مثل عاشق يسهر تحت شرفات المعشوق في ليالي الفردوس المفقود في الأندلس؛ تبدأ حكاية رافاييل أمارغو أحد أشهر راقصي ومصممي رقصات الفلامنكو في العالم، ولئن كان أبو القومية الأندلسية «بلاس إنفانتي» الذي أعدمه الطاغية فرانكو عام 1936م.

قد فسّر مصطلح الفلامنكو باعتباره قادما من شقين عربي وموريسكي بكلمتي «فلاح» و«مينغو» التي تعني اصطلاحا «الفلاح المنكوب» بعد أن صادرت محاكم التفتيش البغيضة برعاية فرديناند وإيزابيلا أراضي وحريات القوميات المختلفة التي كانت تعيش في أسبانيا، فاندمجت تلك القوميات من عرب ويهود وبربر وباسكيين مع الغجر القاطنين في أطراف المدن ليعبروا بعد ذلك عبر رقصة «الفلامنكو» عن التمرد ويحكوا للعالم عن الظلم الذي أصابهم، لئن كان كل ذلك التاريخ يقول الحقيقة؛ فإن الراقص العاشق رافاييل أمارغو عبّر عن روح الفلامنكو بأروع صوره؛ «الحواس الخمس» حضر حفل أمارغو في قصر الإمارات وكان هذا الحديث ..

يقول أمارغو عن قصته مع الفلامنكو: لقد نشأت في غرناطة وسط عائلة فنية لأب وأم يرقصان الفلامنكو، وقد ولدتُ بعد أن عانت والدتي من فقدان ابنتها البكر وهي ما تزال رضيعة، وحين ولدت أصبحت شغل أمي الشاغل تسهر بقربي حتى الصباح وتغني لي، ولا تزال تلك الذاكرة الغنائية والموسيقية التي استمعتها في المهد مصدر إلهام لي إلى هذا اليوم، ولم تنسني الشهرة والأضواء جذوري الفنية التي أعتز بها، وبنظري فأن الفلامنكو هو حياتي وعشقي الأوحد الذي إن تركته سأموت، وحين أموت سيتذكر الناس اسمي كراقص فلامنكو.

في ديسمبر من عام 2007م يتلقى أمارغو اتصالاً من أحد مسؤولي الخارجية الأسبانية يخبره فيه بأن الزعيم الليبي معمر القذافي يطلب الحديث إليه وحضوره؛ يقول أمارغو بطرافة: لقد ارتعبت وقلت للمتحدث أقسم بأني لم أفعل شيئاً، فكان الجواب بأن القذافي يريد أن تحيي له حفلاً راقصاً مع فرقتك. فغادرت برشلونة التي مكثت فيها شهرين لتقديم عروض الفلامنكو وقطعت ذلك البرنامج ووصلت بفرقتي إلى قصر باردو في مدريد لتقديم العرض المرتقب، وتفاجأت بوجود مشاهد واحد يجلس على كرسي عند صالة العرض هو القذافي، فتقدمت للسلام عليه وقدمت له الفرقة وكان ودوداً ومهذباً جداً وأعلن أنه يعشق الفلامنكو.

وكنت فرحاً جداً لأني لم أرقص سابقاً لجمهور مكون من شخص واحد، وبعد نهاية العرض تقدم القذافي إلي قائلاً : أنت راقص فلامنكو حقيقي؛ أنت ملك الأندلس- ثم توجه للراقصة الرئيسية في فرقتي ماريا بقوله: أنا أحبك؛ باللغة الإنجليزية- ولأنها لا تجيد إلا الأسبانية أجابته بقولها نحن نحبك.. أنت مثلنا، واستمرت علاقتي بالقذافي منذ ذلك الحين، حيث هناك اتصال دائم بيننا وهو يحمل ثقافة فنية راقية.

هناك نزاع قديم متجدد حول الفلامنكو في أسبانيا، فبينما يرى بعض النقاد والراقصين والمصممين أن الفلامنكو يجب أن يجري تحديثه ومنهم عازف الجيتار الشهير باكو دي لوسيا الذي أدخل العديد من التحديثات في الفلامنكو والمغني الأسطورة كاماراون؛ يرى آخرون أن أي تعديل على الرقصات وطريقة الأداء على الفلامنكو عزفاً وحركة وغناءً سيدمر هذا الفن العريق ويحوله إلى مخلوق آخر.

وهنا يقول ضيفنا أمارغو: أعتبر باكو ملكاً للفلامنكو وأتمنى يوماً أن يجمعني به يوماً عمل فني، وكذلك العملاق الراحل كامارون، وأعتقد أن لكل منهما طريقته الخاصة بالتحديث وأنا أحترمها، وأنا مع التحديث في الفلامنكو بشرط أن يحتفظ بقواعد الفن الأساسية وأهمها روحه التي يعرفها المتخصصون.

عاش أمارغو في اليابان 3 سنوات وتزوج هناك من فتاة يابانية وهو بعد لم يبلغ التاسعة عشرة، وهو ينظر لليابان وشعبها بنظرة تفوق الإعجاب، ويقول عن ذلك: إن الشعب الياباني أفضل نموذج لشعوب العالم التي تريد الحياة والتقدم، وهم يملكون أكثر من 100 مدرسة لتعليم الفلامنكو الذي يعشقونه كما الأسبان واللاتينيين، وسيظهر منهم راقصون محترفون على المدى القريب ينافسون جميع مدارس الفلامنكو.

مثّل أمارغو في عدد من المسلسلات والأفلام السينمائية، كان أولها مسلسل أسباني عام 2001م ليتبعه بمسلسلات أخرى حيث يظهر في مسلسل جديد سيجري عرضه منتصف هذا العام ويقوم فيه بدور «بيدريه».

كما أنه يقوم حالياً بوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق بشأن إنجاز 3 أفلام في عاصمة السينما العالمية هوليوود، أحدها وثقائقي عن حياته الشخصية والآخر عن عائلة غجرية تحترف الفلامنكو والثالث عن الشاعر المتمرد لوركا، كما أنه يقوم بعرضه المسرحي الراقص فيلازورولالا في عدة مدن يزورها على التوالي هي مدريد وروما وباريس ولندن وطوكيو.

ويعترف أمارغو أنه أراد دخول مجال التمثيل، إلا أن شغفه بالرقص خفف قليلاً من هذه الخطوة، ويضيف: «إن الأموال والحياة المرفهة في الفن تأتي من السينما وشباك التذاكر، وهذه هي الحسنة الوحيدة، لأني شاركت في عروض سينمائية ثلاثية الأبعاد ولم أجد نفسي هناك».

أبو ظبي- محمد الأنصاري