يظل الخط العربي واحدا من أصعب الفنون على مدار الحقب التاريخية، فعلى حسب وصف بعض الفنانين التشكيليين، هو (فن عميق كالغوص في البحر)، ومن هذا العمق جاءت جمالية هذا الخط الذي شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً في الاهتمام به أمام سيطرة الحاسوب على فن الكتابة، وهو ماألاجعل النداءات تتعالى لمزيد من الاهتمام به والتدريب عليه باعتباره أحد المشكّلات الأساسية للهوية الحقيقية للأمة العربية والمحافظة عليها.
الناظر إلى الخط العربي نظرة تمعن، يجده يعتمد على قواعد خاصة تنطلق من التناسب بين الخط والنقطة والدائرة، وتُستخدم في أدائه فنياً العناصر نفسها التي تعتمدها الفنون التشكيلية الأخرى، كالخط والكتلة، ليس بمعناها المتحرك ماديا فحسب، بل بمعناها الجمالي الذي ينتج حركة ذاتية تجعل الخط يتهادى في رونق جمالي مستقلاً عن مضامينه ومرتبطا معها في آن واحد، مقترناً بفن الزخرفة لتزيين المساجد والقصور وتحلية المخطوطات والكتب، خاصة لنسخ القرآن الكريم.
نظرية جمالية... أما المتأمل للحقب التاريخية التي مر بها الخط العربي، يجده قد مر بأدوار ومراحل ازدهار وإبداع عاشها بفضل رجال أفنوا العمر في تطويره حتى صار نظرية جمالية.. ومن هؤلاء الرجال ثمانية أئمة، يعدوا أعلاماً من عباقرة الخط ، أولهم ـ دون ترتيب للفترات الزمنية التي عاشوها، الشيخ «جمال الدين ياقوت المستعصي الطواش البغدادي»، الذي سمي بالمستعصي نسبة إلى المستعصم بالله ـ آخر الخلفاء الراشدين، فقد أسس هذا الرجل مدرسة للخط ، فسار على نهجها الخطاطون الأقدمون والمحدثون، وتذكر مصادر تاريخ الخط العربي أنه هو الذي أعاد للخط بهجته وروعته، فطور وأبدع، ونال شرف كتابة القرآن الكريم بأنامله السحرية أكثر من أي خطاط آخر، ولا تزال مدرسته باقية حتى اليوم.
ثاني مدارس الخط العربي أسسها الشيخ «حمد الله الأماسي»، إمام الخطاطين في عصره وشيخهم بلا منازع في زمانه وزمان غيره، فإليه انتهت رئاسة الخط بعد انتقالها إلى تركيا بعد بغداد. ثم يأتي الشيخ «أبوعلي محمد بن علي بن الحسن بن عبدالله بن مقله» الشهير ب«ابن مقله» عرف عنه أنه كان وزيرا وأديبا وشاعرا وخطاطا ماهرا وبليغا حاذقا، وجاء في «صبح الأعشى» أنه كان له شرف السبق في هندسة الحروف العربية، وقد قدر الحروف بمقاييس، وجعل لها معايير محددة بالنقط وضبطها وأحكم صنعتها واتخذ من الألف مقياسا لحروف لغة الضاد الأخرى. ومن أئمة الخط أيضا «الحافظ عثمان» الذي ولد في تركيا عام 1052م، حفظ القرآن الكريم وهو في المهد صبيا لذلك سمي «الحافظ» قام بتجويد النسخ والثلث، وقيل إنه كتب خمسة وعشرين مصحفا، وأثناء كتابته آيات قرآنية وعندما وصل إلى الآية {أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون} أدركته صلاة العشاء فوافاه الأجل المحتوم وهو ساجد في إحدى سجداته وكان ذلك عام 1110 هجرية.
أما خامس شيوخ الخط، فهو «مصطفى الأرقم»، وكان رساما بارعا قبل أن يكون خطاطا لامعًا، درس الخط على يد أخيه الأكبر الفنان إسماعيل الزهوي؛ ثم على يد الخطاط درويش علي، وأصبح من مشاهير الخطاطين الأتراك، ومازالت آثاره الخطية منتشرة في مساجد اسطنبول تراها العيون فترتاح من سحرها.
ويأتي أبو الحسن علي بن هلال البغدادي، الذي لقب ب(ابن البواب)؛ لأن أباه كان بوابًا بدار القضاء في بغداد، لكن كيف أصبح ابن البواب خطاطا؟.. فقد ذكرت مصادر الخط العربي أنه أبدع الخط المعروف ب«الريحاني» وخط «المحقق»، ونسخ القرآن الكريم بيده 64 نسخة منها نسخة بالخط الريحاني.
والى أحد أشهر الخطاطين العراقيين حيث «هاشم محمد البغدادي» الذي برع في خط الثلث والزخارف الإسلامية شملت خطوط الكتب والصحف ومازالت كراسته «قواعد الخط العربي» متوافرة في أكثر البلدان العربية.. أخيرا تشير مصادر الخط العربي إلى «حامد الأمدي» - تركي - واسمه الحقيقي «موسى عزمي» كان والده قصابا وجده لأبيه «خطاطا» يدعى آدم الآدمي من أعماله الخطية كتابة القرآن الكريم مرتين وطبعت نسختاه في تركيا وألمانيا.
عمدة الخطوط
وتذكر مصادر الخط العربي أن لكل من هؤلاء الشيوخ مدرسته وقواعده الخاصة به، لكن تختلف صورة الحروف من خط إلى آخر، حيث يعتمد الخطاط في صياغته على مقدرته الفنية وتكتيكه الخاص..
ويأتي الخط «الكوفي» في المرتبة الأولى من بين الخطوط العربية، برزت آثاره الفنية منذ فجر التاريخ الإسلامي، وتتميز حروفه بقابليتها للزخرفة، وهو أول خط دوّن به القرآن الكريم، فاعتقد به المسلمون، وقالوا إنه الخط الذي تفرد به الخالق عندما أوحى بكتابته للآيات الكريمة المنزلة على رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم.
كتابة البسملة
تذكر مصادر الخط العربي أن كثيرا من الخطاطين كانوا يتبارون في كتابة «البسملة» بالعديد من الخطوط سواء داخل حشوات سطرية أم داخل أشكال، ومن أروع البسملات التي كتبت ما خطته أنامل الفنان المصري الخطاط محمد حسني الذي ولد عام 1894 وتوفي عام 1969م، في العديد من الأشكال والتنغيمات التي امتازت بالتعبير الجيد والوضوح والدقة وترابط الفكر وحسن الأداء.
وقد ذكر أن أول من افتتح كتابه بالبسملة هو النبي سليمان عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وكانت العرب تقول في افتتاح كتبها وكلامها «باسمك اللهم»، حتى نزلت الآية في سورة هود (بسم الله مجريها ومرساها) فكتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى نزلت (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن).
ثم نزلت بعدها (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)، فصارت سنة إلى قيام الساعة؛ لذلك أخذ الفنانون المسلمون يبدعون بخطوط تمثل صورا وأشكالاً، ورؤية كل فنان منهم في حروف البسملة، فرأيناها في أشكال المآذن والقباب والدائرية والبيضاوية والمربع والمستطيل وفي أشكال القناديل.
ولم يقتصر الخطاط العربي على شكل محدود من الخطوط العربية، بل استطاع أن يطوع البسملة لكثير من الخطوط في أشكالها المتعددة رائعة الجمال، خصوصا الثلث والكوفي والديواني، لما تتميز به هذه الخطوط من مرونة تعين الخطاط على الإجادة والإتقان.
خطوط وفنون
«خط النسخ» سمي بذلك؛ لأن الكَّتاب ينسخون به المصاحف والمؤلفات، كونه خطاً جميلاً رائق الحروف. أما خط «الثلث» فهو من الخطوط الكلاسيكية صعبة التكوين والإنجاز، يحتاج فيه الفنان إلى الصبر والمثابرة لإتقانه، ولا يعتبر الخطاط خطاطا إلا إذا أتقنه، وذلك لصعوبة قواعده حتى إنه سمي ب«عمدة الخطوط»، ولهذا الخط ميزان لتقدير حروفه بالنقط مثل خط النسخ..
بينما يتميز خط «الرقعة» بقصر حروفه، جاءت به المدرسة التركية التي اعتنت بالخط العربي وجودته، وقد ابتكر لغرض الكتابة في الدوائر الرسمية واللافتات الكبيرة.
وكذا الحال في «الخط الفارسي»؛ وهو من الخطوط الكلاسيكية؛ وخط «الديواني» جاء به العثمانيون بغرض كتابة البراءات والرتب الرفيعة وتقليد الأوسمة، وكل ما يصدر من أوامر سلطانية.



