«وقع انفجار هنا، انفجرت قنبلة هناك، موكب الرئيس سيمر ظهر اليوم، أجهضت هيفاء نفسها خوفا على قوامها، تطورات جديدة في قانون الضرائب العقارية، السكر يفقد مذاقه مع استمرار صعود أسعاره، و.. مئات الأخبار والأحداث تتوالى على أذني الحاج صبحي ذي الاثنتين وستين سنة، ولا تتجاوزهما إلى مراكز الإحساس، التي التقت جميعها عند عينيه وأنامل يديه ورأسه المنكفئ على نول يدوي تتناغم فيه خيوط الذهب والفضة لتتلاقى مع أفكار محفورة في أعمق أعماق عقله الذي تربى على الأصالة وعشق كل ما ينتمي إلى الأجداد وتراثهم العتيد..

لا يسمح أبدا لمتغيرات العصر بأن تلهيه عن المهمة التي يعتبرها مقدسة.. مهمة الحفاظ على فن يكاد يكون الاندثار حليفه الوحيد، لكنه يأبى، ويعاند، ويجاهد، ليستمر «التقصيب»- وهو كتابة آيات القرآن الكريم المختلفة بخيوط الذهب والفضة- يوما بعد الآخر محتفظا بعبقه، بقيمته التي تدحر فلول العولمة ومخرجاتها، بأفكار تستخلص من التاريخ أجمل ما فيه.. خمسون عاما في أزقة منطقة الأزهر، والحاج صبحي صالح (62) أشهر هواة فن التقصيب في مصر والعالم العربي يختار خيوطه المتجانسة بعناية فائقة، يعزف بيديه على أوتار من الذهب والفضة فتظهر لوحات فنية غاية في الروعة والجمال.. وعندما سألناه عن تلك الهواية وشغفه بها وإصراره على استكمال باقي عمره في رحابها، فاجأنا بأنها هواية صعبة التعلم، وتحتاج إلى الصبر مقارنة بأي هواية أخرى.

يعود الحاج صبحي بذاكرته إلى الوراء، وبالتحديد فترة علاقته الأولى بفن التقصيب حيث يقول: كان عمري 12 عامًا فقط، وآنذاك وجدت مجموعة بسيطة جدًا بحي الحسين هى التي تمارس هذا الفن، وكان والدي واحدا من تلك المجموعة، فلاحظت أنها بدأت في الاندثار، فطلبت من والدي أن أتعلمها، إلا أنه رفض في البداية لكنه سرعان ما عدل عن قراره بعد أن وجد أن لديّ ميولا شديدة لتعلم هذه المهنة، حيث كان يراقبني، وأنا أنظر إلى بعض القطع التي كان يقوم بتصنيعها، ويراني وأنا أدخل عليها بعض التعديلات، فيتعجب من خيالي الواسع من خلال تعاملي مع الخيوط البسيطة التي تزين آيات القرآن الكريم، فاضطر والدي إلى تعليمي أصول المهنة من البداية، وكنت أندهش حينما يمكث أبي فترات متواصلة في العمل، خاصة حينما كان يجتمع هو وزملاؤه لعمل كسوة الكعبة الشريفة، وهو ما جعلني أعشق هذه الهواية.

خلال تلك الفترة بدأ الطفل العمل الرسمي مع والده، وعن ذلك يذكر «تركت المدرسة وتعرفت على عدد محدود من الرفاق الذين رحلوا جميعا، وكانوا من عائلات المواردي والقصبجي وكنا أشبه بعلية القوم في سوق الحرف التقليدية، باعتبارنا عملة صعبة ونادرة عددها محدود للغاية، وقد وصلنا حتى أوائل الثمانينيات إلى نحو 40 أو 50 قصبجيًا من الفنانين المنتظمين داخل خمس عائلات توارثت هذا الفن لأكثر من ألف عام.. أما الآن فلم يعد إلا سواي».

خيوط وإبر

وعن الأدوات المستخدمة في تلك الهواية، يقول الحاج صبحي إنها عبارة عن مجموعة من الإبر المختلفة في الأحجام والخيوط، بالإضافة إلى قطعة من البلاستيك نضعها على بعض الأصابع لتحافظ عليها من الوخز المتكرر أثناء العمل، بالإضافة إلى أدوات العمل من الذهب والفضة والمعادن وبعض الخيوط العادية التي يتم استخدامها في تبطين اللوحات.. لافتا إلى أن هذه الخيوط أسعارها عالية جدا، حيث يصل سعر الكيلو من خيوط الذهب إلى 180 ألف جنيه، والفضة إلى 28 ألف جنيه.

ويشير إلى أن الخيوط الذهبية والفضية يتم شراؤها من حي الصاغة، حيث يتم عملها بطريقة معينة على أيديهم، بينما يتم استيراد الخيوط الأخرى من الخارج.. علاوة علي خيوط السيرما التي لا يفضلها الكثيرون باعتبارها ثقافة هندية محضة.

وتعد مهنة القصبجي، كما يرى الحاج صبحي، من أجمل الهوايات؛ كونها تفوح برائحة الكعبة المشرفة، موضحا أنه آخر من شارك في إعداد كسوة الكعبة، عن طريق وضع الخيوط الذهبية والفضية في تشكيل الآيات القرآنية عليها.

ويذكر أن صنع الكسوة الخاصة بالكعبة كان من مهمة الدولة الإسلامية، وتبارى الخلفاء في تزيينها والاهتمام بها، خصوصًا في العهد العباسي، وزاد الاهتمام بالكسوة من عهد الخلفاء إلى الوزراء مثل الفضل بن سهل وطاهر بن الحسين، ولكن عندما أصاب الضعف والانهيار الدولة العباسية صارت كسوة الكعبة ترسل إليها من حكام وأمراء وملوك الأقاليم الإسلامية، موضحا أن الحالة السياسية في البلاد الإسلامية كانت تنعكس على إرسال الكسوة، فكان صاحب النفوذ الأقوى هو الذي تقدم كسوته على بقية الكساوى.

ووفق الحاج صالح، فإن أول من قام بكسوة الكعبة من ملوك مصر بعد سقوط بغداد هو بيبرس البندقداري وذلك عام 661ه، واستمرت الكسوة ترد إلى الكعبة أحيانًا من مصر أو من اليمن إلى عهد الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون (743-746ه) الذي أوقف عدة أوقاف على الكسوة سنويًا، وعلى كسوة الحجرة النبوية والمنبر النبوي في المدينة كل خمس سنوات، ومن هنا بدأت مصر إرسال الكسوة للكعبة بشكل مستمر.

أدوات بدائية

الحكومة المصرية بدورها أوكلت إلى عائلة الحاج صبحى تقصيب الكسوة، وحسب هاوي التقصيب فقد كانت الكسوة تأخذ 6 شهور متواصلة من العمل؛ لأن القطعة الصغيرة التي يصل حجمها إلى كف اليد قد تأخذ شهرا كاملا من القصبجي الواحد.

ويشير إلى أن العائلة كانت تعتكف شهورا طويلة عليها لأنها كانت ترسل في بعض الأحيان مرتين في العام، وكانت تصنع من الصوف الأسود والرسومات والمطبوعات، وكانت تصميمًا مصريًا، والخيوط كانت من الذهب الخالص، بينما كانت أدوات صناعة الكسوة بدائية، مقارنة بحال الماكينات الآن، فكان يتم كتابة الخطوط والتصميم على ورق شفاف وثقبه عدة ثقوب دقيقة.

ووضعه على الصوف ثم يتم رش حبر فوق الورق الشفاف ليسقط من الثقوب، وهنا يبدأ القصبجي عمله حيث يقوم بوضع حشو مناسب، ثم عملية التخييط بخيوط الذهب وكانوا يواجهون مشكلة وهي أن الحبر يتطاير من الصوف فتتم الكتابة مرة أخرى بواسطة الخطاط.

ورغم أن الحاج صبحي القصبجي حظي بأن يكون شريكا في تصنيع كسوة الكعبة المشرفة ووضع لمساتها الجمالية، فإنه كان من المسئولين عن تزيين بدل الرئيس الراحل أنور السادات، كما كان يقوم أيضًا بعمل النياشين المختلفة الخاصة بالشرطة والحربية والاتحادات الرياضية المصرية والعربية (السعودية- الكويت)، حيث كانت المزادات المختلفة الخاصة بالحكومات ترسو عليه، كما نفذ الحاج صبحي على مدى نصف قرن آلاف القطع واللوحات الفنية.

الخط الكوفي

وعن أشهر الخطوط المستخدمة في مهنته يقول: هناك الخط الكوفي، الذي يتميز برشاقته في الانحناء على الشموازيت الأسود مانحًا إحساسًا خفيفًا بالانطلاق ورغبة مفعمة بالانعتاق من ضيق المساحة إلى براح المطلق الجميل، وأشهر الأشكال تلك الأشكال القرآنية من الآيات المختلفة، بالإضافة إلى بعض الرسومات الشهيرة، لكن هوايته تخصصت فقط في الخط العربي في كتابة الآيات القرآنية.

لكن الحاج صالح يشعر بالحزن الشديد منذ سنوات بعد أن دخلت على هوايته الماكينات المختلفة، فما كان يقوم به قديمًا في 6 شهور أصبح الآن يتم في 15 يومًا فقط، لكن بجودة أقل للغاية، وهنا يحذر الحاج صالح من أن فن التقصيب في حالة انقراض، لذلك قام بتعليم ابنه الكبير عبدالناصر، وهو الوحيد من أفراد العائلة الذى تعلم مهنة آبائه وأجداده.

ويتمنى الحاج صبحي أن تعود هذه المهنة من جديد على أيدي بعض الهواة الذين يحبون هذا العمل؛ كما تمنى أن يقوم بعمل كسوة الكعبة مرة أخرى ليعيد أمجاد أجداده ويشاهده أحفاده من جديد، مثلما حدث معه حتى لا تنقرض تلك الهواية.