بما يقارب المعجزة، استطاع كل من رشا الخليل، 26 عاماً، ومحمد عيسى، 24 عاماً، أن يجسّدا حياة اللاجئ الفلسطيني في مخيم برج البراجنة (ضاحية بيروت الجنوبية)، في فيلم وثائقي عن النكبة، تحت عنوان (شواهد صامتة).

والمعجزة تكمن في كون رشا ومحمد (من أبناء المخيم، ويعملان في بيت أطفال الصمود) صوّرا الفيلم (من لا شيء)، إذ إنهما لم يدرسا الإعلام، أو تقنيات الإخراج والإعداد والمونتاج وغيرها، بل كل ما فعلاه هو أنهما استعانا بكاميرا فيديو واحدة مستعارة، وسجّلت رشا صوتها، وهي تروي الفيلم من خلال (مايكروفون) هاتفها الجوّال، بينما تولّى زميلها مهمة المونتاج من خلال برنامج حمّله على حاسوبه الإلكتروني.

والفيلم يبدأ بتسليط الضوء على حياة وذاكرة المسنّين في مخيم برج البراجنة، مترافقاً مع موسيقى حزينة من مجموعة (بودابار)، ومع صور باللونين الأبيض والأسود عن نكبة الـ48، وتأتي مقدّمة الفيلم بصوت رشا: قرعت طبول الحرب، وأمطرت النكبة مخزونها، فأبصرت من اللوعة ما أعماني، وتذوّقت من الحسرة ما قتلني.. مصيبة تهجير وإبعاد قسري، تدمير وإلغاء، من فقدان إلى لجوء، من مجازر إلى مذابح إلى إبادة.. هي نكبتي أيها القوم.

وتزامناً مع ظهور صورة لعجوز فلسطينية، وهي تبكي النكبة بعينيها المجعّدتين، تعرّف رشا بالمخيم الذي أنشئ عام 1950، ومن ثم يبدأ 14 مسنّاً بسرد رواياتهم، منذ النكبة وحتى يومنا الحاضر.

بعفوية، تؤكد عجوز (لو كنا إحنا معنا سلاح الآن، متل الفدائيين، لا بريطانيا ولا أميركا ولا إسرائيل كانت بتقدرلنا)، وتروي عجوز أخرى قصة فقدانها أولادها في مجزرةألا(تلّ الزعتر) (إحدى المخيمات الفلسطينية)، وذلك، على وقع موّال يغنّيه عجوز مسنّ: (يا فلسطين، مشيت دروب جدّي ما شفتها، يا فلسطين أشوف حبابي)، قبل أن تعيقه دموعه عن المتابعة فيتوقّف عن الكلام.

ومن ذكريات الحرب إلى ذكريات الحبّ الأول التي يرويها عجوز لا يزال يتحسّر على فقدانه حبيبة القلب التي لم يتزوجها، تسأله رشا: هل كان يوجد حبّ أيام زمان؟، فيجيب: ليس هناك شيء في الدنيا من دون حبّ.

وتبقى شجرة الزيتون التي تملكها أم عزيز، التي تبكي أولادها الأربعة المفقودين حتى الساعة، هي خير معبّر عن حياة اللاجئين ويومياتهم، (يلّلي ما إلو وطن ما إلو كرامة)، تقول مشيرة إلى أن ابنها كان أحضر لها الشجرة من فلسطين. (أينما ذهبت، هناك غصّة أحملها معي دائماً، هي هويّتي الزرقاء.. اسمي لاجئة، لكن لي وطن وأرض وبيت)، وتشدّد رشا على أن الفلسطيني ليس مجرّد لاجئ، (فعلى الرغم من المصائب، أحيا في أمل وأنبض بالحياة)..

وينتهي الفيلم مع تأكيد يرِد على لسان عجوز من المخيم: مستعدّة لأن أعود حافية إلى فلسطين، مقابل أن أمسك حبة من ترابها).. أمنية لا تكتفي رشا برصدها في الصورة، بين جدران المخيم، بل تتمنّى لو يخرج فيلمها من القفص، ويصل إلى منزل كل فلسطيني، ليحفظ تاريخ النكبة.

بيروت- وفاء عواد