بعيداً عن الجدل المتكرر حول المط والتطويل الذي بات سمة الأعمال الدرامية العربية خلال الفترة الأخيرة، لاحت في الأفق ظاهرة قديمة، ألا وهي عودة «السباعيات» ومسلسلات الـ 15 حلقة التي عرفتها الدراما العربية سابقاً قبل انتشار الفضائيات، ولكن بشكل قليل.. اليوم يبدو أنها ستصبح ظاهرة عام 2010، إذ كثفت جهات الإنتاج الخاصة جهودها لتقديم تلك الانواع من الدراما.. فهل ستنجح هذه الدراما في سحب البساط من تحت أقدام الدراما الطويلة والاستحواذ على الشاشة، أم أن اتجاه المنتجين لهذه الدراما موضة تظهر لفترة وتختفي كما اختفى غيرها من قبل؟!

يراهن عدد كبير من صناع الدراما على السباعيات أو الـ 15 حلقة هذا العام، لذلك بدأوا مبكراً في التحضير لأعمالهم، متجاهلين الانقسام القائم حول مدى تقبل المشاهد لهذه الأنواع ومدى قدرتها على تسويق نفسها والاستحواذ على قدر من الإعلانات، حيث يرى فريق المؤيدين لها أن هذه الأعمال ظاهرة صحية وفرصة لعرض أى قضية بشكل مركز بعيداً عن المط والتطويل في الأحداث، فيما يرى فريق آخر أن أهم عيوبها هو عدم قدرتها على جلب إعلانات للمنتج نتيجة قصر أحداثها، بجانب أن أجور النجوم لا تتغير، وبالتالي سيفضل المنتج الأعمال الطويلة لتحقيق الاستفادة المادية.

ولأنها من أوائل من تحمسوا لفكرة المسلسلات ذات 7 أو الـ 15 حلقة، من خلال مسلسليها الأخيرين «هالة والمستخبي» و«مجنون ليلى»، سألنا الفنانة ليلى علوي عن رأيها في هذا النوع من الدراما وتوقعاتها له، فأكدت من واقع تجربتها معها أنها بديل جيد لظاهرة المط والتطويل التي مل المشاهد من تكرارها، حيث يناقش المسلسل قضية معينة بشكل سريع ومركز خلال سبع حلقات فقط، لكن ليلى ربطت استمرارها بوجود منتج مغامر لديه قدرة كبيرة من الجرأة والشجاعة لينفذ هذه الفكرة بعدما حققت نجاحاً في رمضان الماضي وأشاد بها الجمهور والنقاد.

فكرة مركزة... في رأي الكاتب يوسف حسن، صاحب سباعية خط أحمر، فإن أهم مميزات هذا النوع من الدراما هو إتاحة الفرصة للوجوه الجديدة للظهور، وفي الوقت نفسه التحايل على الأجور الفلكية التى بات يطلبها النجوم الكبار والتي تلتهم نصف ميزانية العمل. أضاف حسن أن هذه السباعيات تعد بداية حقيقية للتغيير في شكل الدراما بشكل يتيح تقديم أكثر من نجم في عمل فني واحد يتكون من عدة أجزاء، ويعتقد أن أجمل ما في السباعية أن الفكرة مركزة، وهذا لا يعني أنها خالية من المط، لكن كل ذلك يعتمد على براعة المؤلف وحسب قماشة العمل، وأن السباعيات تميل أكثر إلى أعمال الجريمة البوليسية، حيث تحتاج شخصياتها لـ 10 أشخاص فقط، بينما المسلسلات الاجتماعية يصل عدد شخصياتها من 40 إلى 100 على الأقل، كما أن تكلفتها أقل بسبب الاستعانة بنجوم الصف الثاني في معظم السباعيات.

مكملة وليست لاغية

يتفق مع حسن في الرأي مخرج سباعية «سكين وتفاحة» وائل فهمي عبدالحميد، والتي عرضت مؤخراً على شاشات الفضائيات وسحبت البساط من مسلسلات «الست كوم» التي لم ينجح سوى عدد قليل منها، لكن في الوقت نفسه اعترف عبدالحميد بأن هذه الدراما لن تستطيع إلغاء المسلسلات الدرامية الطويلة، فهي مكملة لها والفرق بينهما أنها تكتب بحرفية شديدة وتمتلئ بأحداث مثيرة ومشوقة بعيداً عن التطويل والملل.

من جهته لم ينكر الكاتب والسيناريست أسامة أنور عكاشة أن العودة للسباعيات سببهها مغالاة النجوم في أجورهم، مما جعل المنتج يتجه إلى المسلسلات القصيرة لتعويض الخسارة الكبيرة التي يتعرض لها، خاصة أنها عمل درامي متعارف عليه منذ زمن بعيد وكان ناجحاً، والدليل على ذلك السهرات التلفزيونية التي كانت الأسرة العربية تلتف حولها، وقال إنها فرصة ذهبية لاكتشاف الوجوه الشابة وتدفع بالكبار لتخفيض أجورهم، وأمام اندفاع الفضائيات للفوز بهذه النوعية من الدراما سيكون تسويقها أسهل بكثير.

انقلاب الهرم الفني

أما المخرج أحمد خضر، الذي قدم كل الأشكال الدرامية منذ أواخر السبعينات، منها «آثار على الرمال» و«من أجل شقة» فيرى أن السبب في العودة إلى السباعيات انقلاب الهرم الفني.. فبعد أن كان المخرج هو العقل المدبر للعمل الفني أصبح النجم أو النجمة هو المتحكم في كل شيء، بداية من اختيار السيناريو ثم اختيار المخرج ثم اختيار فريق العمل من الممثلين والممثلات، وهو ما ترتب عليه ضعف المستوى الفني.

ويضيف أن السباعيات عودة إلى أصول العمل الفني؛ لأن مسلسل ال30 حلقة أضر كثيراً بالعمل الفني، وأدخل الدراما المصرية في دوامة المط والتطويل، وأسهم في الأرقام الفلكية للنجوم، والدليل على ذلك أن المشاهد العربي مازال يتذكر مسلسل «الرجل والحصان» الذي كانت حلقاته 13 فقط و«أبو عبيدة بن الجراح» كان 14 حلقة فقط..

لكن الخطأ التاريخي حدث مع مسلسل «الشهد والدموع»، حيث لم تكن حلقاته 30 حلقة، وحين تقرر تقديم جزء ثان من المسلسل في شهر رمضان بلغ عدد حلقاته 33 حلقة ليغطي رمضان والعيد في وقت واحد، ومن هنا كانت كارثة مسلسلات المط والتطويل.

مصير السباعيات

المخرج محمد دنيا، أحد النجوم الذين أسهموا في عودة السباعيات مؤخراً بعد أن قدم سباعية «ليلة جواز بهية» بطولة سعيد طرابيك وفايق العزب وإيمان أيوب، يقول إن جميع النجوم في هذه السباعية رغم أنهم صف ثان فإنهم يلعبون أدوار بطولة، لكونها عملاً درامياً مكثفاً به أحداث كثيرة وإيقاعات سريعة ومتلاحقة، حيث يغيب المشاهد ويعود إليها فيستطيع متابعتها دون أن يفوته شيء، خاصة أن المشاهد حالياً أصبح يمل من المسلسلات الطويلة بعد أن انتهى عصر قعدات العائلة و«الرحرحة».

ويتمنى دنيا ألا يكون مصير السباعيات هو نفس مصير مسلسلات «الست كوم»، التي وصلت حالياً إلى حالة من التردي بعد أن أصبحت مجالاً لكل من يملك مليون جنيه.. أما «السباعية» فهي وجبة خفيفة تستمتع بطعمها الشهي وتشعرك بالشبع أو كقطعة حلوى تشعرك بحلاوتها وقتاً قصيراً.

شروط مهمة

الى هنا يري الناقد عصام زكريا أن الجمهور في حاجة إلى مثل هذه المسلسلات القصيرة الهادفة التي تحترمه ولا تسرق وقته مثلما يحدث في المسلسلات المملة والطويلة، وأبلغ دليل على ذلك نجاح مسلسل ليلى علوي «حكايات وبنعيشها»، ويتمنى أن يقلدها كثير من النجوم.. لكن هناك شرطاً مهماً لانتشار هذه النوعية من المسلسلات هو وجود قصة قوية ومتماسكة ومخرج محترف لتوصيل الفكرة في أقل وقت ممكن.

آليات السوق

بينما يرى المنتج عمرو الجابري أن مسلسلات الـ 30 حلقة تسيطر على آليات السوق والنجوم معاً وأنه كمنتج لا يستطيع أن يستعيد الأموال التي أنفقها على العمل إلا بعد العرض الثاني وربما الثالث للمسلسل، رغم أنها من الأعمال المكونة من 30 حلقة، لذلك لا يستطيع عمل الـ 15 حلقة تغطية نفقاته إلا بعد فترة طويلة جداً، فضلاً عن أن النجوم يحددون أجورهم بنظام الوحدة الواحدة، فهو يتعاقد على المسلسل بصرف النظر عن عدد حلقاته وهذا ما يجعل المسلسل الـ 15 حلقة أكثر تكلفة من المسلسل الذي يتجاوز 30 حلقة.

ويؤكد أن الفرصة الوحيدة التي تخفف من خسارة المنتجين عند إنتاج السباعيات الاستعانة بنجوم الصف الثاني لفتح مواسم جديدة في العطلات والإجازات كبديل يؤمّن الدراما من خطر الحرق في زحام رمضان.

أما المنتج إسماعيل كتكت فيقول إنه مقتنع تماماً بفكرة عودة السباعيات، لذلك غامر هذا العام حينما وضع في برنامجه الإنتاجي إنتاج نحو 20 مسلسلاً وسباعية لا تزيد على 15 حلقة لمد القنوات المختلفة بأشكال درامية غير مألوفة طوال العام، حيث يتعامل مع هذه الأعمال كأنها مصنع لتفريغ نجوم جدد لإثراء الساحة الفنية.