سياحة

القلعة الحمراء فتاة هاربة من أساطير الخيال

صورة

تحتضن الجبال الأندلسية لإسبانيا الجنوبية (القلعة الحمراء)، الهاربة من أساطير الخيال؛ إنها الحمراء؛ بجدرانها التي تبلغ سماكتها 3 أمتار، وما يقارب 40 برجاً. وقد استغرق هذا الحصن الأسطوري أكثر من 150 عاماً لبنائه على يد سلسلة من السلاطين الإسلاميين الذين عزموا المحافظة على حكمهم لشبه الجزيرة الأيبيرية. وفي العام 1238، توجه الحاكم البربري محمد بن ناصر، مؤسس سلالة بني نصر، إلى غرناطة، حيث أشرف على تحويل إحدى القلاع المبنية. فقد قام في البداية بتسوير قصره بجدران منيعة لحمايته من أعدائه، ومن ثم شيد أبراجاً ملوكية عظيمة سمحت له بالاستخبار عن الغزوات المحتملة. بعدئذٍ، حرص وخلفاؤه على استخدام نظام هيدروليكي معقد لإمداد القلعة بالمياه العذبة بشكل متواصل، إلا أن بني نصر أرادوا ما هو أكثر من حصن عسكري، لقد أرادوا قصراً مرفهاً بساحات فاخرة وحدائق مشذبة وأحواض ونوافير ذات تفاصيل دقيقة. بقيت الحجرات الداخلية والساحات في الحمراء تحفاً فنية مدروسة ومميزة بتصاميمها الإسلامية، وعلى الرغم من سقوط حكم بني نصر في العام 1492، إلا أن الحمراء تبقى شاهدة على جمال وعبقرية العمارة الإسلامية وتصاميمها.

وكانت الحمراء قصراً وحصناً ومعقلاً لسلاطين بني نصر وكبار مسؤولي الحكومة إلى جانب خدم البلاط والحرس الملكي، وتعني كلمة الحمراء (القلعة الحمراء)، وقد أطلق عليها هذا الاسم بسبب جدرانها الضاربة إلى الحُمرة.

ويقع قصر الحمراء على قمة هضبة السبيكة، وعلى الضفة الشمالية من نهر دارو الواقع في القسم الغربي من غرناطة، وتم بناؤها من قبل سلسلة من السلاطين على مدى 150 عاماً، ويُعتقد أن عدد الذين سكنوا في الحمراء بلغ خمسة آلاف شخص.

وقد لجأ المهندسون المعماريون من مسلمي إسبانيا الذين صمموا الحمراء إلى استخدام وحدة قياسٍ مستنبطةٍ من علم الهندسة المعمارية القديم حيث أُطلق عليها اسم راشاشيد كودو. ويصل طول الوحدة إلى ما يقرب من 62 سنتيمتراً، ويفترض أن الحمراء كلها صممت اعتماداً على وحدة القياس هذه. وتم صنع أسوار الحمراء الخارجية من مزيجٍ مكونٍ من صلصالٍ ذي حمرةٍ داكنة إلى جانب الرمل والحجارة المعروفة باسم (كتل الحمراء الحجرية).

ووجد البناؤون أنفسهم بفضل كتل الحمراء الحجرية أمام مصدرٍ طبيعيٍ أمّن لهم المواد في مواقع البناء عينها ما جعل الفرصة مواتيةً لتخفيض الوقت المخصص للبناء، وساعد العمل في ظل وجود هذه الكتل الحمراء الحجرية ذات المنشأ الطبيعي في تشييد أسوارٍ وصلت ثخانتها إلى 3 أمتار.

لم تكن هناك بحيرةٌ طبيعيةٌ فوق الحمراء، ما دفع المهندسين إلى إنشاء سدٍ اصطناعيٍ يبعد 6 كلم في التلال التي تعلو الحُمراء، وقد شكل هذا السد الذي يصل عمره إلى 800 عام نظام تخزينٍ احتياطي، حيث كان بمقدوره ضخ مياهٍ تكفي لملء حوض سباحة أوليمبي كل خمس ثوانٍ، أو ما يوازي ضخ مياهٍ في حوض سباحةٍ أوليمبي يتسع لسبعة آلاف شخصٍ يومياً، وتم تصميم حدائق الحمراء لزراعة ما يؤكل من النباتات، إضافة إلى الأزهار، وكان الهدف أن تكون هذه الحدائق رمزاً يشهد على قوة ونجاح سلالة بني ناصر.

وتعتبر القلعة الحمراء في مدينة غرناطة المعلم السياحي الأول من حيث أهميته التاريخية، ودفع هذا الاكتشاف خبراء الحفاظ على الآثار إلى مطالبة الجهات المسؤولة بوضع سقف يومي لا يمكن تجاوزه لعدد الزوار الذين يمكن السماح لهم بزيارة هذا الصرح التاريخي المهم حتى لا يتسبب التلوث الذي يولده السياح في الاضرار بهذا الأثر المهم، ويتسبب في إصابته، أو إصابة أجزاء منه بأضرار جسيمة، وهو ما حدث بالفعل في نافورة الأسود التي تم رفع أحد أسودها من مكانه لإخضاعه لعملية ترميم شاملة. وقال المسؤولون إنهم ينوون إعادته إلى مكانه والبدء في ترميم باقي الأسود على التوالي.

وتعتبر مجموعة قصور القلعة التي تقع على هضبة السبيكة المطلة على مدينة غرناطة من الأعاجيب الهندسية التي تجذب السائح بجمال تكوينها وبهاء الزخارف والنقوش التي تزين جدرانها وأبوابها وشبابيكها. وتتكون هذه المجموعة الملكية من مجموعة من القصور والقاعات والحدائق التي تم بناؤها في القرن الرابع عشر الميلادي في عهد ثلاثة من ملوك بني نصر هم: إسماعيل الأول ويوسف الأول ومحمد الخامس.

وتمثل مجموعة القصور هذه نظاماً فريداً في نظام الحراسة الذي يحميها، ما جعلها قلعة حصينة بوسعها العيش بمعزل عن المناطق المحيطة بها، وربما لهذا السبب ظلت تقاوم الجيوش المسيحية بقيادة الملكة الكاثوليكية ايزابيل، إلى أن قرر الملك أبو عبدالله الصغير تسليمها في الثاني من يناير عام 1492م.

وعلى الرغم من انخفاض عدد زائري قصر الحمراء في غرناطة، عام 2009، وارتفاع عدد زائري المتاحف الإسبانية المهمة مثل متحف البرادو ومتحف الملكة صوفيا ومتحف تايسون، فقد جاء قصر الحمراء في المرتبة الأولى في عدد الزائرين بتسجيله نحو ثلاثة ملايين زائر. ففي العام 2009، زار قصر الحمراء 2950000 شخص، وبذلك يسجل انخفاضا عن العام الذي سبقه بنسبة 4 في المائة، ومع ذلك فلم تستطع أبرز المتاحف العالمية في مدريد أن تحل محله في المرتبة الأولى، حيث جاء متحف البرادو ثانيا، وبلغ عدد زواره في الفترة ذاتها 2763094 شخصا، أي بزيادة مقدارها 2 في المائة عن عام 2008، وزار متحف الملكة صوفيا 2087415 شخصا، أي بزيادة مقدارها 15 في المائة، بينما زار متحف تايسون ـ بورنيميزا 801272 شخصا، أي بزيادة مقدارها 6 في المائة، وفي بلباو، شمال إسبانيا، بلغ عدد زوار متحف غوغونهيم 905048، مسجلا انخفاضا بنسبة 4 في المائة.

وقد أوضحت مديرة قصر الحمراء ماريا ديل المار بيافرانكا، جنسية زائري قصر الحمراء، بأن «43 في المائة منهم من دول الاتحاد الأوروبي، و40 في المائة منهم من داخل إسبانيا» وأرجعت سبب انخفاض عدد الزائرين عام 2009، إلى الأزمة الاقتصادية العالمية، ولكنها رفضت رفع سقف عدد زائري قصر الحمراء اليومي، إذ إن عدد الزوار محدود يوميا، وذلك للحفاظ على سلامة القصر. وذكرت مديرة القصر أن أكبر عدد في الزيارات كان يوم 10 أكتوبر الماضي عندما بيعت جميع بطاقات الدخول البالغة 8474 بطاقة، وأقلها يوم 16 ديسمبر وفيه بيعت 1672 بطاقة.

وتعد قلعة الحمراء واحداً من أروع القصور في تاريخ العمارة الإسلامية، ومن أعظم الآثار الأندلسية الباقية حتى اليوم بما حواه من بدائع الصنع والفن، وقد زيّن صناع غرناطة القلعة بأبدع نماذج لا تستطيع البشرية الإتيان بمثلها.

والحمراء عبارة عن مجموعة أبنية محاطة بأسوار في الجانب الشمالي الشرقي من مدينة غرناطة، وهذه الأبنية على ثلاثة أقسام: القسم العسكري ويقع شمال شرقي القصر، وهو عبارة عن قلعة تحرس الحمراء، ولها برجان عظيمان، ثم القصر الملكي في الوسط ثم الحمراء العليا المخصصة للخدم. يتحدث القصر عن مملكة غرناطة وملوكها وحضارتها وآثارها وجهادها دفاعاً عن استقلالها حينما غدت آخر معاقل العرب والمسلمين في شبه جزيرة إيبرية. وبعد أن تلألأت حضارتها نحو 200 سنة، انطفأت مشاعلها وظهرت مبانيها دون حياة.

تعرض اليوم على قناة (ناشونال جيوغرافيك) أبوظبي الساعة الواحدة ظهرا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات