ما تعودنا عليه في عروض الأزياء العالمية هو أن يكون تأثير هوليوود وعصرها الذهبي، الحاضر القوي، إلا أننا هذه المرة شاهدنا نسختها الهندية «بوليوود» وهي تغزو العالمية في عقر دارها، لاسيما في ميلانو آخر عاصمة يمكن تصور أن تكون حاضنة هذه الغزوة الجريئة، كونها تتميز تاريخيا بذوقها «البورجوازي» الذي يتوخى الرقي والأناقة باسلوب محسوب ومضمون، لا يتقبل الجديد والغريب بسرعة، ولا نعني بذلك سخونة الألوان والإيحاءات الشرقية فحسب، بل أكبر من ذلك، إذ بدا واضحا أن تارون تاهلاني أول مصمم هندى يتم دعوته رسميا لأسبوع الموضة فى ميلانو استطاع ان ينسج قصة حب ابدية بين الهند وميلانو ولندن وموسكو ودربن بخيوط ابداعاته التي تصمم (الساري) ليعطيه طابعاً عالمياً معاصراً.

تارون تاهلاني قال فى حوار خصّ به «الحواس الخمس»: ان تواجد تصاميم السارى والأزياء الهندية فى العديد من العروض العالمية المؤثرة على توجهات الموضة لم يات من فراغ ، حيث كانت الهند ولا تزال مصدر إلهام العديد من المصممين العالميين، يستلهمون من ألوانها الدافئة ويغرفون من كنوزها الثقافية بنهم. في الآونة الأخيرة، مثلا رأينا عدة مصممين، من أمثال فالنتينو قبل تقاعده ، وأرماني وجون بول غوتييه لا يخفون تأثرهم بالأسلوب الهندي في أعمالهم بشكل أكبر مما كان عليه سابقا، حتى انه أصبح جزءا من الجو العام لهذه الصناعة، وتظهر التأثيرات الهندية مثل الشكل البوهيمي والتنورة الطويلة في شوارع الموضة العالمية، وما عليك إلا أن تتجول بين المحلات أو تتطلع على واجهاتها لتشاهد التُنك والكورتي الهندي، مطروحين بشكل أو آخر.

ويضيف تارون: صحيح إن هذه الأزياء تعرض على منصات ميلانو أو باريس أو لندن ونيويورك، لكنها في النهاية تصل إلى الإنسان العادي من محبي الموضة، حيث يظهر هؤلاء وهم يرتدون إما كورتي أو باشيما مع الجينز او تنورة طويلة مع قميصول. ولإظهار التقدير والعرفان للموضة الهندية، قام مصمم الأزياء الإيطالي المشهور أرماني بضم (الشيرواني) لأحدث تصميماته، والشيرواني عبارة عن لباس يشبه المعطف مشهور في الهند وهو يشبه السترة الضيقة. وترتدي النساء الشيرواني على التنك المحكم والفضفاض. ويؤكد تارون ان التأثير البارز للموضة الهندية في الغرب فى تصاعد مستمر فهى تعتبر منبعا خصبا للأفكار في عمل كثير من المصممين الأجانب الذين نقلوها للعديد من المشاهير والنجوم أبرزهم شيري بلير ومادونا ودام جودي دنش والممثلة الفرنسية صوفي مارسو وغيرهم ممن لعبوا دورهم في انتشارها وزيادة الإقبال عليها. وكان لا بد أن يصل هذا العشق، للموضة والثقافة الهند، إلى أبناء البلد الذين زاد عددهم في السنوات الأخيرة، كما زاد إبداعهم.

ويرى تارون ان صناعة الأزياء والموضة الهندية امامها مستقبل باهر لكنها وعلى حد تعبيره حاجة إلى فريق عمل ذي خبرة مهنية طويلة مستعد لعلاج المشكلات التي تعترضنا؛ فنحن نعاني كثيرا لكي نتمكن من السفر، ولكي يتم اختيارنا في أسابيع الموضة العالمية، وعلى الرغم من أن هذه العروض ليست بحجم العروض العالمية، فإنه من الصعب الاشتراك في بعضها، فهم لا يكترثون بشأن هويتك، ولا يهتمون سوى بجودة المنتجات، لهذا تحتاج صناعتنا للكثير من الدعم لكي تضاهي المستويات العالمية. ويشدد تارون على ان بناء المعهد القومي لتكنولوجيا الموضة عام 1986 كان من اهم العوامل الرئيسية التي وقف وراء التغير الكبير في صناعة الموضة حيث يتلقى المعهد سنويا نحو 000 .20 طلب للالتحاق ، ويوجد حالياً في البلاد على الأقل 15 مدرسة معترفا بها في مجال الموضة.

بالإضافة إلى مئات من المدارس الأخرى في مختلف المناطق. وعلى ضوء الاهتمام المتنامي بالموضة، قامت العديد من بيوت الموضة التي تستهدف المشترين الأثرياء بفتح محلات تجارية لها هنا، مثل (دولتشي آند غابانا)، (فرساتشي)، (غوتشي) وتحتل الماركات البارزة مثل (برومود )و(مانجو) و(اسبري) الألمانية مكانة بارزة لدى المستهلك الهندي، بجانب الماركات العالمية.

ويضيف : ان ما يحسب للهند، أنها ورغم المناخ الحالي للموضة، حيث تسود ميلانو وباريس ونيويورك، فإنها قد تكون البلد الوحيد الذي لا يزال على اتصال بجذوره وأنماطه الأصيلة فيما يخص الأعمال اليدوية.

صحيح أن تراثها الخصب في مجال المنسوجات لا يعرض في المتاحف، لكنه لا يزال حيا على أيدي الحرفيين الهنود الذين يبلغ عددهم 16 مليون شخص، ولا تزال لهم بصمات واضحة في مجالات التطريز والنسيج والكتابة على القماش وغيرها وهذه حقيقة معروفة، حتى إن بيوت الموضة العالمية تستعين بحرفييها في تطريز منتجاتهم نظرا لإتقانها وجودتها من جهة، ولأسعارها من جهة ثانية.

اما عن سر اهتمام كبار المصممين بالخامات الهندية وأهمها الحرائر والأقطان يشير تارون الى ان الهند غنية بثقافتها وتاريخها كمن يقول إن إينشتاين كان عبقريا، فالهند كانت دائما منجما غنيا بالأفكار يغرف منه المصممون كلما دعت الحاجة، كما يستوردون منه ألوانا وأقمشة، لكن الأمر يختلف هذه المرة، إذا أن هذا الاهتمام الكبير قد يكون له جانب ميكيافيلي أيضا.

فالهند أصبحت مركزا تجاريا كبيرا وسوقا لا يستهان بها بالنسبة للكثير من المؤسسات، بما فيها صناعة الأزياء. فجيورجيو ارماني افتتح محلا فيها، وهو الذي قال «الهند مكان حيوي ومتطور، ونحن مستعدون لأن نتواجد هناك». وهل هناك افضل من تمهيد الطريق بمغازلتها بالطريقة التي يتقنها ويبرع فيها: الأزياء؟

المعروف عن أرماني عشقه للهند، بجلبتها وإيقاعها السريع وألوانها، واعترف مرارا بأنه يثق في اليد العاملة بها، إذ هم الذين يقومون بتطريز تصاميمه بأحجار الكريستال واللؤلؤ والترتر.

لكن المثير في الأمر هنا ان التأثير الهندي لم يعد يقتصر على الأزياء والتطريز وغيرها كما وضح تارون، حيث شمل جانب عارضات الأزياء الهنديات، اللواتي أصبح الطلب عليهن عاليا من قِبل بيوت الموضة العالمية، ومن بين أبرزهن يوالا روت وجيسي راندهاوا وشيتال مالر ودياندرا سورس وسارا مهان ولاكشمي مينوم وتينو فرغاس، وكلهن حظين بالكثير من الثناء لملامحهن الهندية، ويمكن القول بأن هؤلاء العارضات لم يخيبن الآمال وأكدن ان مقاييسهن عالمية .

وفيما يتعلق بخصوصية السارى الهندى على وجه التحديد، يقول تارون: يعتبر الساري الهندي من أقدم الأزياء التقليدية حيث يمتد تاريخه إلى 5000 سنة وعلى عكس بقية الأزياء التي تتغير من وقت لآخر مع كل موسم ، صمد ثوب الساري الهندي أمام جميع تقاليع الموضة الحديثة

ليدخل ضمن مجموعات موسمية لدور الأزياء العالمية بأشكال مختلفة وألوان نارية براقة ، حيث يسود اعتقاد لدى البعض بأن المرأة بوجه عام تبدو أكثر رشاقة عند ارتدائها له.

وعموما يتم ارتداؤه مع تنورة تحتية طويلة وبلوزة لتغطية الجزء الأعلى من الجسم. ويجري لف الساري حول الجسم من إحدى طرفيه، أما الطرف الآخر الحر فيتم طيه على أحد الكتفين، ويعرف باسم (بالو)، والملاحظ أن مرونة لفه على الجسم، بفضل طول قماشه المؤلف ما بين ست وتسع ياردات، الأمر الذي يسمح باستخدامه في صور متعددة.

ومن جانب اخر فقد نجحنا بدورنا كمصممين هنود فى جعله زياً للمشاهير، حيث شوهدت نجمات فاتنات من هوليوود يرتدين هذا الزي، ليس فقط في الأفلام، وإنما كذلك في حياتهن العادية.

وظهرت شخصيات عالمية شهيرة بهذا الزي في مناسبات عامة، مثل جينيفر لوبيز والأميرة الراحلة ديانا وغولدي هون وسالي فيلد وهيلاري كلينتون ونيكول كيدمان وتشيلسي كلينتون وإليزابيث هيرلي وأنا كورنيكوفا ومادونا وشارون ستون وجميما خان.

دبي- رشا عبد المنعم