لا يزال التعطش البشري للسلطة والشهرة والمجد الخالد مسيطراً على الإنسان منذ عصور، وقد ناضل الرجال الجبارون قبل مئات، بل آلاف السنين لمواجهة أشد التحديات في سبيل تحقيق طموحاتهم في السيادة على أرض الواقع.

وقد استولت بعض الأوابد التاريخية على أذهان وتصورات المهندسين والمعماريين المعاصرين في أنحاء العالم الذين عملوا على حل لغز قدرة أسلافهم على تشييد مثل تلك المباني المعمارية التي تتميز بجمالها وخلودها وثوريتها دون استخدام أي من الآلات والمواد التي تتوفر للمهندسين في عصرنا الحديث. (الحواس الخمس) يكشف النقاب عن أسرار أربع من المباني العملاقة، بدءاً بآيا صوفيا وآنكور وات ومروراً بالحمراء وانتهاء بماتشوبيتشو.

آيا صوفيا... عندما وصل الإمبراطور جستنيان لسدة الحكم عام 527، كان يطمح في توسيع حكم البيزنطيين ليشمل معظم منطقة البحر المتوسط، وعرض سيطرته من خلال بناء الكثير من الكنائس على امتداد الإمبراطورية. وتم بناء آيا صوفيا، التي تعني (الحكمة المقدسة) في ما يعرف اليوم باسطنبول، تركيا، وتحوي قبة حطمت الأرقام القياسية تمتد على أكثر من 31 مترا. ومن أجل تحقيق حلمه، أمر جستنيان رجلين ماهرين في (علم الرياضيات)؛ وهما أنثيميوس التراقي وإيسيدور الأكبر؛ لتصميم هيكل ثوري وبناء الكنيسة الأبهى في الإمبراطورية البيزنطية. وكان على أنثيميوس وإيسيدور إيجاد المواد الملائمة واختراع أساليب بناء جديدة. وتصارعت مع الزمن قوى عاملة قوية تتألف من 000 .10 عامل في إنهاء الهيكل خلال ستة أعوام فقط في ظل مراقبة جستنيان المستمرة لهم. لكن وبعد مرور 20 عاماً تحطم حلم جستنيان وانهار أرضاً، إذ حدث زلزال عنيف عام 558 قبل الميلاد دمر القبة العظيمة. وطُلب من إيسيدور الأصغر، ابن أخ إيسيدور الأكبر إصلاح الضرر. وقام برفع القبة ومنحها دعائم إضافية، وكانت النتيجة أكبر كنيسة تم بناؤها أوائل الحقبة المسيحية. وعلى الرغم من حدوث زلازل خطيرة، بقيت آيا صوفيا صامدة لأكثر من 000 .1 عام بصفتها أكبر كاتدرائية في العالم.

من مكان مهجور لمسجد ... وحين نجح الجيش الإسلامي العثماني بقيادة السلطان محمد الفاتح في اقتحام أسوار مدينة القسطنطينية، صلى ركعتي شكر خارج الكنيسة، وأمر بتحويلها إلى جامع وتم بناء مآذن في أركانها الخارجية، ووضع هلال أعلى قبتها، وتمت صلاة أول جمعة بها عام (857هـ=1453م). وعن سبب تحويل الكنيسة لمسجد تشير مصادر التاريخ التركية العثمانية إلى أن الجيش الإسلامي حين دخل القسطنطينية وجد هذه الكنيسة الضخمة مهجورة، ولم يعد يستخدمها أحد، وأنها ستتحول بمرور الوقت لمكان يبيت فيه الثعابين والحشرات والزواحف وطيور النورس البحرية المنتشرة بمضيق البوسفور وبحر مرمرة.

وفي الوقت نفسه لم يكن بالقسطنطينية مكان معد لأداء الصلاة لكل هذا العدد الضخم من أفراد الجيش العثماني. ولما عرض السلطان ورجال الدولة الأمر على شيخ الإسلام، آق شمس الدين، ومن معه من علماء الإسلام أفتوا لهم بجواز تنظيف الكنيسة وتحويلها لجامع يستخدمه المسلمون بعد إزالة الصليب الذي كان يعلو القبة الرئيسية، وبناء مئذنة في أحد أركانه، ثم وضع منبر بصحن الصلاة.

وعلى الرغم من تحويله لمسجد لم يقترب المسلمون الأتراك من صور عيسى وأمه مريم، عليهما السلام، الموضوعة في أماكن بارزة من صحن الصلاة الرئيسي وجدار القبة؛ حتى إن الجدران الداخلية والحوائط الجانبية البعيدة عن محراب الصلاة واتجاه القبلة لاتزال حتى اليوم منقوشا أو مرسوما عليها الصليب، وبعض الصور والكتابات القديمة المرتبطة بالمسيحية.

وقد نظر العثمانيون لهذا المسجد طوال تاريخهم على أنه رمز للفتح الإسلامي للقسطنطينية ودخول إستانبول وما بعدها من أراض في اتجاه الغرب لحظيرة الدولة العثمانية؛ ولذا حظي الجامع باهتمام ورعاية السلاطين والباشاوات والأمراء ورجال الدولة العثمانية، وكان المكان المفضل للصلاة وخصوصا الصلوات الجماعية.

كما وضع العثمانيون فيها مجموعة من اللوحات القرآنية، علاوة على أربع لوحات كتابية ضخمة دائرية الشكل تقريباً في أعلى الأعمدة الأربعة الرئيسة وفي بطن القبة من جهة المحراب، كتبت عليها كلمات (الله، محمد، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي).

من مسجد لمتحف

لكن مع سقوط الخلافة العثمانية عام (1342هـ=1923م) وما استتبعه من قيام نظام جمهوري بقيادة كمال أتاتورك اتخذت قرارات منها توقف الصلاة بالجامع، ونزع سجاجيده ولوحاته الكتابية العربية ومنبره وتحويله لمتحف سياحي.

وتعد (آيا صوفيا) الآن من أهم متاحف تركيا وتضم بين جدرانها تراثاً عريقاً لحقبات تاريخية مرت، تبدل فيها دور الصرح من كنيسة ظلت لفترة 921 سنة تقوم بمهام الكنيسة الشرقية في العالم القديم، وترعى المذهب الأرثوذكسي، ونالت كل الاهتمام والرعاية من مسيحيي الشرق ومناطق شمال شرق أوروبا وهضبة البلقان علاوة على روسيا القيصرية.

ومن بعدها تحولت مسجداً لفترة 481 سنة فكانت محط اهتمام المسلمين. واليوم تتعالى النداءات لإعادة المتحف ليكون مسجداً لمسلمي تركيا الذين يشكلون الغالبية العظمى فيها.

فعلى الرغم من كثرة الجوامع في تركيا، خصوصا في اسطنبول يتوق المسلمون شغفاً إلى إعادة الصلاة في جامع (آيا صوفيا)، الرمز الهام في تاريخ ـ المدينة وفي إسلامهم ـ لكن المحكمة الإدارية العليا رفضت طلباً تقدمت به اخيراً، إحدى الجمعيات الوقفية الإسلامية تطالب فيه بتحويل المتحف إلى جامع مفتوح للعبادة كما كان لفترة طويلة.

ومنذ منتصف الثمانينات ظهرت مجموعة دينية في اسطنبول من الشباب تقوم بحركات اعتراض ومقاومة أمام الجامع بين الحين والآخر، لحث الحكومة التركية على إعادة الصلاة في الجامع، ولكن قوات الأمن تعتقل أفرادا من هذه المجموعة ويصدر القضاء التركي أحكاماً بالسجن على البعض منهم.

يعرض اليوم على قناة «ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي» الساعة الواحدة ظهراً ويعاد الأحد 31 الجاري الرابعة عصراً وتعرض حلقة «قصر الحمراء» اليوم والبتراء 4 فبراير .

دبي- خالد المحمدي