طوال تاريخ أبو الفنون، ظلت هناك شعرة تشبه شعرة معاوية، تحدد مسار المسارح غير التجارية في مصر، وهي التي تربط بين ضوابط الميزانية التي تفرض واقعها على العمل، وفي الوقت نفسه مراعاة عوامل جذب الجمهور حتى لا يدير ظهره عن عروضها التي تتميز بخلوها من البهارات السمعية والبصرية التي تتفنن المسارح الخاصة في استقطاب المشاهد من خلالها..

ولا خلاف في أن «المسرح أبو الفنون» ـ كما أطلق عليه عبر العصور كونه يختصر كل العلوم والأنشطة الإنسانية ـ يتمتع في جميع أنحاء العالم بخصوصيته وقيمته الفنية التي تجعله محط أنظار الجمهور والنجوم، ولعل أكثر من أثروا تأثيرًا قويًا على الساحة الفنية كانوا مسرحيين من الدرجة الأولى وأشهرهم يوسف وهبي وزكي طليمات وجورج أبيض وماري منيب وبديع خيري، وغيرهم.. وكل هذه الأسماء برزت على المسارح العامة..لكن الزمن تغير، والأذواق تبدلت، ودخل المسرح الخاص كمنافس قوي استطاع أن يقتطع كثيرا من جمهور المسارح العامة، التي عانت أزمات عدة كما تعانى باقي المجالات الفنية.

وذلك لأسباب عديدة من ضمنها شق اقتصادي أو ثقافي أو فني، قادت إلى نتيجة واحدة تمثلت في هجرة النجوم الكبار وعزوف الجمهور، باستثناء المسرح الخاص الذي انحصر في أسماء محدودة كمسرح عادل إمام، سمير غانم، محمد صبحي، وفيصل ندا.وبالعودة إلى المسارح غير التجارية في مصر، نجد المعنيين من الأكاديميين والنقاد يؤكدون أن حال المسرح في 2009 يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه بحاجة إلى وقفة جادة، وكشف حساب دقيق، وإعادة هيكلة بعد أن هجرها النجوم والجمهور، وعلى الرغم من اعتراف النقاد بالمحاولات التي قام بها الرئيس السابق للبيت الفني للمسرح أشرف زكي لعودة المسرح إلى سابق عهده.حيث جاهد منذ توليه المنصب وبالتحديد منذ عام 2005 حتى أواخر العام الحالي 2009 من أجل حل الأزمة، إلا أنه لم يستطع؛ نظرًا لحجم الأزمات التي لاحقته ومازالت، ابتداء من قلة النصوص الجيدة، وغياب النجوم الكبار، وعزوف الجمهور.

الصعوبات نفسها

وأوضح النقاد أن الأزمات السابقة هي نفس الصعوبات التي تواجه الرئيس الحالي والجديد للبيت الفني للمسرح «توفيق عبدالحميد» منذ توليته المنصب قبل أقل من ثلاثة أشهر، والتي اصطدم بها عندما واجهته أزمة عدم وجود نصوص وعروض مسرحية قوية لتقديمها ضمن موسم عيد الأضحى الماضي..

ووفقا لخريطة الأعمال المسرحية التي تم تقديمها على مسارح القطاع العام المصري خلال العام 2009، نجد أنها كانت محدودة للغاية ومن أهمها: «الملك لير» التي قام ببطولتها الفنان يحيى الفخراني وسوسن بدر وهي من الأدب العالمي، أيضًا مسرحية «يا دنيا يا حرامي» من إنتاج المسرح الحديث على مسرح فاطمة رشدي بالمنيل، بطولة: ماجد المصري، مها أحمد، انتصار، وسعيد طرابيك، تأليف متولي حامد وإخراج هشام عطوة.

ثم مسرحية «السلطان الحائر» إنتاج المسرح الحديث بطولة محمد رياض، حنان مطاوع، مفيد عاشور، ومحمود عبدالغفار، وإخراج عاصم نجاتي.

وعلى مسرح الهناجر قدمت مسرحية «يوليوس قيصر» بطولة يحيى أحمد، عادل الكومي، رامي الكحلاوي وتأليف وليم شكسبير، وإعداد سيد الإمام، وإخراج سامح بسيوني، كما تم عرض مسرحية «سكتم بكتم» المأخوذة عن أعمال الشاعر صلاح شاهين، وإعداد وإخراج دعاء طعيمة، بطولة مجموعة من الشباب منهم محمد عادل، آية السعيد، ريهام الدسوقي.

أما مسرح عبدالمنعم مدبولي فاحتضن مسرحية «حلم بكرة» بطولة أنوشكا، أحمد سلامة، محمد فريد والتي قدمت على مسرح «متروبول»، ثم مسرحية «كوخ الطيبين»، بطولة شهيرة كمال، طارق كامل، ياسمين، حمادة عبدالحليم، تأليف وإخراج زين نصار. فيما شهد مسرح الدولة مسرحية «سيدة الفجر» بطولة محسنة توفيق، وإخراج عمرو قابيل، كما عرضت أعمال أخرى، لكنها عرضت وانتهت دون أي تجاوب من الجمهور أو الإعلام.

ما أفسده البيروقراطيون !

وفى تقييمه لما قدمته مسارح القطاع العام خلال عام 2009 وما تم إنجازه من عروض، قال الفنان أشرف زكي، الرئيس السابق للبيت الفني للمسرح: «لا أستطيع أن أنكر منذ أن توليت منصب الرئيس للبيت الفني للمسرح في 2005، أنني كنت أعلم حجم الصعوبات والعواقب التي ستواجهني، خاصة أن المسرح كان يعاني من أزمة حقيقية بدأت منذ سنوات، لكنني كنت في تحد مع نفسي وكنت غير راض عن أشياء كثيرة وقتها، لذلك كان أول شيء أريد إصلاحه هو ما أفسده البيروقراطيون وتصحيح أشياء عديدة كانت سببًا قويا وراء أزمة المسرح».

أضاف: «قمت بمراجعة وتصحيح كامل وشامل لمسرح الدولة، منها تجديد البنية الأساسية لعدد من المسارح مثل المسرح القومي ومسرح (فاطمة رشدي) العائم الكبير ومسرح السلام ومسرح الطليعة ومسرح العرائس ومتروبول وإعادة افتتاح مسرح ميامي، فؤاد المهندس سابقًا، وتجديد العديد من المسارح الأخرى، منها مسرح كوته بالإسكندرية، مسرح ليسيه الحرية بالإسكندرية أيضا، وغيرها.

وخلال فترة رئاستي للبيت الفني للمسرح التي استمرت 4 سنوات قدمت العديد من العروض المهمة والقوية كان على رأسها «الإسكافي ملكًا» بطولة ماجد الكدواني وإخراج «خالد جلال» وإنتاج المسرح القومي و«الأميرة والتنين» و«مسرح عرائس» و«رجل القلعة» بطولة توفيق عبدالحميد و«الملك لير» ليحيى الفخراني و«أهلا يا بكوات» بطولة حسين فهمي و«زكي في الوزارة»، بطولة حسين فهمي أيضًا، وغيرها من المسرحيات.

كما قمت بثورة إعلانية في شكل الأفيش الخاص بالعروض، وحاولت أن أقوم بمسيرة طويلة من الإصلاحات، وأيضًا لجذب الجمهور مرة أخرى للمسرح، وأعتقد أن كل ما سبق كان كفيلا بإعادة الجمهور مرة أخرى، خاصة أنه كانت هناك بالفعل أزمة في وجود نصوص جيدة، وكنت أسعى لتشجيع المواهب الشابة حتى يقدموا لنا جديدا».

وتابع: «في الوقت نفسه كنت بمثابة القاضي والجلاد لنفسي، فأقوم كل فترة بتقديم كشف حساب عما أنجزته وما أريد أن أنجزه، وقمت بوضع خطط لتنفيذها، وبالتالي أرى أن المسرح حاليًا أصبح قادرًا على استعادة مكانته مرة أخرى، بل أؤكد أنه في الوقت الراهن يعيش حالة صحوة، وأتمنى أن يوفق الفنان «توفيق عبدالحميد» الرئيس الحالي للبيت الفني للمسرح في استكمال المشوار.

لكن عندما سألناه عن أسباب عزوف الجمهور عن المسرح قال: لا أستطيع أن أنكر أن هناك أسبابا عديدة كان منها إصلاح البنية الأساسية بالمسارح، حتى تكون مؤهلة لاستقبال الجمهور، لكن السبب الأهم هو أن الجمهور أصبح واقعا تحت سطوة التليفزيون والفضائيات التي سيطرت عليه بشكل قوي، وعلى الرغم من ذلك أؤكد أن المسرح يعيش حالة صحوة، وما يعانيه من أزمات حالية أمر طبيعي، في ظل التراكمات السابقة.