انطلق العشرات من النجوم ذوي الأصول الأفريقية من الولايات المتحدة خلال القرن الفائت؛ فكانت شهرتهم بين أسطورتين أولهما «لويس أرمسترونغ» عازف الجاز الشهير وآخرهما وليس أخيرهم «مايكل جاكسون» وبينهما جيل من النجوم السمر الذين أبدعوا مختلف أنواع الفنون، بينما كان نصيب أشقائهم الأفارقة في القارة السمراء أقل حظاً، فلم ينالوا تلك الشهرة إلا ما ندر، ومن بين هؤلاء الندرة الفنان ذو الأصول المالية حبيب كوتي الذي التقاه «الحواس الخمس» أثناء حفله الذي أحياه أخيرا في هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث.

عن بداياته يقول كوتي: «لقد نشأت كما يعرف الجميع في مالي وهي دولة تجمع وتحاذي العديد من الثقافات المتنوعة، بدءاً من العرب في بلاد المغرب العربي مروراً بالبربر والطوارق في ترحالهم الدائم وانتهاءً بالفيسفساء الأفريقية العريقة، لأن مالي ملتقى لثقافات متعددة وليست محصورة بثقافة واحدة، فتسربت إلى أذني وروحي منذ الصغر تلك الألحان المختلفة فعشتقها جميعاً، وما زلتُ أذكر إلى اليوم بعض الألحان العربية التي كانت تبث من الإذاعة، وشغفت منذ الطفولة بصوت الجيتار الذي تمرنت عليه على يد أبرز الأساتذة ولم أكمل بعد سن المراهقة».

زيارة كوتي هي الأولى للإمارات ومنطقة الشرق الأوسط، وكان يخشى - كما يقول- ألا يستسيغ الجمهور في هذه المنطقة المقطوعات التي يقدمها ولكنه وجد تجاوباً كبيراً، حول انطباعه عن الإمارات التي يزورها للمرة الاولى يقول كوتي: «لقد أذهلني هذا الملتقى البشري في الإمارات من حيث تعدد الأجناس والثقافات، وأبوظبي بالفعل عاصمة للثقافة العالمية مع احتضانها لهذا الحشد البشري المتنوع، وأصابتني الحيرة بما أقدمه من مقطوعات وأغانٍ؛ فالناس في مالي وأفريقيا يعرفونني أما هنا فقليل من يعرفني، فقدمت من قديمي والبعض من الأغاني الجديدة من ألبوم «أفريقي» ووجدت تجاوباً كبيراً من الجمهور».

هناك نظرية تقول بأن الموسيقى الأفريقية ذات السلم الخماسي - الخالي من الربع تون- والمعتمد على مقامي المينور والميجور تأخذ طابعاً جامداً لا يمكن الإبداع فيه إلى الحد الطربي الذي يتوفر للموسيقى الشرقية؛ يرفض حبيب كوتي هذه المقولة بقوله: «إن المقامات بحد ذاتها تعبير عن ثقافة المكان، ولدينا في مالي العديد من المقامات المختلفة بحكم التنوع الثقافي هناك، إلا أن بعضها يطغى على البعض الآخر، والموسيقى الأفريقية بسلمها الخماسي استطاعت الوصول إلى العالمي وولد منها العشرات من الأنواع الموسيقية الشهيرة كالجاز والبلوز والراب والهيب هوب وحتى الروك في مبادئه الأولى».

يعتمد كوتي على الموسيقى الأفريقية النقية مستخدماً مع فرقته آلات قديمة الطراز رافضاً إدخال الجيتار الإلكتروني وكل آلة تدخل فيها الإلكترونيات إلى أعماله الفنية، ومن الآلات التي يستخدمها - برا- تامبا- هارمونيكا- دو درم- وينظر لبعض الفنانين من الأصول الأفريقية الذين يعيشون في أميركا بنظرة ريبة، حيث يقول: حين تزور أميركا وتختلط ببعض المدعين من الفنانين ذوي الأصول الأفريقية، تجد أن بعضهم تحولوا إلى مسوخ فلا هم بأفارقة ولا غربيين في فنهم الذي يقدمونه، متناسين الجذور الحقيقية للفن الأفريقي محاولين التزلف للعالم الآخر بدمج الموسيقى الأفريقية النقية بأخرى لا هوية لها بحجة التحديث».

استطاع كوتي أن يخترق حاجز التوزيع للفنانين الأفارقة بالأرقام والشهرة، فتخطت مبيعات ألبومه الأول 250 ألف نسخة وهو رقم كبير بالنسبة لنظرائه الأفارقة، يقول عن ذلك: لقد اجتهدت وحالفني الحظ، فالتحقت بالمعهد القومي للفنون ودعمتني شركة أوروبية بفرنسا بعد حصولي على جائزة «أدمي» للفنون التي يمنحها راديو فرنسا الدولي عام 1993 فحصلت على منحة لدراسة الموسيقى على أصولها، فكانت سهولة التنقل في أوروبا وإحياء الحفلات والتسجيل أحد عوامل نجاحي».

فردوس

دخل كوتي مدرسة الموسيقى في فرنسا وكانت بالنسبة له -كما يقول- بمثابة الفردوس الذي يبحث عنه ويخفي كوتي عمره بينما يتحرك على المسرح كابن عشرين سنة.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري