لم تكن مفاجأة أن ينتزع فيلم «عاليا في السماء ـ Up in the Air » جائزة الغولدن غلوب لأفضل سيناريو والتي أعلنت نتائجها منذ أيام، ورغم أن المنافسة كانت شرسة مع أعمال أخرى اتسمت بالقوة والحرفية العالية، لكن تناغم العناصر في طريقة كتابة سيناريو هذا الفيلم جعلها تتضافر وتنساب كمقطوعة موسيقية عذبة تمس شغاف القلب.
لو أن سينما المؤلف بحثت عن تجسيد لمعناها، لوجدته في عاليا في السماء الذي كتبه وأخرجه جايسون ريتمان، صاحب الأسلوب المتميز في الكتابة، المتمكن في الإخراج، في ثالث تجربة سينمائية له بعد فيلمي شكرا على التدخين وجونو، والتي اثبت من خلالها أن أعماله ليست محض صدفة ولكنها تنبئ بمخرج قادم على الطريق ليصبح واحدا من أفضل مخرجي السينما الأميركية، حيث يتمتع بروح المخرجين المستقلين من بساطة الأفلام وعمقها، فهو أستاذ في فن الضحك النابع من المشاكل الاجتماعية أو كما تسمى الكوميديا السوداء.
شارك شلدون تيرنر في كتابة سيناريو هذا الفيلم الذي تم اقتباسه من رواية لوالتر كيرن، ويتمحور الخط الرئيسي لفكرة العمل حول الأزمة المالية العالمية والتي هددت اقتصاد غالبية الشركات في العالم وخصوصا أميركا ودفعتها إلى تقليص حجمها وطرد العمال غير المرغوب فيهم، وتعكس الأحداث شهادات حية من أشخاص صُرفوا حقاً من أعمالهم وردود أفعالهم باعتبارهم ضحايا لهذا الركود، وتظهر في الفيلم أكثر من 20 لقطة لمقابلات مع 60 شخصاً طُردوا من عملهم وهم يتحدثون بطريقة عفوية ومحزنة ومؤثرة عما شعروا به بسبب طردهم.
في المشاهد الأولى للفيلم، يتسلل هذا الانزعاج إلى وجداننا مع شخصية ريان بينغهام ـ جورج كلوني الذي يجيد فن التملّق ويعمل في مهنة غريبة فهو يستأجر من قبل مديري الشركات كي يطرد الناس من عملهم عندما تريد هذه الشركات تخفيض حجم العمالة لديها، ولطبيعة تلك المهنة فهو لا يستقر في مكان و لكنه يجوب أميركا ويسافر كثيرا لكي يطرد الناس، ولكنه يملك فلسفه في ذلك فهو يطردهم لكي يعيشوا بعد أن كانوا محبوسين بين جدران وظيفة لا تستفز مهاراتهم ومواهبهم الحقيقة، ولكونه في حالة سفر دائم أصبح من أشهر المسافرين على خطوط الطيران الأميركية ولذلك فهو مهتم بتكديس الأميال الذي يجتازها في أسفاره، غير مرتبط يعيش وحيداً وغير محاط بالأقارب والأهل والزملاء وليس لديه اهتمامات بشخص أو مكان أو شيء، وبجانب عمله فهو يعطي محاضرات للناس لنشر فلسفته في كيفية أن حياة الوحدة دون ارتباط هي أسهل طريقة وأفضلها، خصوصا في ظل الأزمات التي تدفع إلي التخلي عن ضروريات أو أشخاص حسب أهميتهم وتأثيرهم في هذه الحياة.
فلسفة بينغهام
وتأتي الحبكة التي تتناول تحدّيين أساسيين يهددان نمط حياة بينغهام المريح، من خلال زميلة طموحة ناتالي كيينز تؤدي دورها آنا كندريك، خريجة جامعة حديثة وقد عينت في نفس الشركة التي يعمل بها واستحدثت طريقة جديدة لطرد الناس عن طريق الانترنت دون الحاجة للسفر أو صرف تلك المبالغ من رحلات طيران وحجوزات فنادق، فهي ترى أن طرد الناس هو في آخره طرد من العمل لا يحتاج للقاء الشخص الذي ستطرده.
وتصطدم مع فلسفة بينغهام فيقرر رئيسه إجباره على اصطحابها في رحلة من رحلاته لطرد بعض العاملين، وبدلا من أن تعمم تجربتها يعلمها هو كيفية أداء المهمة وأنها مهنة كأي مهنة أخرى لها هدف كما أن لها طريقة ولا يمكن أن تكون إلا عن طريق محادثة شخص لشخص وليس عن طريق الانترنت البارد والجاف والذي يتسبب في انتحار موظفة طردت من عملها.
أما التحدي الآخر، فهو تجربة حب متحررة مع الممثلة فيرا فارميغا، والتي تؤدي دور اليكس مسافرة أخرى يتعرف عليها بينغهام ويتورط معها في علاقة دون أي التزامات أو قيود و لكن علاقته بها تتطور ليطلب منها أن تكون رفيقته لحفل زفاف أخته، وكادت أن تغير بعض من تفكيره وفلسفته حول الحياة وحيدا لكنه يصدم في كونها متزوجة ولديها أولاد وتعيش حياة مستقرة.
ينتهي الفيلم كما بدأ في صالة مطار ينتظر بينغهام رحلته المقبلة لشركة أخرى ومكان آخر يترك فيه كماً من التعاسة لدى البعض، فخسارة العمل لا تعنى فقدان المرأة والرجل مكان عمله فحسب بل خسارته أيضا هدفه في الحياة.
فيلم عاليا في السماء ممتع ومن أجمل أعمال 2009، ورغم فقدانه العديد من ترشيحات الغولدن غلوب لأفضل فيلم درامي وأفضل ممثل وأفضل ممثلة في دور مساعد وأفضل إخراج، لكن من المتوقع أن ينال حظوظا كبيرة في ترشيحات الأوسكار خلال مارس القادم.
الفيلم: عاليا في السماء
إخراج: جايسون ريتمان
سيناريو: جايسون ريتمان وشلدون تيرنر
بطولة: جورج كلوني وفيرا فارميغا
التصوير: إريك ستيلبرغ
الملابس: داني غليكر
الموسيقى: رولف كنت
دبي ـ أسامة عسل



