حكاية المرأة مع الفن لا تتعلق فقط بكونها الكائن الأجمل في الوجود، الذي يتهافت على رسمه الفنانون.
وينحت مضمونه الجسدي النحاتون؛ فهي تتصل بالفن وتتذوقه أكثر من الرجال، وفي العاصمة الإماراتية أبوظبي حالة يمكن أن تكون ظاهرة تتعلق بوجود 4 قاعات خاصة للفنون تدير 3 منها نساء، بينما ترعى القاعة الرابعة امرأة كذلك، (الحواس الخمس) رصدت هذه الظاهرة لتتعرف إلى حكاية نساء أبحرن في بحر الفن: بدأت التشكيلية اللبنانية، سلوى زيدان، إبحارها في عالم قاعات الفنون الخاصة عام 1994م؛ لتفتح أول جاليري خاص للفنون في أبوظبي، وتقول عن تلك الفترة: بما أنني فنانة لا تحب القيود وبيروقراطية المؤسسات الرسمية التي تمتلك قاعات لعرض الفن التشكيلي، وكي أمنح الفنانين الآخرين ونفسي متنفساً حراً لعرض إبداعاتهم، فقد افتتحت ذلك الجاليري ليكون أول قاعة خاصة للفنون في أبوظبي، ولم يستمر عمل الجاليري سوى عام واحد بسبب التكاليف الباهظة. وعدم وعي الجمهور في تلك الآونة لأهمية الفن التشكيلي، وانطلقتُ بعدها لتأجير قاعات في الفنادق لعرض الأعمال الفنية من بينها المعرض الذي أقمته لحوالي 17 فناناً لبنانياً عام 1989م كرسالة سلام في ظل الحرب التي خربت بلاد الأرز.
في العام 2007م يشتغل (أدرنالين) الفن في روح سلوى زيدان فتؤسس مشروعها الثاني في العاصمة أبوظبي، وهو قاعة للفنون حملت اسمها، وما شجعها على ذلك هي الحركة الثقافية والفنية الحديثة التي انطلقت في السنوات الأخيرة. وتقول زيدان: لقد آمنتُ بدعم المواهب الفنية المحلية والعربية من خلال تقديم أعمالها في قاعة الفنون، وعلى الرغم من عدم وجود دعم مادي؛ فأنني سأستمر في هذا الدرب مؤمنة بأنني سأحصد يوماً ثمار هذا الجهد الشخصي، ولم أفكر يوماً بالجانب الربحي للقاعة، فلقد فصلت الفن عن العمل والتجارة. وتعتقد زيدان أن ظاهرة إدارة النساء لقاعات الفنون الخاصة يتركز بصورة خاصة في العالم العربي، وهذا يدل على نجاح المرأة العربية في هذا المضمار، وتوفر مزايا لديها أكثر من بنات جنسها حول العالم من نواحي الصبر والاهتمام الحقيقي بالفن وذكائها ورقتها في أمور الإدارة والدبلوماسية.
بعيداً عن الحالة الربحية للأعمال التي تقوم بها سيدات الأعمال في المشاريع التي يطلقنها؛ تنطلق لميس البازركان، مؤسسة وصاحبة قاعة (قباب) للفنون من رؤية فنية بحتة، فلقد درست الفن، وامتلكت ناصية ثقافة تشكيلية عميقة، ومنذ تأسيس القاعة عام 2006م أقيم فيها 45 معرضاً تشكيلياً ناجحاً جمع نخبة الفنانين العرب والأجانب، تقول البازركان: من بين أهم الأهداف التي تأسست عليها قاعة قباب؛ هو مساعدة الفنانين الشباب والأخذ بيدهم. وأعتقد أن وجود دعم مؤسساتي سيسهم في ديمومة عمل القاعات الفنية، ومن ناحية عمل المرأة العربية في هذا المجال؛ فأنا أرى أن اهتمامات هذه المرأة بالفن والذائقة والجمال أكبر من ذات التوجهات في أنحاء أخرى من العالم، وعلى حسب علمي؛ فإن مدينة كعمان عاصمة الأردن تحوي 10 نساء يعملن في المجال.
ويلاقين نجاحاً كبيراً، ونحن هنا نعد على الأصابع، وتوجد إمكانات كبيرة للدعم، ولكننا نسمع طحن الرحى، ولا نرى من دقيق، وأقولها صراحة إننا في كل مرة نعرض فيها لفنان نقول إنها المرة الأخيرة لأننا أصبنا بالإحباط والملل من حوار الطرشان مع الجهات المعنية.
من جهتها ترى التشكيلية العراقية زهراء الهيتي، صاحبة ومؤسسة (العرجون) للفنون أن مردود القاعات الفنية الخاصة لا يوازي الجهد المبذول فيها، وأن الجهات الفنية والثقافية المختصة لم تقدم يوماً أي شكل من أشكال الدعم لهذه القاعات على الرغم من أن مسؤولية هذه الجهات تقتضي تنشيط ودعم الحركة الفنية في العاصمة كجزء من خطتها المعلنة، أما حكايتها مع الفن و(العرجون) فتعود إلى عدة سنوات ماضية، حين درست الآداب الفرنسية برفقة والدها الذي كان طبيباً في النمسا.
حيث فنون عصر النهضة تدهشها، وخصوصاً اللوفر، وتنطلق بها إلى عوالم أخرى، فدرست الفن وافتتحت قاعة صغيرة ببغداد أسمتها (دجلة) لم يكتب لها النجاح بسبب ظروف العراق في التسعينات، لتفتح بعد ذلك قاعة (العرجون) عام 2008م في أبوظبي، وتكون منطلقاً جديداً لها، ويرتبط الاسم، كما هو معروف اصطلاحياً، بالقمر والنخلة، وأقام (العرجون) أكثر من 10 معارض شخصية وجماعية لفنانين عرب وأجانب.
وتعبّر الهيتي عن خيبة أملها بالدعم المؤسساتي العام والخاص لحركة القاعات الفنية في أبو ظبي بقولها: حين تنظر للرعاية الكبيرة التي تحظى بها القاعات الفنية في أوروبا وأميركا ودول شرق آسيا من قبل المؤسسات الحكومية والخاصة، تصاب بالصدمة تجاه ما يجري للقاعات الخاصة في أبوظبي.
على الرغم من أن هناك الكثير من المؤسسات الفنية والثقافية التي تنفق ملايين الدولارات تحت مظلة الفعاليات الفنية والثقافية، أما بالنسبة لنظرتي للقاعات الفنية الأخرى؛ فهي نظرة زمالة وصداقة، لأننا وإن اختلفنا في التوجهات، إلا أننا ننطلق من منظور واحد هو حبنا للفن وتشجيع الحركة الفنية.
ومسكها ختام مع إحدى أبرز راعيات الفن والثقافة في أبوظبي هدى كانو، مؤسسة مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون؛ حيث انطلقت مبحرة دون توقف في بحر الفن منذ العام 1996م حين أسست أول مجموعة خاصة تعنى بالفن والثقافة؛ فنظمت معارض لعشرات الفنانين وأقامت مهرجانات للموسيقى الكلاسيكية، ودعمت عشرات من المشاريع الفنية الشابة في أبوظبي؛ فكان أول حصادها عام 1996م الجائزة التقديرية التي منحتها إياها الملكة صوفيا ملكة إسبانيا.
وهي ترى أن الفن والثقافة قيمة جمالية لا يحصر بأسباب ربحية أو تجارية، وعلى الرغم من عدم إدارتها لها؛ فأن هدى كانو بحضور دائم ورعاية مستمرة لقاعة (الغاف) للفنون التي أسسها زوجها محمد كانو والتشكيلي الإماراتي جلال لقمان.
أبوظبي - محمد الأنصاري



