هل جربت أن تنظر إلى المرآة فترى وجهاً غير الذي اعتدت رؤيته طوال حياتك؟ .. السؤال قد يبدو غريباً، لكنه ليس بقدر غرابة تلك اللمسات الساحرة التي تضيفها أنامله المدربة على التشكيل والتجديد والتغيير، حتى انه بعد جلسة صغيرة بين يديه قد لا تجد ملامحك هي هي.. هذا هو الماكيير المتميز محمد عشوب الذي كثيراً ما فاجأنا بانقلاب شامل في كثير من الوجوه الفنية الشهيرة، جَمَّل عشرات، وشوه مئات.

والجميع شهدوا ببراعته.. تعالوا نتعرف على أسرار هذا الماكيير، وأسرار مهنته.. فإلى التفاصيل.دعنا بداية نتحدث عن فن الماكياج وكيف بدأ.فن الماكياج بدأ في العالم كهواية من القائمين عليه منذ القدم لأغراض التزيين والتمثيل المسرحي، فقد كان الرومان يستعملون صبغات الشعر المختلفة ويضعون الألوان والمساحيق على الركب والأقدام، كما كان قدماء المصريين يستعملون الكحل لرسم خطوط سوداء حول العيون، أما عند الإغريق والرومان فقد كان للأقنعة شأن مهم في المسرح.وكانت تلك الأقنعة تشكل وتلون بالطريقة التي توحي للمشاهدين بطابع الشخصية المراد التعبير عنها في الدور الذي يقوم به الممثل..

وقد انتشرت هواية عمل الأقنعة في الاحتفالات وفي الطقوس الدينية عند كثير من الشعوب كالإفريقيين والصينيين واليابانيين والهنود وهنود أميركا. الزمن يتوقف هل تعاملت مع هذا الفن كهواية؟ منذ 40 عاماً وعلاقتي بفن الماكياج هي علاقة هاو، وما دفعني لهذا الفن هو عشقي للجمال والألوان، فكنت عاشقاً لأدوار السينما منذ صغري وكنت دائماً أرى الفنانين في مشاهد متعددة يلعب بها الماكياج دوراً كبيراً جداً، ففي حجرة الماكياج يتوقف الزمن ويتقدم ويتراجع العمر ويتحول الشعر الأبيض إلى أسود ويصبح الشعر الأسود كما حبات الثلج المتساقطة.ورغم أنني كنت هاوياً فإنني كنت دائم البحث عما يحدث داخل تلك الحجرة باستمرار، حتى جاءت معي المصادفة لتتحول حياتي الآن إلى أن أكون أشهر «ماكيير» في السينما المصرية.

وأتذكر في بداياتي أنني كنت أذهب إلى الاستديوهات لأشاهد صديق عمري يوسف طه الماكيير وهو يقوم بعمل الماكياج للفنانين فزاد عشقي لهذا الفن.وبعد انتهاء الدراسة عملت كمساعد ماكيير حتى تعرفت على أستاذي الذي تتلمذت على يديه سيد محمد، وخلال عملي كمساعد عملت في العديد من الأفلام، وكان أول فيلم لي مع الفنانة ميرفت أمين وهو «الصمت».

كيف تتعامل مع وجوه المشاهير والفنانين.. تشوّه وتجمل فيها كيفما تشاء؟

أتعامل مع وجوه الفنانين بريشة قد تكون سحرية؛ فالمشاهد يشعر بلمسة الجمال في وجه الفنان وهذه اللمسة تأتي بمعالجة الديفوهات في الوجه أو العينين، ما يعني ضرورة أن يكون الماكيير دارساً لفن التشريح؛ حيث يساعده ذلك على فهم بواطن الجمال في الوجه، فالتجميل ليس في الألوان فقط، وأتذكر هنا أن جيهان السادات عندما عادت من الخارج أثناء تصوير فيلم «أيام السادات» .

ووجدت أحمد زكي يجلس على مكتب زوجها الراحل بعد عمل الماكياج له في أحد المشاهد قالت بالنص الواحد «هو هو» وشهدت بالفعل بقوة الماكياج في الجمع بين الشخصيتين، وأيضاً اتصال سكينة السادات شقيقة الرئيس الراحل لتؤكد لي شكرها لأنني استطعت أن أجعلها تقضي ساعتين من الزمن مع أخيها.

الماكياج الخيالي

هل يتوقف عملك على هذا النوع من الماكياج فقط؟

هناك نوع آخر من الماكياج هو «الماكياج الخيالي» وهو أن أضيف بعض الأشياء الخيالية في الجسم والوجه مثل وجه حيوان معه وجه إنسان وذيل سمكة فهي أشكال من خيوط الخيال..

وهناك «ماكياج التشويه» لكنه يتطلب مهارة وخبرة؛ حيث يظهر الممثل أكبر سناً أو أصغر سناً، وفي كل الأنواع لابد أن يكون الماكيير على علم جيد بفن التشريح لمعرفة العضلات التي تترهل بفعل الزمن، فأعالجها غالباً باستخدام الألوان الداكنة من العضلات البارزة والألوان الفاتحة في التجاعيد والعكس في حالة إضافة سنوات لعمر الشخصية.

يشهد البعض لك ببراعتك في فن «الشخصية».

نعم، ولكنها مهمة شاقة أن ترسم شخصية مهمة لها وجود في عالمنا مثل شخصية السادات وهذا يتطلب مني ثقافة حتى أكون على دراية جيدة بجميع ملامح هذا الوجه، وبالفعل نجحت عندما قدمت أحمد زكي في دور «السادات» وشهدت لي بذلك جيهان السادات وبقية الأسرة.. وأتذكر أنني في بداياتي كنت بارعا في فن تشويه الوجوه عن طريق الماكياج.

وهو من أصعب أنواع الماكياج؛ لأنه يقوم بتحويل الشخصية وبعدها بدأت أهتم بأن أكون «ماكيير باروكة» بأن أتخصص أيضاً في تركيب الباروكة مع اختلاف الأدوات من ماسكات وعيون صناعية وأنياب وخامات تجميل.

ماذا عن الخطوات الأساسية لعمل ماكياج الشخصية ؟

أقوم بوضع اللون الأساسي، وبعدها نعالج الديفوهات ببعض الرتوش، ثم نضع البودرة للتثبيت ثم ننزل البودرة ونبدأ في رسم الحاجبين والعينين والشفتين.

فن الماكياج

ماذا عن طريقة عمل وتركيب الماسك ؟

نقوم أولاً بدهن وجه الممثل بمادة عازلة ثم نصب عليه جبساً من نوع خاص بطريقة فنية بحيث توضع له نافذة في الأنف وحول العينين ويترك حوالي ثلاث دقائق ويزال مكونا لي هذا الماسك صورة من وجه الممثل، ثم أقوم بالتشكيل في هذه الصورة بالرسم وباستخدام مواد عجينية لتوضيح العضلات أو الديفوهات التي نريد توضيحها، وبعد ذلك أقوم بتقسيم الوجه البلاستيكي إلى أربع قطع متساوية، جزء يمثل الجبهة وجزء يمثل تحت العينين ناحية اليمين وآخر ناحية اليسار والجزء الرابع يمثل الذقن وبداية الرقبة.

وهذا الماسك يكون في سمك ورق السيجارة، ويركب بمادة معينة تتلاءم مع الجلد الطبيعي حتى تظهر وكأنها جزء منه، وهذه المواد المستخدمة من اللصق أجريت عليها تجارب للجلد وحساسيته، فهي مواد لا تضر ويحدد لكل مادة معينة وقت زوالها؛ لأنها تعزل الهواء عن الجزء الذي تحتها وحتى لا يشعر الممثل بالضيق.

كيف تقوم بإزالة الماسك دون أي أضرار على وجه الممثل؟

تتم إزالته بمواد زيتية لا تلهب الجلد أو تجريحه وبعد إزالته نستخدم كريمات خاصة تابعة لها توضع على وجه الممثل علما بأنه يصنع من الماسك على الأقل 60 نسخة؛ لأن الماسك يستخدم مرة واحدة وذلك لأن الأحرف تتغير نتيجة للمواد اللاصقة، ولكن هناك مفارقة عجيبة، وهي أن الماكيير المصري يقوم بكل هذا، أما الماكيير العالمي فهو مؤد فقط؛ حيث يتم تصنيع الماسك من قبل مصانع.

حدثنا عن كيفية عمل الجروح التي تظهر للمشاهد وكأنها حقيقية.

يتم ذلك عن طريق مادة تسمى «كلوديوم» مخصصة لعمل الجروح الغائرة وهي ليس فيها فن؛ لأنها عبارة عن محلول وبواسطة فرشاة نضع المحلول على الوجه وبعد عدة دقائق نجد أن مكان المحلول على الوجه أصبح به حفرة غائرة تمثل الجرح الذي تريده.

كيف تقدم الشخصيات التاريخية التي لا يتوفر لها صور حقيقية؟

أقدمها من توقعاتي وحسب وجه الفنان وأحاول أن أصل بالشخصية من خلال ما كتب عليها، فهذا الماكياج التاريخي يعتمد على خيال الماكيير القارئ والشاطر والمثقف، وهذه من صفات الماكيير الجيد حتى يصل إلى مستوى عال من الثقافة والقراءة الجيدة، وفي عملي هذا قد تصل عدد ساعات العمل اليومي إلى 20 ساعة يومياً.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية