عالم من الإثارة والدهشة كنا نعيشه أيام الطفولة ونحن نراقب الحركات البهلوانية والأكروبات التي يؤديها لاعبو وفنانو السيرك، وما كان يثير دهشتنا وذهولنا بصورة أكبر هي تلك الحركات الخطرة التي كان يؤديها مروض الأسود والنمور والوحوش.

وهو يمسك بصولجانه وسوطه الذي كنا نظن أن فيه سحراً ما يتحكم بحركة هذه الوحوش المفترسة، وستكون العاصمة أبوظبي لأكثر من 20 يوماً على موعد مع أضخم عروض السيرك في أبريل المقبل، حيث تستضيف منطقة المارينا «السيرك المصري الأوروبي» الذي تديره مروضة الأسود والنمور المصرية الشهيرة فاتن الحلو التي التقاها «الحواس الخمس» للتعرف على عالمها المليء بالمخاطر والإثارة ، فإلى التفاصيل ..يعود تاريخ السيرك إلى العصور الفرعونية المصرية-ويظهر في تل العمارنة ووادي الملوك- كما كان له أشكال متعددة في الحضارات الصينية والهندية إلى أن أخذ طابعاً قاسياً في العصر الروماني حيث كان الجمهور يحتشد في المدرجات الرومانية لمشاهدة المعارك والمباريات الدامية بين الحيوانات المفترسة والعبيد الذين كانوا يؤسرون في معارك الجيوش الإمبراطورية.

وكانت تلك المباريات والمعارك تنتهي نهايات مأساوية دونتها المنحوتات والرسوم التي وصلت إلى هذا العصر، واستمر ذلك إلى أن ثار «سبارتاكوس» قبل ما يقرب من 2000 سنة وحطم تلك الصورة المرعبة التي كانت محط تسلية للشعب الروماني وأثريائه.ظهرت في مصر في القرن الماضي عائلتان من أشهر العوائل المصرية في هذا الفن الممتع هما «الحلو» و«عاكف»، وبرزت عائلة الحلو كأول عائلة مصرية تدخل الحيوانات المفترسة إلى فقرات السيرك منذ أكثر من 7 عقود، وتداول جيل بعد جيل من أفراد هذه العائلة التي ينتمي إليها الفنانان «صابرين» و«محمد الحلو»؛ في عالم السيرك، لتصل الريادة إلى مروضة الأسود العالمية فاتن الحلو التي تقول عن بداياتها:

«لقد نشأت وتربيت في عالم السيرك، ودخلت مدرسة السيرك بعمر 9 سنوات وكان عرّابي الأول هو عمي الراحل محمد الحلو الذي اصطحبني مع أخوتي وأبناء عمي إلى ألمانيا .

حيث قدمنا أقوى العروض حين كنت طفلة، وأتذكر كيف كنا ننام في مكان ونصحو في مكان آخر -لأننا كنا نعرض في أكثر من مدينة وكانت السيارات تسحب الكرفانات التي كنا ننام فيها ليلاً- وتجولت في دول أوروبا مع ذلك السيرك المتعدد الجنسيات لغاية سنة 1972م حيث تزوجت ابن عمي الراحل إبراهيم الحلو، وكنت حين ذاك أقدم عروض الأكروبات وحركات الجمباز ولم أقترب من الحيوانات المفترسة».

في أحد عروض السيرك المثيرة يقدم العم محمد الحلو على أداء الفقرة الشهيرة بإدخال رأسه في فم الأسد وبحركة مفاجأة يقوم ذلك الأسد بقتل مروضه، ويموت ذلك الأسد حزناً على مروضه خلال أسبوع بعد أن يزهد الطعام ويستسلم للحزن.

ويصر الابن إبراهيم الحلو -زوج فاتن الذي عاش معها أندر قصة حب في تاريخ السيرك- على إكمال مشوار والده فيستلم إرثه من الأسود والنمور التي تركها له والده عميد أسرة الحلو فتظهر مهاراته سريعاً في التعامل مع الوحوش المفترسة، خصوصاً وأنه تلقى دورات تدريب على يد أشهر خبراء ترويض الوحوش في ألمانيا، وتصاحبه فاتن في عروضه التي تتذكر تلك الأيام بقولها:

«لقد شاركت إبراهيم الحلو في كل تفاصيل الحياة بحلوها ومرها، وأذكر أنه في إحدى الفقرات التي كنت أستلقي فيها ويقوم ثلاثة أسود بالجلوس على أطرافي، قام الأسد الثالث الذي من المفترض أن يقف عند رأسي بفتح فمه وبدأ بالاقتراب مني لالتهامي، فضربت بيدي على الأرض لعدم قدرتي على الكلام لوجود مئات الكيلوغرامات -جسمي الأسدين الآخرين على جسدي- فسارع إبراهيم لإبعاد ذلك الأسد عنيء.

كانت الأسود والنمور -تضيف فاتن- تشعر بقدوم زوجي إبراهيم إلى السيرك فتقوم بحركات وأصوات تشبه الترحيب، وكانت علاقته بها أخوية إلى أبعد الحدود، إلى أن رحل إلى رحمة الله عام 2004م وحين افتقدته الحيوانات وشعرت برحيله مات نمران منهما حزناً عليه .

حيث صاما عن الأكل ولم يقربا طعاماً أو شراباً؛ وتستسلم فاتن راية الريادة في فن السيرك وترويض الوحوش فتبرع فيها وتؤسس شركة خاصة انطلق منها سالسيرك المصري الأوروبي» الذي قدم عشرات العروض الرائعة في دول العالم والدول العربية في مصر والكويت والسعودية والبحرين وغيرها من العروض.

كما قامت فاتن بتدريب 300 فنانة سيرك روسية بعد تعاون مشترك مع السيرك الروسي الذي تمتد علاقتها به لسنوات طويلة وأصبح لدى فاتن 3 مواقع رئيسية لتقديم العروض بمصر في الإسكندرية ومصر الجديدة وسيرك متنقل إضافة لاستقطابها لأول عرض لسيرك الجليد في مصر قبل حوالي عامين.

ورغم جهودها الفردية فإن عالم السيرك الذي اشتهرت به مصر دون بقية الدول العربية -يتعرض للإهمال من قبل المؤسسات المختصة ولا يلقى الدعم الكافي للاستمرار لأن كلفة النقل والتنقل ورعاية الحيوانات والأجور وغيرها من المصاريف الكثيرة لا توازي الدخل أو الدعم- وتعليقاً على ذلك تشير فاتن بصورة فكاهية «إن مجموع ما يتناوله الأسد من طعام يومي يقارب 100 كيلو لحم.

كما أن كلفة النمر الواحد تقترب من 100 ألف جنيه لندرته على عكس الأسود التي قد تقترب من 30 أو 40 ألف جنيه، إضافة لأجور النقل والتأمين المكلفة، ومع ذلك فسأستمر بتقديم عروض السيرك لأن عالم السيرك هو كل حياتي وهو لحظاتي الجميلة وذاكرتي التي لن أنساها».

يبلغ عدد الأسود التي ترافق فاتن في عروضها 8 أسود وشبلين صغيرين إضافة لأنثى النمر «زغدانة»، وتقوم المروضة الشهيرة بفقرة تعتبر نادرة وللمرة الأولى في عالم الترويض وعروضه، حيث تزج بالأناث والذكور من الأسود واللبوات في عرض واحد رغم خطورة ذلك إلا أنها تسيطر سيطرة كاملة على هذه الحيوانات المفترسة حتى لتظنها حيوانات أليفة حين تشاهدها معها.

وكأنها تمارس سحر الأنثى الذي يطيح بالرجل مع هذه الحيوانات، كما أنها تلاعب الأفاعي الكبيرة التي تتجاوز 5 أمتار من النوع العاصر، حيث تقبع الأفعى حول عنقها وجسدها دون أن تؤذيها، تقول فاتن: «أعرف منطقة في جسد الأفعى أستطيع من خلالها السيطرة على الأفعى، ولكنها سر المهنة ولا أستطيع كشفها لوسائل الإعلام».

رغم سيطرة فاتن الحلو على الأسود والنمور والوحوش المفترسة وقوة شخصية هذه المرأة التي أطلق عليها الإعلام لقب «المرأة الحديدية»، إلا أن رقة الأنثى وشعورها المرهف لم تفارقها رغم سنواتها الطويلة مع الوحوش، فهي تخشى أضعف المخلوقات، تكشف فاتن ذلك بقولها: «أخشى الفئران والصراصير والزواحف الصغيرة.

ولا أجد في ذلك تناقضاً مع ترويض الوحوش لأنني في النهاية أنثى وأشعر بالقشعريرة من الحيوانات والحشرات التي ذكرت« وتعتقد فاتن أن التعامل مع الحيوانات المفترسة أسهل من التعامل مع البشر، وتقول«: إن الحيوانات تظهر ما في نفوسها من خلال عيونها وحركاتها وأصواتها؛ أما البشر فلا أعرف ما يدور في نفوسهم وهم المخلوق الوحيد الذي يظهر شيء ويبطن آخر، كما أن مشاعر الحيوانات صادقة وفطرية».

أبو ظبي- محمد الأنصاري