيد من عنائه وتعبه وفقره، فلم يكن يتوقع مستقبلا يذكر للطفلة الوليدة، لكن القدر خبأ له واحدة من أشهر النساء المصريات في التاريخ الحديث، هذه هي سيدة الغناء العربي أم كلثوم.

كان والد أم كلثوم إمام مسجد القرية، إضافة إلى قراءته القرآن الكريم يحفظ الكثير من القصائد العربية والتواشيح الدينية التي كان أهل القرية والقرى المجاورة يدعونه لإنشادها في المناسبات المختلفة، ويوما بعد يوم حفظت الطفلة فاطمة عن والدها بعض القرآن وألحقها الشيخ بكتاب القرية ثم بمدرسة بمركز السنبلاوين القريب لتكمل حفظ أجزاء من القرآن ولتتعلم اللغة العربية، وكان يصطحبها وأخاها إلى الليالي التي يحييها فحفظت عنه الكثير من التواشيح والقصائد. وحينما بلغت الثالثة عشرة من عمرها أيقن الشيخ إبراهيم بموهبة ابنته ووافق على نصيحة بعض أصدقائه بإلحاقها في فرقته المتجولة في القرى والأرياف كمنشدة للتواشيح الدينية والقصائد.. كانت ترتدي الزى العربي متشحة بعقال على رأسها، وسرعان ما ظهرت موهبتها فأصبحت منشد الفرقة الأساسي.

وكان الوالد على علاقة صداقة مع الشيخين أبوالعلا محمد وزكريا أحمد فطلب منهما الاستماع إلى صوتها، وبالفعل امتدحا أداءها لكنها لم تتعامل معهما فنيا إلا عندما استقرت بالقاهرة. وفي العام 1921 ذهبت أم كلثوم إلى القاهرة لتغني مع فرقة والدها وواتتها الفرصة لكي يسمع صوتها جمهور العاصمة وفنانوها..

وعلى الرغم من إيقانها محدودية إمكانات والدها فنيا مقارنة بالعمالقة الذين تعرفت إليهم لاحقا حينما استقرت في القاهرة، ظلت أم كلثوم بارة بوالدها الشيخ إبراهيم، مدينة له بكل الفضل في وضعها على أول طريق المجد.

2 ـ أبوالعلا محمد.. حب عذري

يعتبر كثيرون الشيخ أبوالعلا محمد المطرب والملحن الشهير في مطلع القرن العشرين هو الحب الأول في حياة كوكب الشرق أم كلثوم، وقد كان على الأرجح حبا عذريا، لكنه الحب الذي ملك فؤادها، بلغة تلك الأيام، وزلزل كيانها، فقد أعجبت أم كلثوم به قبل أن تتعرف إليه في محطة السنبلاوين على مسافة قريبة من قريتها طماي الزهايرة، فقد كانت تستمع إليه من الفونوغراف وهو يغني (أفديه إن حفظ الهوى أو ضيع)، (وحقك أنت المنى)..

ولد الشيخ أبوالعلا في قرية بني عديّ بمحافظة أسيوط بصعيد مصر؛ درس زمنا في الأزهر حيث استقرّ بحارة سوق المسك وابتدأ منشدا وقارئا للقرآن، ومن ثمّ وسّع أبوالعلا دائرة فنّه فصار يغنّي في السّهرات الخاصّة القصائد والأدوار، مستلهما الأصول الجمالية للمدرسة الفنية التي أسسها المطرب والملحّن عبده الحامولي؛ وغنّى عددا من أشهر أعماله مضفيا عليها طابعه الخاصّ.

وقد سجّل أسطواناته الأولى في يناير 1912 لشركة جراموفون ثمّ لعدد من الشّركات الأخرى.. ومثل كثيرين غيره في أواخر القرن التّاسع عشر اتّخذ أبوالعلا لنفسه تختا من أكبر عازفي ذلك الوقت؛ ويقال إنّهم كانوا يسألونه: ماذا ستغنّي اليوم يا شيخ؟ فيجيبهم: اللّي يجود بيه علينا ربّنا..

وقد قادته جولة في منطقة الدّلتا إلى اكتشاف أمّ كلثوم فأقنعها بالتحول إلى القاهرة ولقّنها أصول الغناء الفصيح، كما سجّلت عددا من أعماله، وكانت منافستها اللّدود فتحيّة أحمد من بين تلاميذ الشّيخ أبي العلا ومن أبرز من غنّوا ألحانه.

ومما يدل على أن الحب كان يتحرك في قلب أم كلثوم وليس الإعجاب وحده، ما ذكرته في مذكراتها، إذ كتبت: (شعرت أن في بيتنا أجمل أحلامي، أحسست بضربات قلبي وأنا أسمع صوته)..

وقد اعترف أبوالعلا لاحقا بحبه الجارف لأم كلثوم؛ لذلك قرر ألا يتركها بعد ذلك، فكان يصحبها في كل حفلاتها حتى استبد به ألم الحب فانتحر، وقد تعلمت أم كلثوم من ذلك الرائد الكبير أن تفهم الكلام قبل أن تحفظه وتغنيه، من أجل أن تؤديه في أفضل صورة.

وتصف أم كلثوم بعد ذلك كيف عاشت اللحظات منذ أن عرفت بوفاة الحبيب والمعلم الشيخ أبوالعلا، حيث لم تتركه إلا بعد أن وارى الثرى جثمانه: (لم أذق النوم طوال تلك الليلة، إنما قضيتها إلى جواره حتى أشرقت الشمس، كنت في أول الجنازة، بكيته بدمع قلبي).

3 ـ رامي.. الأول والأخير

(حكاية عمر طويل وحب أبدي).. هذا أقل ما يمكن قوله عن العلاقة التي ربطت بين سيدة الغناء العربي وشاعر الشباب أحمد رامي، فقد ارتبط كلاهما بالآخر كظله، حلّق بالشعر عالياً فحلقت هي أيضاً في عالم الغناء وتربعت على عرشه، وأبدعت في أداء قصائده كما أبدع في تصوير خلجات قلبه عن قلوب العاشقين جميعاً.

وقد أجمع كل المعاصرين على أن رامي قد أحب أم كلثوم كما لم يحب أحد أبدا. كانت حبه الأول والأخير، عاش معها وبها ولها، وإن لم يكن قد تزوجا أبداً. كان يوم 26 يوليو 1924 حافلاً بالفرح والسرور بالنسبة لرامي، ففي هذا اليوم دعاه صديقه محمد فاضل إلى مشاهدة فنانة صاعدة صوتها يأخذ القلب.

دعاه إلى سماعها في حديقة الأزبكية حيث تغني وقال له: وأنا ضامن لك أنك ستنسى أحزانك في فقد أخيك الراحل، وبالفعل ذهب وسمع: (الصبُّ تفضحه عيونه وتنمُّ عن وجد شجونه).

وعن أم كلثوم قال رامي: (منذ عرفتها أحببتها الحب كله، كنت أنا الذي أطلق عليها الاسم الذي أحبّته وأحب الناس أن ينادوها به اسم الدلع (ثومة)، كانت تحب أن تنادى بهذا الاسم من قبل القريبين جداً منها).

وكعادة المحبين تراوحت العلاقة بين الحب الملهوف والخلافات العصيبة، فقد وقعت بينهما قطيعة طويلة ومحزنة وفيها من الألم والمرارة ما يدل على عمق المحبة بين الطرفين، والتي تسببت فيها مجلة روز اليوسف التي كانت تقف إلى جانب منيرة المهدية وتؤازرها ضد أم كلثوم بنشر أخبار مكذوبة قررت على أثرها أم كلثوم قطع علاقتها برامي الذي تحدث عن هذا اليوم قائلا:

يومها عدت إلى منزلي واتخذت قراراً بألا أقابلها مرة أخرى، ولا أسأل عنها وأن أنساها تماماً، حتى صوتها لا أريد أن أسمعه، وقررت لذلك ألا أفتح المذياع على الإطلاق، وفي الليلة نفسها فجّرت شحنة الألم والإهانة في قصيدة موجهة إليها: من أنتِ حتى تستبيحي عزّتي *** فأهين فيك كرامتي ودموعي.

واستمرت هذه الحالة قرابة عام حاول خلالها الأصدقاء والأوفياء أن يصلحوا بينهما لكن محاولاتهم ضاعت عبثاً، واستمر الخلاف إلى أن جاء اليوم الذي لَزِمَتْ فيه الفراش وتقرر أن تجري لها عملية فقام بزيارتها.

بعد ذلك، وحينما سافرت أم كلثوم إلى أوروبا قرر رامي أن يتزوج، وعن ذلك يقول الكاتب فوميل حبيب إن صومعة رامي ظلّت كما هي، ففراشه لم يتغير منذ زواجه، وفي بيته أكثر من خمسمئة أسطوانة وشريط لأم كلثوم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات