هناك مئات الراقصات كان من الممكن أن تكون إحداهن، وهناك أيضا مئات من آلاف الهوى والمجرمات ومحترفات النشل والخطف.. وهناك أيضا متسولات نزعن برقع الحياء وفضلن الذل والهوان.. أيضا هناك عاطلات متسكعات ينتظرن من يجود عليهن بالصدقات..
وهناك وهناك وهناك عشرات النماذج التي تتراوح بين القبح كثيرا والحسن أحيانا، كان من الممكن أن تكون إحداهن.. لكنها فضلت أن تكون هي، أن تكون الست «كريمة».. تلك المرأة التي اختارت الطريق الصعب، فأصبحت أول وأشهر من يُعنى بسيارات الآخرين ويعمل على تنظيم وقوفها وتنظيفها وحمايتها حتى يعود أصحابها مجددا.. هذه هي مهنة «السايسة» كريمة.. التي تحترف هذه المهنة الشاقة منذ ثلاثة عقود بعدما ورثتها عن والدتها، حيث تقول إنها لم يكن يدور بخلدها، وهي فتاة صغيرة، أن تمتهن هذه المهنة، غير أن الظروف وتقلبات الزمن هي التي دفعتها لذلك. وبابتسامة مشرقة وروح راضية بما كتبه الله عليها تقول: الحمد لله لم أمد يدي لأحد كي يساعدني، ولم أنجرف إلى طريق السوء، فبعد طلاقي وانفصالي عن زوجي الذي تركني وفي رقبتي أطفال في عمر الزهور، وبعد وفاة والدتي التي كانت تتكفلني أنا وأولادي الصغار، لم أجد سبيلاً للرزق سوى الوقوف بالشارع وارث مهنة أمي في ترتيب وتنظيم السيارات (سايس)، رافضة أن أكون عالة على أحد، ولكي أكسب رزقي بعرق جبيني.
عشق خاص... اثنان وثلاثون عامًا وأشهر سايسة في مصر واقفة في شارع عماد الدين الشهير بالتجارة والمال والفن أيضًا.. تتعامل مع كل فئات المجتمع، فارضة احترامها على الجميع، وقبل ذلك فهي موضع ثقتهم، فهي مسؤولة عن سيارات تتعدى قيمتها ملايين الجنيهات، تعامل السيارات وكأنها أبناؤها، وعلى حد قولها: السيارات بالنسبة لي ليست مجال عمل فحسب، بل أصبح بيننا عِشرة وعلاقة وطيدة، وأكون في غاية السعادة وأنا راكبة إحداها محاولة صفها «تلبيكها» في مكان ضيق. ورغم صعوبة تلك المهنة على المرأة والمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقها فإنها ترى عكس ذلك تمامًا، فهي سعيدة بعملها واصفة إياه بأنه عمل ممتع رغم قسوته.. ففي الصيف الحار وتحت شمسه الملتهبة لا يحمي رأسها سوى غطاء رأس رقيق «كاب»، بينما تلتحف في برد شتاء القاهرة القارس بمعطف «جاكت» لعله يحميها من البرد والمطر أيضًا.
السعادة التي ترتسم على وجه «السايسة» مصدرها، كما تقول، إمكانياتها الكبيرة في «تلبيك» السيارات والحفاظ عليها سليمة رغم صغر وضيق المكان المخصص لذلك.. وعلى حد قولها: أشعر بفخر وسعادة عندما أقوم بصفّ السيارة في ذلك المكان الضيق، فالتلبيك إحساس وفن.
مواقف طريفة
تضحك الحاجة كريمة وهي تتذكر الكثير من المواقف الطريفة التي عاشتها في عملها، ولعل أبرز تلك المواقف ما حدث عندما وفد رجل مفتول العضلات على شارع عماد الدين الذي تعمل فيه، وظل يبحث عن مكان يصفّ فيه سيارته الفارهة دون جدوى، حتى وجد مكانًا ضيقًا لكنه فشل في وضع سيارته فيه، إلى أن اقتربت منه وطلبت أن يترك لها السيارة حتى تصفها له، لكنه رفض لعدم ثقته في قدراتها، وعبثًا حول صاحب السيارة تلبيكها، غير أنه استعان بالحاجة كريمة التي قامت بدورها بصف السيارة بجانب الرصيف ببراعة شديدة، فصفق لها كل المتواجدين بالشارع.
ومن المواقف الطريفة أيضًا التي أبهرت كل من شاهدها: لقد استطعت بمفردي تحريك سيارة من مكانها بالدفع باليدين بدون مساعدة لمسافة 200 متر، حتى أستطيع ركن سيارة أخرى إلى جوارها، وعندما نزل صاحب السيارة، أخذ يصرخ في وجهي «كيف قمت بذلك».
نظرة الناس لي تختلف بعد أن يتعاملوا معي، وتكمل الحاجة كريمة مؤكدة أنها في بداية عملها كسايسة للسيارات كانت تواجه الكثير من المضايقات، ولكن رويدًا رويدًا وبمجهودي وصبري وحنكتي فرضت على الجميع احترامي، فأبنائي فخورون بي، وسعداء بعملي هذا، وأنا أيضًا أشعر بسعادة بالغة بأن نجحت في عملي، وكسبت ثقة الناس من حولي.
وترفض الربط بين مهنة السايس والبلطجة التي قد يحدثها بعض الدخلاء على المهنة، مؤكدة أن عمل السايس مهم جدًا، فبالإضافة إلى ترتيب السيارات في الشوارع، فإن خبرته تحل كثيرًا من الاختناقات المرورية بشكل قانوني وسهل، وهذا يتطلب خبرة وحكمة وسرعة رد فعل عالية تجاه بعض المواقف خاصة أثناء الذروة.
شروط ومواصفات
أشهر سايسة مصرية تؤكد أن هناك شروطًا ومواصفات يجب أن يتحلى بها كل من يعمل بمهنة «السايس»، وأول هذه الشروط الأمانة؛ لأنه مسؤول عن سيارات غالية الثمن، أما ثانيها فهو الحفاظ على السيارة نفسها وعدم تحريكها من مكانها حتى وصول صاحبها والحفاظ عليها من الصدمات، كما يجب على من يمتهن مهنة السايس أن يكون على دراية بالقراءة والكتابة حتى يستطيع قراءة رخص البعض في حدوث ظرف ما.
وعلى الرغم من أن الظروف الحياتية هي التي دفعت كريمة إلى العمل كـ «سايسة»، فإنها فضلت العمل بشكل قانوني ورسمي، الأمر الذي دفعها إلى أن تستخرج رخصة قيادة، إضافة إلى رخصة أخرى رسمية تفيد بأنها تعمل «سايسة» في هذا المكان.
وتكشف عن بعض أسرار مهنتها قائلة: إنها مهنة مهمة وخطيرة، فمن القواعد الثابتة التي نحافظ عليه كـ «سايس» أننا في نهاية كل أسبوع يكون لدينا اجتماع مع الضابط المسؤول عن المنطقة التي أعمل بها أنا وزملائي للاطمئنان على كيف يسير الشارع، وهل هناك مصاعب أو مشاكل ما تواجهنا.
كما يتم الكشف عن سرقات ما، أو دخول سيارة وترددها على المنطقة بشكل مريب، وقد يكون مشتبهًا فيها، لذا فإنني أعرف سكان المنطقة وسياراتهم جيدًا، فأي سيارة جديدة أعلم عنها كل شيء؛ لأنني أسأل عنها إذا حدثت مشكلة لا قدر الله.. فأنا موظفة رسمية ومعترف بي وملفي الخاص نظيف وليست لي أي علاقة بالشبهات أو القضايا.
ست بمية راجل
ولا تنكر أول سايسة في مصر أنها قد تواجه بعض مضايقات من أصحاب السيارات، مؤكدة أنها «ست بمية راجل» وتوقف كل طامع فيها عند حده، كما أن هناك أناسًا يساعدونني ويحترمون أنني سيدة أقف في الشارع من أجل لقمة العيش، أما الآن فقد استعانت بأولادها كي يساعدوها في العمل.
ولأن مهنة السايس يحتكرها الرجال، الذين يكونون ما يشبه التجمع أو النقابة، فقد اخترقت كريمة هذا التجمع، ففي البداية كان زملاؤها من الرجال يلفظونها، حتى استطاعت بحكمتها وخبرتها أن تثبت تواجدها، فاستطاعت أن تصادق الرجال الذين يعملون في نفس مهنتها، حتى باتت أختًا لهم تشاركهم في أفراحهم وأتراحهم.
ويبدو أن قوة شخصية تلك المرأة التي تتعامل بها خارج بيتها انسحبت على علاقتها بأبنائها الذين يحترمون عملها وجهدها، فلم يعترضوا على عملها أو طبيعة مهنتها.. لكنهم بعد أن كبروا وبدأوا يشقون طريقهم في الحياة عرضوا عليها كثيرًا أن تترك عملها مقابل أن يعطوها ما تحتاجه من مال.. غير أن الحاجة كريمة رفضت ذلك، مؤكدة لهم أنها تحب مهنتها ولا تستطيع الجلوس في المنزل بدون عمل.


