المولود الجديد في الأسرة لا يعني فرحة عائلية فقط؛ وإنما مسؤولية جديدة تحتاج إلى الاستعداد لها والترحيب بها لينشأ الطفل في أسرة صحية مستعدة لتربيته والاهتمام به بشكل سليم، لذا أصبحت الأسر الحديثة تناقش قرارات إنجاب الأطفال وعددهم، حيث يتبنى معظم الأزواج قراراتهم بناء على معطيات الحيات الأسرية وظروفها المختلفة.

ويرى فراس حمزة، شاب يعمل في مجال العلاقات العامة، متزوج حديثا، أن قرار الانجاب في مرحلة مبكرة من الزواج يكون صعبا، فنحن لا نفكر في الإنجاب قبل مرور عام على الأقل لأسباب مختلفة منها؛ أننا في حاجة إلى الوقت لنستمتع بزواجنا وحياتنا معا قبل أن ننشغل بطفلنا الأول، ولا يعود لدينا فرصة لأنفسنا، فهذا العام مناسب للسفر والرحلات وحتى التوافق والتعرف إلى طبيعة الحياة الزوجية. إضافة إلى أن المتزوج حديثا يكون قد أسس بيتا جديدا وتحمل تكاليف الزواج المكلفة، لذا لن يكون إنجاب طفل قبل الاستقرار المادي جيدا، لأن الاسرة ستدخل في أعباء جديدة قد لا تستطيع تحملها ماديا، وتشكل ضغطا عليها تجعل الفرحة بالمولود الجديد تختفي.

أما كريم فريد، رجل أعمال، فيقول: تتحكم أمور كثيرة في قرار الانجاب، منها علاقة الزوجين مع بعضهما وتفاهمهما معا، كذلك وضعهما المادي وأعمارهما، فقد يكون الزواج المبكر جدا غير مناسب لإنجاب الأطفال، وقرار الانجاب أو عدمه يجب أن يكون متفقا عليه، ولا يتخذه طرف دون الآخر.

إلا إذا كانت هناك عوائق صحية تمنع الانجاب عند الزوج أو الزوجة، وحينها تكون الأمور مختلفة، لأن لا حيلة لهما بما حصل، وأنا أرى أن الاتفاق هو الأساس في أي قرار زوجي سواء أكان الانجاب أم غيره.

بعض الزوجات يرين أنهن يعنين الظلم مع الأزواج الذين يرفضون قرار الإنجاب؛ فإيمان سالم، ربة بيت، تقول: تجربتي مع الانجاب مريرة جدا فقد كنت أعمل في بلدي، وتعرفت إلى زوجي، وهو رجل يكبرني بالعمر ومتزوج سابقا ولديه أطفال، وقد غمرني في البداية بلطفه وتفهمه ووافق على جميع شروط أهلي، وحين أتيت إلى هنا بدأت المشاكل لأني لم أحصل على عمل، وأحتاج إلى أن أكون أما، لكنه فاجأني بقراره أنه لا يريد الإنجاب، لأن لديه أبناء.

ولم يلتفت إلى حقي في الأمومة، وعلى الرغم من أني لم أستخدم أية موانع حمل، لكني لم أحمل، وحين راجعت الطبيبة قالت إني سليمة، ولا أعاني أي شيء، وهو يرفض الذهاب إلى الطبيب للكشف، ويقول حين يريد الطفل أن يأتي سيأتي في وقته، وقد بدأت أشك في أنه حصل على موانع حمل.

وبدأت أشعر بأن حياتي لا معنى لها من دون الأمومة، ولا أعرف ما أفعل؛ فحين أناقشه في الموضوع يلمح أنه مستعد للطلاق على أن ينجب أطفالا مني، وأعرف صديقتين انفصلتا عن زوجيهما لهذا السبب، وأنا لا أريد أن أقطع جميع السبل عسى أن يغير رأيه ويعود إلى قانون الشرع والحياة).

هند محمد، لها وجهة نظر مختلفة، إذ إنها ترى أن الانجاب يمكن أن يعرقل المرأة الطموحة في بداية حياتها العملية، تقول: حصلت على عمل من مدة قريبة، لذا لا أرغب في التفريط فيه بمشاكل الحمل، وأعتقد أني يمكنني تأجيل الامر سنة أو سنتين، لكن زوجي ليس مقتنعا بهذا الامر، لذا أحاول أن أجد صيغة تقنعه.

فليس من العدل أن أترك دراستي وطموحاتي كلها منذ البداية لأني أعرف أن وجود طفل في حياة المرأة سيجعلها مكرسة له، ولا يمكن أن يكون عطاء الام العاملة مثل عطاء المرأة التي لا تتحمل مسؤولية الأطفال، وهذا لا يعني أني لا أحب الأطفال، لكن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت لأقرر الانجاب.

للانجاب آثار اجتماعية على الأسرة، تحدثت عنها الباحثة الاجتماعية، نورة النقبي، قائلة: أعتقد أن قرارات الانجاب في الاسرة الحديثة تخضع للعوامل الاقتصادية قبل كل شي، فالحياة بشكل عام أصبحت غالية، وصار انجاب الطفل يشكل عبئا ماديا؛ فمتطلبات التربية والصحة والتعليم خصوصا أن الناس يتوجهون نحو التعليم الخاص الذي يكون مكلفا للأسرة.

وحتى تصميم المساكن، أصبح عائقا أمام الانجاب، ففي الماضي كانت البيوت الواسعة التي تضم الأسر الممتدة، أما اليوم فصغر المساكن لا يشجع على انجاب المزيد من الأطفال، ما جعل بعض الازواج يرفضون الانجاب بينما تنظر المرأة إلى الانجاب.

ووجود الاطفال على أنه طريقة للاستقرار العائلي حتى لو لم تكن الظروف الاقتصادية ملائمة، وموضوع قرار الانجاب موضوع عائلي جدا يجب أن يتخذه الزوجان معا، وحين يكونان على قناعة تامة به، لأن الطفل سيعيش وسط الأسرة ويجب أن يكون مرحبا به ويحظى باهتمام أبويه.

وقرار الانجاب مسألة مهمة جدا في الحياة الاسرية من الناحية النفسية، حيث يقول الدكتور علي الحرجان، اختصاصي الطب النفسي: من الضروري جدا أن تكون هناك موافقة من الزوجين في قرار الانجاب، لكي لا يؤثر سلبا في نفسية الأم الحامل، وفي علاقة الزوجين.

وفي شعور الطفل في ما بعد بأنه مرفوض من أحد الطرفين، وعلى الوالدين مناقشة هذا الموضوع باسهاب شديد ليصلا إلى قرار مرضٍ ومقنع للطرفين، لأن عملية انجاب طفل لم تعد سهلة، كما كانت قبل خمسين عاما، فانجاب الطفل اليوم يحتاج إلى تأمين حاجاته النفسية والمادية والمعنوية الصحية.

وعلى الأم أن تدرك حاجات طفلها بالقراءة والتعلم منذ مرحلة الحمل وحتى مراحل نموه المختلفة، وكذلك يجب تفهم الاسباب التي تؤدي إلى رفض الانجاب أو تأجيله، لأن المهم في هذا الأمر هو توفير الجو الملائم لتربية الطفل تربية سليمة خالية من العقد والمشاكل النفسية والصحية.

دبي ـ دلال جويد