رحم الله فناني الزمن الجميل، كانوا على استعداد لدفع حياتهم، عن طيب خاطر، ثمناً للالتصاق بالجماهير والتفاعل معهم. بينما فنانو هذا العصر يتخذون من ذوي العضلات المفتولة والصدور القوية والنظرات المرعبة ستاراً بشرياً يقيهم من الجمهور وأمراضه وسخافاته وتحرشاته أيضاً.
فلا يتنقل زعيم الكوميديا عادل إمام إلا وسط دستة من الحراس المغاوير، ولا يعرف تامر حسني سبيلاً للخلاص من أحضان المعجبات إلا بالحوائط البشرية التي تلازمه كظله، وحتى في أعمالهما تحرص الفنانتان اللبنانيتان مروى وماريا على اصطحاب حراسهما الخصوصيين جداً حتى لا تتكرر حوادث التحرش بهما من قبل الأوغاد المعجبين. هذا هو واقع نجوم اليوم، شهرة وجمهور متلهف ومتاريس بشرية تحجب حتى الهواء.. فما الداعي إلى هذه الظاهرة التي لم يكن لها وجود بين كبار النجوم، وما العالم السري ل(البودي غارد)، وما قيمة الأجور التي يتقاضونها ومؤهلاتهم؟ هذا ما يجيب عنه التحقيق التالي.
الاستعانة بالحراس الخصوصيين أو (البودي غارد) فكرة لم يبتكرها مشاهير الفن، بل تعرفت إليها مجتمعاتنا العربية في الماضي على يد فئة معينة كان يطلق عليهم (أولاد الذوات)، حيث كانوا يستعينون بأشخاص يحرسونهم ويحمونهم من أي طارئ يتعرضون له أينما ذهبوا، لكن بمرور السنوات انتشرت الفكرة في أوساط أخرى أبرزها الوسط الفني، بالتزامن مع انتشار الفضائيات ووصول أجور الفنانين والفنانات والمطربات أيضاً إلى عشرات الملايين، ما ترتب عليه تزايد حرصهم على حياتهم.
ومن ثم تعددت الحاجة لديهم إلى رجال مفتولي العضلات، حاصلين على أوسمة أو أحزمة في شتى فنون القتال، حيث يحيطون الفنان أو الفنانة بجميع أوجه الأمان، ليس بغرض الحماية فقط، بل للوجاهة أيضاً، وأحياناً أخرى لإبعاد الجمهور عنهم كما لم يعد مستبعداً أن يقوم هؤلاء البودي غاردات بتأديب أي شخص ينال من الفنانة التي يحرسونها، كما حدث قبل سنوات مع المنولوجست عادل الفار الذي تعرض للضرب المبرح من قبل البودي غارد الخاص بالراقصة فيفي عبده بسبب تقليده لها بشكل ساخر على المسرح.
فوبيا سوزان تميم
واللافت للانتباه خلال السنوات الأخيرة، وبشكل خاص بعد مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم هو هذا العدد الكبير من الفنانين والفنانات الذين يستعينون ببودي غارد، والذين يختلف عددهم وأحجامهم من فنانة لأخرى حسب شهرتها وجمالها ومدى جاذبيتها للجمهور، فكلما كانت الفنانة جريئة ومثيرة في أدوارها، كان عدد (البودي غاردات) حولها أكبر.
وكلما كان الفنان مشهورا أو مهماً كان البودي غاردات حوله ذوي مواصفات مختلفة، لا تتعلق فقط بالعضلات المفتولة والصدور القوية والنظرات المرعبة فقط بل بات يرافق البعض أجهزة ممنوع حملها قانوناً مثل العصا الكهربائية وأسطوانات غازية لإبعاد الجمهور وتفريقه عند الاحتكاك بالنجم.
نفوذ البودي غارد
ولعل ما حدث حديثاً خلال افتتاح الفيلم السينمائي (كلمني شكراً) لدليل على ما وصلت إليه فئة البودي غارد من قوة وسلطة في المجتمع، حيث حدث احتكاك مباشر وصل إلى التشابك بالأيدي بين (البودي غاردات) المسؤولين عن تنظيم عمليات دخول وخروج المدعوين لحفل الافتتاح وبين الإعلاميين، وذلك عندما حاول (البودي غاردات) تفتيش الحضور ذاتياً .
للتأكد من عدم حمل أحدهم كاميرا يمكن من خلالها سرقة الفيلم. وفي العرض نفسه أيضاً قام (البودي غاردات) بحجز قاعات خاصة بالنجوم ومنع أي شخص من الاقتراب منها، مما أدى إلى تزاحم واندفاع عدد كبير من الحضور قبل أن تتم الاستعانة بالعصا الكهربائية لتفريق الجمهور.
الأمر الذي أدى إلى استياء عدد كبير من الإعلاميين والصحافيين الذين انتقدوا حفل الافتتاح وخرجوا جميعاً بمانشيت واحد: نجح العرض وفشل التنظيم بسبب (البودي غارد).
مروى وحراسها
تعد حادثة العرض الخاص لفيلم (دكتور سيلكون) من أشهر حوادث البودي غاردات التي شهدتها السينما المصرية بعد أن تدافع الجمهور على الفنانة مروى لارتدائها ملابس ساخنة، وسقطوا على الأرض واشتبكوا مع البودي غاردات في واقعة أشبه بمعركة. وسبق ذلك اشتباك المخرج أحمد البدري في العرض نفسه بأحد البودي غاردات الذي قام بدفع زوجة المخرج بقوة ثم انتهى العرض بأزمة جديدة مع الصحافيين والمصورين الذين حضروا للتغطية.
إلى هنا يبقى لعالم البودي غارد كغيره من العوالم الأخرى أسراره وطقوسه الخاصة، فهذه الفئة تطلق على نفسها أسماءً وألقاباً مرعبة ومعروفة في عالم المصارعة والإجرام بهدف إرهاب الجمهور، منها الوحش والمجرم والمرعب والمجنون، أما الأسماء فتتنوع بين باتيستا وكلاي وفرعون وهوجان وغيرها من الأسماء التي تتداول بين أوساط العامة، وإن كان القاسم المشترك بينها جميعاً هو إدخال الرعب في نفوس من يسمعها.
عالم مثير
هذا ما يؤكده أحد البودي غاردات الخاص بإحدى الفنانات المصريات، رفض ذكر اسمه، حيث يقول إن معظم العاملين في هذه المهنة يسعون للإعلان عن أنفسهم بأسماء وأشكال غريبة لملابسهم، حيث يرتدون ملابس ضيقة تظهر عضلاتهم بشكل يرهب من يراهم.
كما يتناولون عقارات طبية وأدوية لزيادة الوزن ويمارسون بعض التمرينات الخاصة بكمال الأجسام ليظهروا بالصورة التي يطلبها نجوم الفن أو نجوم المجتمع أو أولاد الذوات التي باتت موضة بينهم الاستعانة ببودي غارد لما يضفيه ذلك من وجاهة عليهم.
بودي غارد باليومية
ومن واقع عمله كبودي غارد، يؤكد بلال القفاص الشهير بسبع الليل أن هناك منافسة قوية بين الشباب للعمل بودي جارادات، بعد أن وجدوا فيها الربح الوفير والعائد المادي المعقول الذي لا تضاهيه أي وظيفة أخرى.
وأضاف أنه لم يخطط ليكون بودي غارد، ولكن علاقته بدأت بالمهنة مصادفة عندما شاهده أحد الأشخاص الذين يعملون لدى فنانة معروفة، وبدأ يزاول بعض التمرينات الرياضية التي أظهرت عضلاته، وأوضح أنه يحصل على أجر في أوردر ليوم واحد يصل لمائتي جنيه، وهو أجر لا يقارن بأجر أي وظيفة أخرى.
وبسؤاله عن الوسيلة التي يمكن من خلالها الحصول على بودي غارد ذي مواصفات خاصة، قال القفاص إنه مع انتشار الفكرة لدى أوساط معينة شهيرة، أصبحت هناك شركات معنية بهذا الأمر تقوم بتوفير البودي غاردات للفنانين وفقاً للمواصفات التي يطلبونها، فضلا عن ذلك اتجه البعض ممن يرغبون في العمل بهذه المهنة إلى الإنترنت.
حيث يقوم كل شخص يجد في نفسه مواصفات البودي غارد ويتمتع بالقوة والصحة والبنيان الجسدي بعرض مواصفاته وصوره على الإنترنت حتى يتم استدعاؤه من قبل من يريده.
وفيما يوضح القفاص أن إحدى أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها البودي غارد هي الأمانة وكتمان الأسرار؛ كونه يلازم العميل مثل ظله ولا يفارقه إلا أثناء النوم، قال إن أجور المشهورين في عالم البودي غاردات غير معروفة، لكن هناك من يحصل على مبالغ كبيرة وآخرين يقبلون بالقليل.
حيث تتم الاستعانة ببودي غارد ليوم واحد مقابل 200 جنيه وآخر يحصل على 500 أو 600 في حالة تطلب الأمر مرافقة فنانة مشهورة أثناء وجودها في مكان عام.
مهنة سيئة السمعة
وعلى العكس مما يظنه البعض من أن البودي غاردات سعداء بهذه المهنة التي تدرّ عليهم دخلاً وشهرة، هناك آخرون تعساء بالتحاقهم بهذه المهنة، منهم علي عبدالبر الشهير بالفتوة، الذي يؤكد أن مهنة البودي غارد سمعتها سيئة، ولها مشاكل لا حدود لها سواء مع المسؤولين بوزارة الداخلية المصرية أو مع أبنائه أيضاً.
حيث يعايرهم أصدقاؤهم وزملاؤهم في المدرسة بأن والدهم بلطجي أو يقوم بحراسة راقصة تأمره فيطيع، مما أساء لعلاقته بأسرته التي طلبت منه مراراً وتكراراً ترك تلك المهنة التي تفسد أكثر مما تصلح.
للحماية فقط
وبسؤال الفنانة مروى عن أسباب تزايد توجه الفنانات للاستعانة ببودي غارد، قالت إن الفنانة شخصية عامة وغالباً ما تكون محط أنظار الجمهور أينما ذهبت، وقد تتعرض لمواقف اعتداء أو تحرش من قبل أشخاص يقودهم تفكيرهم إلى القيام بتصرفات جنونية، وهنا يلعب البودي غارد دوراً مهماً في حماية الفنانة من أي رد فعل غير متوقع من جانب الجمهور.
وأبدت مروى اندهاشها من الانتقادات التي توجه للفنانات اللاتي يستعن بحماية، مؤكدة أن الفنانة لا تدفع رواتب ضخمة من أجل، كما يردد البعض، الوجاهة الاجتماعية، فهذا غير مقبول؛ لأن الفنانة لا تنقصها شهرة، بل حرص الفنانة الدائم على حياتها هو الذي يدفعها لذلك.
أما الفنانة غادة عبدالرازق، فتقول إن الفنانة أكثر تعرضاً لتهديدات بالقتل أو تشويهها بماء النار، وغير ذلك مما يصلها من رسائل يرسلها مجهولون بغرض المزاح معها، وكنوع من الحرص على حياتها تلجأ الفنانة للاستعانة ببودي غارد للحماية فقط، وليس لمنعها عن الجمهور الذي تعمل من أجل إسعاده.
ظاهرة التحرش
إلى هنا يربط الدكتور سعيد عبدالعظيم، أستاذ علم النفس بكلية الآداب جامعة القاهرة، حرص الفنانين المتزايد على حياتهم بانتشار ظاهرة التحرش الجنسي وكثرة الاعتداءات على الفتيات في الآونة الأخيرة، الأمر الذي زرع الرعب في نفوس الفنانات وسيدات المجتمع وجعلهن لا يسرن إلا ومعهن حارس أو ما يسمى البودي غارد، لحمايتهن من اندفاع الجمهور عليهن أثناء وجودهن في أي مكان، لكن عبدالعظيم لم يستبعد قيام أشخاص باللجوء إلى البودي غاردات كنوع من باب التباهي.



