التراث المحكي أو المنقول من قصص وحكايات تجسد ارتباطاتنا بالجذور في تواصل فريد لإنعاش عبق التاريخ الذي تفوح منه نكهة الأصالة التي تعد بمثابة إشارات تتوغل في أعماق الذاكرة من خلال مقتنياتنا الثمينة المتوارثة فلا عجب ان تمثل الأحجار الكريمة والمجوهرات جزءا منها لتشكل سيمفونية متناغمة على مر العصور
ياقوت، زمرد.. أحمدك يارب!... هذه النصيحة التي أطلقها (علي بابا) عندما ساقه حظه السعيد إلى كنز اللصوص ، تعبيراً عن العشق القديم الذي يكنه الإنسان للأحجار الكريمة، المعروفة منذ قديم الزمان وسالف العصر والأوان، فقد أثبتت أبحاث علماء الجيولوجيا أن بني البشر عرفوا الجواهر والأحجار الكريمة منذ نحو40ألف سنة، وأيامها كان الإنسان البدائي يستخدمها في صناعة العقود والتمائم والحلي، كما يصنع منها لصلابتها رؤوساً لسهام الصيد! يقول الدكتور زكريا هميمي في كتابه (موسوعة الأحجار الكريمة): إن الإنسان بدأ شيئاً فشيئاً في استخدام أنواع عديدة من الأحجار الكريمة وبدأت عمليات التهذيب والتقطيع والصقل والتلميع والتشكيل في صورة قلائد تحاكي بعض مفردات الطبيعة وهو ما كشفت عنه بعض القلائد والعقود البابلية التي عُثر عليها على ضفاف نهر الفرات والتي تعود إلى عام 5000 قبل الميلاد .
وللزمرد مكانة خاصة وسحر أسطوري على مر العصور ففي القرن الثاني قبل الميلاد توقع هيرودت وجود كنز زمرد في صحراء شمال أفريقيا واشتهر الكنز باسم (كنز الكرمانت) وكان لهذا التوقع أثر بالغ في اكتشاف حقول النفط في الجزائر في العصر الحديث. وظل حجر الزمرد الأخضر الصافي طوال أربعة آلاف عام شعاراً ورمزاً للمعين الذي لا ينضب ، وكان الفراعنة والرمان والمغول في الهند والأستيك في أميركا الجنوبية يقدسونه، بينما رُصعت به تيجان ملوك أوربا وأمام الخرافات التي أحاطت بعدد من أغلى الزمردات في العالم، وجعلت من الصعب اقتفاء أصولها.
وتوصل الباحثون إلى أن بعض الزمردات القديمة استخرجت من أماكن كان يعتقد أنها اكتشفت في القرن العشرين فإذا بها تعود إلى عهد الإمبراطورية الرومانية وكانت المفاجأة أكبر حين توصل الباحثون إلى أن بعضها مستخرج من مناجم كولومبية. ولم يتم ترويجها سوى بعد غزو الإسبان لأميركا اللاتينية في القرن السادس عشر وعلاوة على ذلك فقد تبيّن ان ثلاث زمردات من مجموعة آل نظام حيدر أباد بالهند، كان يعتقد أنها من مناجم آسيوية مفقودة، فإذا بها تعود إلى المناجم الكولومبية وليس كما تروج الأساطير التي تزعم أنها تعود إلى الإسكندر الأكبر، الذي عاش حوالي القرن الثالث قبل الميلاد فأين ذهبت مجموعة الإسكندر نفسه؟ لا أحد يعرف ولكن المعروف أنها اختفت ومعها سر بقائه الطويل!
ويتمتع الزمرد اليوم مع الياقوت بنفس المكانة لما يتسم به من جمال اللون، وُتنسب بلورة الزمرد إلى النظام السداسي، أي أنها ذات ستة أضلاع أو زوايا، وبلورات الزمرد غالباً ما تكون طويلة ومنشورية وبسيطة التكوين وتتفاوت درجة صلابة الزمرد من 5 .7 إلى 8 وعلى ذلك يعتبر من الجواهر الصلبة ووزنه النوعي بين 6 .2 و8 .2.
ورغم أن الزمرد من الأحجار الصلبة إلا أنه سهل التشقق والتفتت لذا كان ضرورياً عند استخدامه في الحلي أن يوضع بحذر في صندوق الجواهر بصحبة الماس والياقوت، لأنهما أصلب منه وقد تتلفه عند احتكاكها به وتخدشه مما يؤدي إلى إعادة صقله وربما إعادة تهيئته من جديد.
وتأتي أكبر وأفضل أنواع الزمرد من كولومبيا، والأصغر حجماً أو أقل جودة تأتي عادة من البرازيل.. كما يوجد القليل منه في شمال أفريقيا وزيمبابوي وزامبيا وتنزانيا بلونه الأخضر القوي أو بمسح من الأزرق المخضر.
وأشهر نوع من الزمرد يأتي من سنداونا في زيمبابوي، ويُقيّم هذا النوع بدرجة لونه، كما يأتي الزمرد المميز أيضاً من جبال الهند وباكستان والنمسا، ويعتبره البعض ملك المجوهرات المتوج، وتزن الأحجار ذات اللون المميز عادة قيراطين أو أكثر، وتُعد من أغلى الأحجار ويضاهي سعرها سعر الألماس أحياناً. ويعتمد الحجر على لونه حيث يزداد أو يرتفع تبعاً لتدرجات الألوان.
عرف قدماء المصريين الزمرد، وصنعوا منه أدوات الزينة الصغيرة والتمائم، وكان الإغريق يقدمونه إلى (فينوس) الهة الجمال حسب معتقداتهم ، وفي أيام كليوباترا كانت مناجمه ملكاً لها، وقد أهدته بكرم للسفراء المقربين إليها، ولاسيما ما حفرت عليه صورتها الفاتنة، وكان يوليوس قيصر يهوي اقتناء الزمرد وجمعه لجماله وقيمته، ولما كان ينسب إليه من الخرافات ولأن كليوباترا كانت تعشقه بطبيعة الحال!
ورغم أن الزمرد هو المعين الذي لا ينضب كما تقول الأسطورة، إلا أن معين جزيرة الزبرجد المصرية قد نضب على مر السنين، ولم يعد باقياً من عروق هذا الحجر الكريم سوى ذكريات وفتنات، يعيش عليها هواة جمع الأحجار الكريمة والسياح الأجانب الذين يرتادون الجزيرة في الوقت الراهن علهم يعثرون على زمردة نسيها الزمن واحتفظت بها رمال الجزيرة لصاحب الحظ السعيد!
إعداد - رشا عبد المنعم



