بحجم الدكتورة رتيبة الحفني لابد أن يكون تاريخها مليئاً بالكثير من الذكريات التي ربطتها بنجوم زمن الفن الجميل، فجيوبها دائماً مليئة بالأحاديث المثيرة عن هؤلاء؛ لذلك فتح معها «الحواس الخمس» حقيبة ذكرياتها وهذه هي التفاصيل..

البداية كانت بالموسيقار محمد القصبجي، حيث قالت: القصبجي كان أستاذي ودرست وتعلمت على يديه الكثير والكثير فقد كان صديقا للأسرة، وفتحت عينيّ عليه وكان عمري آنذاك 8 سنوات، كان دائم الجلوس مع والدتي وهي ألمانية الأصل. وكانت تمتلك مكتبة صوتية كبيرة بها العديد من الأسطوانات الغربية، والقصبجي كان يحب الغربي جداً وكان يجلس معها بالساعات ليسمع الأغاني، وله واقعة مع أغنية سمعها في منزلنا. وهي كانت أغنية للطيور كانت تغنيها السوبرانو النمساوية «كوليرا تورا» وفي نهاية الأغنية كان هناك مقطع أعجب به جدا القصبجي.

وقرر أن ينقلها ويلحنها لأسمهان وهي من أجمل ما لحن القصبجي، أيضاً كان الموسيقار الراحل دائم الذهاب معنا للأوبرا مع العائلة أو حضور المسرحيات.وفي آخر أيامه كان أستاذي في المعهد وتعلمت على يده العود لمدة ثلاث سنوات، فهو يمثل مدرسة موسيقية متفردة ومؤلف وملحن سابق لعصره، واقتبس منه العديد من الملحنين الكثير من أعماله.

موسيقار الأجيال

من المعروف أن محمد عبدالوهاب كان أقرب الناس إليك.. ماذا عن أجمل ذكرياتك معه؟ بالفعل محمد عبدالوهاب أكثر إنسان قريب إليَّ وكانت بيننا زيارات ومقابلات كثيرة وكنت أعتبره الناقد الفني لي، فهو شخصية ممتعة واجتماعية للغاية.

وأعتقد أن عبدالوهاب لو لم يعمل في مجال التلحين والغناء لعمل سفيراً، لأنه كان في قمة شياكته وأناقته ولا يخرج من فمه إلا الكلام الموزون والثقيل الذي يكون في مواضعه الصحيحة، بخلاف أنه كان يمثل لي أخاً أكبر.

وكان حريصاً على حضور كل ما يذاع لي في الإذاعة في برنامج «الموسيقى العربية»، وكنت عندما أنتهي من الإذاعة، وأعود إلى المنزل، وافتح الباب كان يطلبني على تليفون المنزل، يعاتبني على التأخير أو الحضور غير اللائق في الإذاعة أو خطأ للفرقة أو أي شيء في عملي.

وينتقدنى إذا أحس أن هناك خطأً فنياً في عملي، ويطلبني ويصحح لي عبر التليفون، وعندما طلب مني أحمد فؤاد حسن أن أرشح نفسي لنقابة الموسيقيين قال لي عبدالوهاب «النقابة لا تنفعك وبعد ثلاثة شهور سيتم رفدك»، ولكني قلت له: «أحمد فؤاد طلب مني ذلك وبالفعل بعد ثلاثة شهور رفدوني وأرسلوا لي جواب رفد فكلمني في التليفون، وقاللي (هالو رتيبة هانم اترفدتي؟) قلت له آه».

فهو كان شخصاً يعطي النصيحة بإخلاص وليس وراءها أي مصلحة، وأنا كنت أحترمه جداً وأحترم فنه على الرغم من أن علاقته بوالدي لم تكن جيدة، لأن والدي في هذه الفترة كان مستشاراً لأم كلثوم وكان من يعمل مع أم كلثوم لا يحب عبدالوهاب ولا من يعمل معه، ولم تتوطد علاقتي بعبدالوهاب إلا بعد وفاة والدي وأم كلثوم.

حللي لنا شخصية أم كلثوم الإنسانية والعملية

أم كلثوم لم تكن شخصية سهلة أو ضعيفة وكانت تفرض نفسها في كل شيء سواء في اللحن أو الأداء وكان الملحنون يوجهونها لاتجاه معين ولكن هي تنفذ ما تحبه وتؤدي كيف تريد وبطريقتها الخاصة، فكانت لها شخصية قوية جدا، وكانت شخصية متناقضة تخاف على فرقتها، ودائما تحمل همومهم، وكانت تحب أن تضمن لهم حياتهم ومعاشهم.

ولكن كانت شديدة في العمل معهم، ولا ترحم من يخطئ، وكانت في عملها جادة ودائمة التطوير والتجديد. أيضا كانت أم كلثوم شخصية عبقرية تدرك قيمة موهبتها وكانت دائما تضيف لموهبتها كمطربة لذلك تربعت على قائمة الغناء العربي..

لكن علاقتي بأم كلثوم كانت عبر التليفون ولقاءات في مؤتمرات أو حفلات فقط لا غير، ولكن لها دور كبير في حياتي فعندما غنيت «الأرملة الطروب» كانت هي من الحضور في الافتتاح وعندما سألوها عن رأيها، قالت «اليوم مولد مطربة جديدة»، وكانت شهادة كبيرة لي بكون أم كلثوم تشهد لمطربة في البداية فهي شهادة كبيرة جداً.

الموسيقيون أمثال القصبجي والسنباطي وغيرهم.. هل صنعوا نجاح أم كلثوم أم العكس؟

الملحنون والكتاب أمثال القصبجي والسنباطي وأحمد رامي، والشيخ أبوالعلا وهو أول من علمها في بداية عمرها، وأيضاً زكريا فكل هؤلاء كانت لهم بصمة كبيرة في حياة أم كلثوم الشخصية والعملية وعملوا على صناعة أم كلثوم وهي أيضاً بأدائها وصوتها الجميل وحضورها وشخصيتها كانت لها أثر كبير عليهم، فكل منهما صنع الآخر، وارتفع به وإن كان الملحنون لهم الفضل الأكبر في ذلك وبينهم نجوم كانت لهم مكانة من قبل أم كلثوم.

صاحب فضل عليها

ماذا عن علاقة محمد عبدالوهاب بأم كلثوم وتأثيره في غنائها؟

هو من أخرج أم كلثوم من الفترة التي عاشتها مع السنباطي ورفعها من الإطار التقليدي الكلاسيكي ووضعها في إطار رومانسي، وأيضا أدخل عليها اللون الشبابي مثل «إنت عمري»، وغيرها من الإيقاعات الجديدة التي أضافت لونا جديدا لأم كلثوم على الرغم من أنها كانت تعترض على عبدالوهاب في بادئ الأمر وكانت ترفض هذا اللون وتقول له (يا محمد أنا مش بتاعة الحاجات دي) وعندما يسمعها لحنا راقصا تقول له (غنيه إنت).

وأيضا كانت تقول له أنا (حاسة إن الجمهور وأنا باغني هيقوم يصفق ويرقص) وكان يرد عليها (لا يمكن أن يفعل جمهور أم كلثوم ذلك) فكان له فضل كبير عليها في عملها وتغير لونها.

أيضاً أم كلثوم كان لها العديد من المواقف مع كثير من الشخصيات التي تعرفها والتي لم تعرفها وكانت كل ذكرياتها باللحظة مع القصبجي، وطلبت منه ألا يبوح بأسرارها إلا بعد موتها، لكن القصبجي مات قبل أم كلثوم لذلك لا يعرف أحد أسرارها وماتت مع القصبجي.

وماذا عن أحمد رامي صاحب واحدة من القصص الشهيرة في حب أم كلثوم؟

من المعروف أن أحمد رامي كان متيماً بأم كلثوم لكن علاقتهما كانت علاقة نظيفة وجميلة وممكن القول انها علاقة حب أفلاطوني، أما بالنسبة للقصبجي فلا يمكن القول انه حب ولكن في نظري وتحليلي أنه حب امتلاك، يعني نوعاً آخر من الحب لأنه شعر أنه من أخرج أم كلثوم للنور.

وشعر أنها ملك له، ولكنه ليس حبا بدليل أنه تزوج 4 مرات، وكانت له مع كل واحدة منهن قصة حب استمرت سنين فكيف كان يحب أم كلثوم ويحب شخصية أخرى! غير ذلك أن أم كلثوم كانت دائما مع القصبجي سواء في العمل أو خارجه.

فكان يخطو كل خطوة معها وكان الظل الملازم لأم كلثوم لذلك عندما اقتربت من السنباطي في فترة ما، كاد القصبجي يجن وتعب كثيراً من هذا التقارب، بخلاف أن أم كلثوم كانت لها جاذبية شديدة وكان يحبها كل من يتعامل معها أو يقترب منها، وهذه حياتها الخاصة لكي تحب أو تكره أو تتزوج.

أم كلثوم والسياسة

ما حقيقة زواج أم كلثوم ومصطفى أمين وعلاقتهما ببعضهما؟

أنا قرأت في بعض المجلات هذا الكلام عام 2000، وتحدثوا عن هذه الزيجة، ولكن الكاتبة نعم الباز في برنامج في قناة «دريم» قالت إنها رأت جوابات أم كلثوم لمصطفى أمين ومكتوباً فيها (زوجي العزيز) وهذا اعتراف يكفي أنهما كانا متزوجين.

وهناك أقوال تنفي زواجها من محمود الشريف، لكن أنا أؤكد أنها تزوجت محمود الشريف، ولكنني لم أعرف الكثير عن هذه الزيجة، لكن المؤكد أن كل زيجات أم كلثوم كانت على سنة الله ورسوله، ومن يريد معرفة من تزوجتهم يرجع لوثائق الدولة لأنها سواء أكانت تعلن ذلك أم ترفضه فهذه حياتها الشخصية ولا يوجد حق لأحد أن يتدخل فيها.

أما علاقتها بمصطفى أمين فالكل كان يعلم أنهما كانا على صداقة جيدة وكانت أم كلثوم أكبر منه ب11 سنة وهو كان رجلاً سياسياً وكان أول المهتمين بأم كلثوم ودائماً له السبق في أخبارها.

ما علاقة أم كلثوم بالسياسة؟

كانت تحب مصر جداً وكانت تضحي بالكثير من أجل مصر وجمعت أموالاً كثيرة من الحفلات التي كانت تقيمها داخل وخارج مصر، وجلبت لها أموالاً وذهباً كثيراً غير أنها كانت تحب جمال عبدالناصر كثيراً وتلتقي معه دائماً.

هل كانت لك علاقة بفريد الأطرش، أسمهان، ليلى مراد، فيروز؟

لا توجد علاقة لي بفريد الأطرش، غير أنني قرأت كثيراً عن حياته، وعرفت من خلالها أنه شخصية قوية جداً وشخصية جميلة ومحبوبة ولكنه (ودني جداً)، لكن عمري ما التقيت به، أما فيروز أيضاً لم ألتق بها ولكنني تحدثت معها في التليفون كثيراً وعملت مع زوجي كثيراً، ولم ألتق أيضاً بليلى مراد أو أسمهان ولم أتداخل معهما في الموسيقى العربية لأن شغلي في البداية كان موسيقى غربية.

القاهرة - دار الإعلام العربية