زهقت من أغاني الميكروباص، مللت من تشنجات الفيديو كليب التي توفر لك كل ما تحتاجه من اضطرابات في قولونك العصبي، توشك أذناك على العصيان والتمرد ضد أصوات النشاز.. أنت إذاً في حاجة إلى أن ترتقي بذائقتك عند منتصف الطريق مع هذه السيدة.. الأصالة والنغم والتميز مفرداتها الأساسية، لا تلهث وراء بريق الشهرة ولا تلين أمام إغراءات وضوابط «ما يريده العصر».. إنما هي تمنح العصر ما تراه يسمو بذائقته وذوقه..

فلم تكن طوال حياتها إلا حارسة على محراب الأصالة والنغم الأصيل.. خاضت معارك عديدة، وتشابكت الذكريات، وظلت أبداً كما هي.. مباشرة دعونا ندخل إلى أعمق أعماق رتيبة الحفني حارسة الموسيقى العربية.ماذا عن مهرجان الموسيقى العربية باعتبارك رئيسة له وسر الهجوم المتكرر عليه كل عام؟أولاً مهرجان الموسيقى العربية امتداد لمؤتمر الموسيقى العربية الذي توقف بعد عام 1932، ولكنني تمسكت باستكماله، خاصة أن والدي د. محمود حفني كان من رواده الأوائل. وفي البداية طرقت على أكثر من باب لكني لم أوفق، وعندما أصبحت مستشارة في الأوبرا طرحت الفكرة أثناء الاحتفال بمرور 25 عاماً على تأسيس فرقة الموسيقى العربية بقيادة عبدالحليم نويرة، وكان لابد من إحياء فكرة المهرجان مرة أخرى، وبالفعل تم عقد أول دورة جديدة له في عام 1992 أي بعد توقف ستين عاماً.

وتحدثنا عما يقترح وضعه في المهرجان وتحديد موعده والدول العربية التي تشارك فيه وأن يستمر على مدار 10 أيام تعرض من خلالها عدة ندوات ومؤتمرات، فضلاً عن مشاركة فرق عربية متميزة وأعضاء فنيين من دول مختلفة متميزين واستقطاب مطربين مختلفين لهم ثقل في الموسيقى العربية.

وقدمت أيضاً من خلاله عدة أصوات جديدة لاقت قبولاً ونجاحاً كبيراً، وناقشنا من خلاله العديد من المشكلات التي تخص كل المنطقة العربية وتقريباً مشكلاتنا كلها واحدة، لكن كل منا يعرضها بزاوية معينة، واستمر المهرجان حتى الآن، وانتهينا من الدورة 18، ونحن نستعد من الآن لدورة رقم 19.

أرحب بالنقد لا الهجوم

لكن الهجوم المتكرر على المهرجان يثير التساؤل!

أولاً مستحيل إرضاء كل الأذواق لأن لكل شخص ذوقه وتفكيره، وأنا أحب وأرحب بالنقد البناء، وليس الهجوم المبالغ فيه الذي ليس له أساس من الصحة، وأتابع كل ما يقال عن المهرجان بعد انتهائه، وآخذ منه ما يصلح ليكون إضافة وفكرة جديدة له لأنفذها في العام التالى، لكن لابد من التأكيد على أن المهرجان يقدم لوناً مختلفاً عما تقدمه أجهزة الإعلام التى للأسف لا تبثها إلا في أوقات غير مسموعة ومرئية، وهذا تقصير بخلاف أننا نمتلك ميزانية ضئيلة، وكلها جهود ذاتية منا.

حيث لا يوجد رعاة للمهرجان ولا ميزانية مبالغ فيها مثلما يقدم لمهرجان القاهرة السينمائي، وحين تتقدم قناة فضائية للمهرجان يقف أمامها التلفزيون المصري ويطلب منها أن تأتي عن طريقه، فالتمويل عامل مهم، خاصة أنه يشارك معنا أكثر من 120 فرداً من مختلف الدول العربية، وأنا أحارب في جبهات كثيرة ولكني أحاول في حدود إمكانياتي، ولكن الناقد الحقيقي لي هو الجمهور.

فيما نقدمه خلال المهرجان من فرق ومطربين وغيرهم خاصة أننا نقدم في النصف الأول من سهرات المهرجان مجموعة من المطربين الجدد والنصف الثاني نقدم المطربين العمالقة، فالمهرجان يكشف مواهب جديدة لديها خامات متميزة بخلاف أننا نقوم بحل العديد من المشكلات في الدول العربية .

ونقدم وحدة عربية خالصة، وعلى الرغم من ذلك فإنني سعيدة بالمهرجان وأشعر أنني أقدم وأحقق وحدة عربية لم تقدر السياسة على تحقيقها، وأشعر أن جامعة الدول العربية متمثلة في المهرجان، ومن الآن نجهز للدورة 19 ونبحث عن رعاة للمهرجان ونأخذ كل سلبيات الدورة الماضية لنتجنبها في الدورات القادمة.

يا ليل يا عين

برأيك.. كيف اختلف الغناء الأصيل بين الماضي والحاضر؟

هناك اختلاف كبير جداً، فالعصر يختلف والفنون اختلفت كثيراً ونحن الآن في عصر السرعة، فلا نستطيع الآن تقديم سهرة من أيام الزمن الجميل، ونجلس للصباح نقول (يا ليل يا عين) لكن الآن المشكلات كثيرة والحياة العملية أخذت الجميع، ممكن نكون جالسين لسماع أغنية ونفكر في مليون مشكلة غير أننا الآن نسمع الأغاني ونحن في الشارع أو نعمل شيئاً سريعاً، فنحن أصبحنا في عصر «التيك أواي» لا عصر سهرات أم كلثوم التي تستمر لـ 4- 5 ساعات متواصلة ونستمع إليها بكل روحنا ومشاعرنا وأحاسيسنا.

فقد تغير الفنان تغيراً كثيراً عن فنان زمان الدارس وليس بمعنى خريج جامعة أو معهد ولكن لديه المزيد من الثقافة والعلوم الكثيرة، فكانوا يعرفون كثيراً عن المقامات التي يقومون بتلحينها وغنائها، وكانوا يعرفون مدى إمكانيات كل مطرب غير الدقة في العمل فكم من بروفات كان ينفذها عبدالوهاب أو أم كلثوم أو عبدالحليم لأعمال تستمر مدى الحياة وفي أي زمن وأي عصر، فأنا أتحدى أن يأتي يوم أحد ويقول انني أفعل مثل هؤلاء الرموز، لكن فناني اليوم كل واحد يعمل بمفرده، فكاتب العمل لا يعرف الملحن.

والملحن لا يعرف الفرقة، وعازف الكمنجة لا يعرف عازف القانون، فكل واحد يعمل بمفرده، ويأتي المهندس يأخذ كل هذه الأعمال ويركبها على الصوت الذي يقدم الأغنية، فأصبح الغناء به تفكك وليس هناك انسجام، غير أن الأجهزة الآن تخرج نشازاً، ولا نعرف صوت المطرب الحقيقي إلا عندما يقف على المسرح ويغني بمفرده فنعرف مدى خامة صوته وعندما نسمعه نقول عليه الله.

الحالة التي نحن بها الآن والعولمة التي حولت الأشياء إلى مردود خاطئ أثرتا في أشياء كثيرة، غير أن ما يقدم ابتذال لمعنى الطرب والغناء ونشاز لا يسمح به، فضلاً عن التهريج والحركة التي لا معنى لها.هذا يقودنا إلى الحديث عن نوعية المطربين الذين لا تقبلين مشاركتهم في المهرجان.

مبدئياً كلمة مطرب لابد أن نضع تحتها عدة خطوط، فنحن لدينا مطرب ومغن ومؤد، فالمغني هو من يؤدي الأغاني العربية سواء في الأوبرا أو المكتوبة بالنوتة الموسيقية، وهذه لها مبادئ ومعان يلتزم بها المغني لا يقدر على تغييرها لكن المطرب هو من يستطيع عمل قفلة حلوة للأغنية أو تلوينة وتزويقة ممتعة، ولا أقبل بمشاركة من لم يمتلكوا قدرات صوتية ولا يقدرون على إعطاء ألوان مختلفة من ألحان مطربي الزمن الجميل سواء مصريين أو عرباً، ولابد أن يكون المشارك لديه خامة صوتيه جيدة.

من تقبلين بمشاركتهم من الأصوات الجديدة؟

القليل منهم فمثلاً أنا وضعت يدي على خالد سليم وهو كان مشهوراً بأغاني الفيديو كليب، لكن وجدت عنده خامة جيدة ممكن تطويعها جيداً، وبالفعل أعددت له أغاني عبدالحليم وعبدالوهاب وطوعها بشكل جيد يليق على خامة صوته ويؤدي اللحن المتميز مثلما يشعر به، ولم يقلدها لأنني ضد التقليد، ولا أحب من يأخذ للونه دائماً التقليد مثلما كان يفعل صفوان بهلوان عندما أخذ أغاني عبدالوهاب طريقاً له، فقلت له:

ابتعد عن هذا التقليد؛ لأنك بعد انتهاء وقتك سوف لا يكون لك تواجد، فالمتذوق سوف يرجع للمغني الأصلي وليس المقلد له، وفي ذات المرات سمعت محمد ثروت يغني لأم كلثوم وكانت من ألحان زكريا أحمد واستمتعت جداً بأدائه فيها مع أني ضد أن يغني الرجل أغاني نسائية لأنه لا يعطي اللون الأصلي لها غير أن من يغني لأم كلثوم من السهل أن يؤدي أغانيها.

أيضاً من الأصوات الشابة التي هوجمت عند اختيارها تامر حسني فقد سمعته ذات مرة يغني في أحد البرامج لعبدالحليم وأعجبني صوته ووجدت لديه إحساساً جيداً على الرغم من أن به عيوباً فيما يقدمه لكني لا آخذ كلماته ولا حركاته ولا سأقدم معه فيديو كليب، لكن آخذ خامة صوته وأوظفها صحيحاً وعندما قررت أن يشارك في المهرجان حدث هجوم غير طبيعي.

ولكني أصررت على ذلك.. إلا أن تامر اعتذر بسبب ارتباطات أخرى، أيضاً عمرو دياب كان تلميذي وأعرف إمكانياته جيداً، فلديه خامة صوت جيدة جداً وذكاء شديد، ووصل إلى القمة ولا يتركها بالإضافة لشيرين عبدالوهاب ذات الصوت الرائع والمميز ولديها خامة ممتازة.

لا مكان لهيفاء في الأوبرا

هل تقبلين بدخول هيفاء أو نانسي في المهرجان؟

بالطبع لا، فنانسي كنت لا أحبها في بداية الأمر، ولكنها بدأت تحدد لنفسها خطاً تسير عليه وبذكاء شديد منها، ولديها لون خفيف ومقبول، وكثير من الشخصيات تحب سماعها، وأنا أحب أن أسمعها أيضاً ورسمت لنفسها خطاً محترماً ولوناً غنائياً جميلاً لكنه لا يتوافق ولا يتماشى مع الموسيقى العربية نهائياً، ولذلك لا تقدر أن تؤدي هذا اللون ولا صوتها يؤدي الموسيقى العربية.

أما هيفاء فلديّ تحفظ كامل تجاهها ولا أسمعها مطلقاً ولا تملك صوتاً وتعتمد على الإغراء والحركات، وليس لها مكان معي لا شخصي ولا في الأوبرا والموسيقى العربية.

تتعرض الأوبرا من آن لآخر للهجوم فهل فقدت الأوبرا بريقها كما يردد البعض؟

لم تفقد الأوبرا بريقها أبداً، على الرغم أن لها اتجاهات معينة وكل رئاسة لها اتجاهات، وأنا عندما توليت ذلك في البداية كان صعباً جداً، ولكن الحمد لله الأوبرا شيء مشرف الآن في كل مكان بما تقدمه من عروض وتوسعات وفن راق محترم يتذوقه من يفهمه ويعرف معناه، غير أن الشباب اليوم مقبل عليها كثيراً عن زمان لأنه كان يتخوف من كلمة أوبرا.

ولكن عندما توسعت ودخلت بها الموسيقى العربية وزادت المهرجانات والحفلات ودخل الفنانون المصريون والعرب وقدموا فنونهم المتميزة تغيرت النظرة تماماً، وتواجد المسرح المكشوف أتاح فرصة كبيرة لمشاركة العديد من الشباب والفرق الشبابية التي عندما تتميز تجد لها مكاناً داخل الأوبرا فهي في توسع وبريق دائماً.