تزخر مدينة شتوتغارت بتاريخ عريق ومساحات خضراء تُتحف أنظار الزائرين، موطن الفيلسوف الشهير هيغل وكبار المخترعين مثل دايملر ومايباخ اللذين خلدا المدينة بجعلها عاصمة أشهر السيارات الفاخرة في العالم مثل المرسيدس وبورشه.
تقع مدينة شتوتغارت في جنوب غرب ألمانيا، عاصمة ولاية بادن- فوتمبورغ، احدى أغنى الولايات الألمانية وأكثرها ذخرا بالصناعات العالمية المشهورة، واستقطبت شتوتغارت عبر التاريخ شخصيات أغنت ثقافة وحياة شعوب العالم.
فمن الفيلسوف الشهير هيغل إلى روبرت بوش مؤسس شركة بوش للصناعات الكهربائية، وغوتليب ديملر وفيلهيلم مايباخ، مخترع أول محرك ذي تقنية احتراق داخلي عبر شمعات الاحتراق، وصولا إلى الأديب الشهير هيرمن لينت.
وعلى الرغم من القصف الجوي المكثف والدمار الذي لحق بالمدينة أثناء الحرب العالمية الثانية تظل المدينة معلمة معمارية فذة تستحق الزيارة، فهي تجمع بين جمال الطبيعة والإبداع البنائي العصري والعراقة المتأصلة في سكانها، الأمرالذي يُضفي عليها رونقا خاصا. وقد افتتن الأدباء بجمال الطبيعة الخضراء في هذه المدينة مما جعل أحد الكتاب، أولريش فون هوتن، سنة 1519 يطلق عليها وصف (جنة الأرض).
وتحتفل مدينة شتودغارت بمرور 125 عاماً على إنتاج أول سيارة، وتعتبر هذه المدينة من أهم المدن في صناعة السيارات، حيث إنها المقر الرئيسي لمصنعين ومتحفين لأهم علامتين تجاريتين، وهما مرسيدس وبورش، وتحمل هذه الأخيرة اسم عائلة مؤسسها، وهو المهندس فرديناند بورش، الذي ولد عام 1876، والذي ظهرت عبقريته باكراً.
ففي العام 1900 طور سيارة كهربائية لشركة (لوهنر) الفرنسية، ثم أصبح في العام 1928 كبير مهندسي شركة مرسيدس، وطور لها من بين الكثير من إنجازاته هناك سيارتي إس إس وإس إس كاي الأسطوريتين.
وفي العام 1931 قرر فرديناند أن يعمل لنفسه فافتتح مكتب بورش للهندسة في مدينة شتوتجارت، وأنطلق منه في بيع الخدمات التقنية، وفي العام 1933 أوكلت إليه شركة إن إس يو تطوير سيارتها 32 التي حفلت بتقنيات عالية، وفي العام 1936 بدأ بورش بتطوير سيارة الشعب أو فولكسفاغن.
ولكن إنتاج السيارة لم ينطلق بسبب الحرب العالمية الثانية التي أظهرت المزيد من مهارة وعبقرية فرديناند بورش، فقد أسهم في تطوير الكثير من المعدات الحربية للجيش الألماني.
ولكن بنهاية الحرب سُجن بورش لمساهمته هذه، ولم يخرج إلا في العام 1947 وهو العام الذي بدأ فيه إنتاج سيارة فولكسفاغن بيتل، وفي العام نفسه أيضاً قام فرديناند وابنه فرديناند بورش الابن بتطوير سيارة رياضية لصالح شركة (سيسيطاليا) الإيطالية، وهي معروضة اليوم في أحد المعارض الأوروبية لتأثيرها الكبير على صناعة السيارات الرياضية بعد الحرب.
وفي العام 1948 ظهرت أول سيارة حملت اسم بورش، وهي 356 الرودستر، أنتجت على قاعدة معدلة من فولكسفاغن، وهذا ما دفع بالشركة إلى الانتقال إلى مدينة زوفنهاوزن، وتأسيس نفسها كصانع مستقل للسيارات، وفي العام 1951 شاركت بورش في سباق لومان، وهي اليوم تحمل أكبر عدد من الانتصارات في هذا السباق، كما شهد العام 1951 وفاة فرديناند الأب.
شراكة رجلين
ولدت شركة مرسيدس نتيجة اندماج شركتي سيارات ألمانيتين في العام 1926 اجتمعت أهم شركتي سيارات في العالم لتشكيل ما يمكن اعتباره أعظم شركة سيارات موجودة اليوم. والشركة هي نتيجة شراكة رجلين هما جوتليب دايملر ففي العام 1886 صنع بنز دراجة نارية بثلاث عجلات.
في حين صنع دايملر سيارة بأربع عجلات من تصميم وهندسة كبير مهندسيه وصديقه ويلهم مايباخ مؤسس شركة ما يباخ للسيارات وتوالت الطرازات من الجانبين، فقدم كارل بنز سيارته فيكتوريا في العام 1893 ومن ثم شاحنة نقل في العام 1895 وفي العام 1890 توفي جوتليب دايملر تاركاً الشركة بعهدة ويلهم مايباخ.
وفي 1890 صنعت دايملر سيارة لرجل الأعمال إميل جلنك الذي أطلق اسم ابنته مرسيدس عليها كما شهد مشاركة الشركتين في السباقات التي حققتا فيها انتصارات عديدة، بنهاية الحرب عاودت الشركتان إنتاج السيارات ولكن الاقتصاد المتردي دفع بكارل بنز إلى البحث عن شركة أخرى للاندماج معها والتعاون وقد حدد مجلس الإدارة أن الشركة الوحيدة التي تستحق التعاون معها هي شركة دايملر.
وفاجأت مرسيدس أوساط صناعة السيارات عندما قدمت صغيرتها الفئة إيه في العام 1997 وذلك لأن هذه السيارة لم تتوافق مع صورة مرسيدس وسمعتها كشركة مرموقة تصنع سيارات أنيقة مرتفعة المستوى والسعر، حتى إن فكرة توجيه الفئة إيه إلى العائلات الصغيرة لم تكن مقنعاً لأنه بإمكان هذه العائلات شراء طراز ستيشن واجن من الفئة سي أو الفئة إي.
عاصمة الرياضة
وتُعد مدينة شتوتغارت مركزا رياضيا مهما على الصعيد الألماني، واستضافت المدينة الكثير من التظاهرات الرياضية العالمية في أحدث وأفخر الملاعب في العالم منها الملعب الأولمبي غوتليب دايملر، وصالة هانز مارتين شلاير.
وشهدت المدينة تنظيم بطولة أوروبا في ألعاب القوى عام 1986 وبطولة أوروبا للسيدات بكرة اليد عام 1989 وبطولة العالم في الدراجات عام 1991 وبطولة العالم في ألعاب القوى عام 1993 وسباق ألمانيا للدراجات عام 2000.
ويعرف عن أهل مدينة شتوتغارات جدهم واجتهادهم وإخلاصهم للعمل، وتتسم طبيعة السكان الأصليين بالمحافظة والتقيد بتقاليد قديمة لا يمكن أن تجد لها مكانا في مدن مثل برلين أو هامبورغ، الا أن كثرة عدد العمال الأجانب الذين وفدوا إليها في الستينيات والسبعينيات للعمل في مصانع المدينة الضخمة جلب نوعا من التنوع الى المدينة العريقة وثقافتها.
طبيعة فاتنة
ولعل ما يُلفت أنظار الزائرين جمال الحدائق الواسعة ومحميات تتضمن نباتات فريدة، وتشكل كلا من (حديقة القصر) و(حديقة الورود)، المحيطة بهما ملجأ لسكان المدينة بقصد الراحة والاستجمام.
وتضفي الغابات المحيطة بالمدينة ومزارع كروم العنب الخضراء مزيدا من الجمال عليها، وإذا ما أراد الزائر التعرف إلى تاريخ المدينة، فعليه التوجه إلى مركزها، حيث تحكي معالم المدينة الحضارية والمعمارية تاريخها وتُفشي أمجاد القرون الوسطى.
وفي قلب المدينة قرب ساحة شيلر يُوجد أحد أبرز القصور في الولاية، ويطلق عليه اسم (القصر الجديد).
وقد كان هذا القصر مقرا لملوك الولاية في العصور الوسطى، واليوم يستخدم مقرا لعدد من الوزارات وإدارات الحكومة المحلية، وهناك ساحة ضخمة أمام القصر يتجمع فيها أهل المدينة في أوقات الاحتفالات والمهرجانات وهذا المكان هو ربما الأجمل في مدينة شتوتغارت على الاطلاق.
