يعد الشباب الشريحة التي تخضع بدرجة كبيرة لتأثير الرسالة الإعلامية التي تعمل على تكوين عقولهم، واتجاهاتهم، وقيمهم. فتأثير القنوات الفضائية العامة والخاصة على الشباب لاسيما بعد أن دخلت مفاهيم مستحدثة غيرت من لغة التلفزيون والصورة المعروضة فيه، وأضافت له أدواراً جديدة بعيدة عن الدور التقليدي التربوي والتثقيفي والترفيهي الهادف.

الأمر الذي أدى من دون شك إلى ضحالة فكر الشباب واستنزافهم واستغلالهم مادياً من خلال بث برامج لا تمت بصلة لواقعهم، ولا تناقش قضاياهم، حتى وإن ناقشتها فأقرب ما تكون إلى السطحية التي لا تتعدى القشور فقط، وتحاكي نماذج لا تعبر عن التطلع إلى المستقبل.المركز الإعلامي بجامعة الشارقة استضاف «الحواس الخمس» لإدارة ندوة إعلامية بالجامعة حول «واقع برامج الشباب على الفضائيات العربية» شارك فيها نخبة من طلبة الإعلام بالجامعة، ومختصون بالإعلام.الندوة دارت حول رؤية المشاركين نحو البرامج الشبابية على الفضائيات، وأمنياتهم في تقديم برامج تهدف إلى رفع مستوى الوعي عند الشباب، وحماية الأجيال الشابة وتفجير طاقاتها بما يحقق لها نمواً معرفياً ونفسياً يُضيف الاستقرار والتوازن لجمهور المشاهدين من الشباب.

إعلام بلا هوية الطالب سلطان الطنيجي قال: تعرض الفضائيات المحلية والعربية برامج شبابية عديدة ومتنوعة إلا أنها تعكس نظرة سطحية مشوشة للواقع ومشكلاته، وتتحدث عن منح الفرص للشباب دون تسليحهم بثقافة عميقة تؤهلهم لاستثمار الفرص وجعلها ذات معنى، وتريد هذه القنوات أن تصنع نمطاً بلا هوية، قائم على الافتعال والتصنع، والسخف في التفكير، والسذاجة في الاستقلالية، والهامشية في الرؤية، وتسفيه أي بحث حقيقي عن منابع ثقافية.

شباب مؤمن بسطحية حياته: أما عبدالله إسماعيل الإعلامي بمؤسسة دبي للإعلام فأوضح قائلاً: المئات من القنوات الفضائية العربية والمحلية في سباق محموم من أجل كسب أكبر عدد من «جمهور الشباب» عبر برامج «للمسابقات، وأخرى للمغامرات، وما بينهما برامج للتسلية، وطلب الأغنيات الغالبية منها نسخ لبرامج «أميركية وفرنسية».. مؤكداً في قوله أيضاً: تعكس الكثير من برامج الشباب على الفضائيات صورة سطحية لشباب عربي مؤمن بسطحية حياته باعتبارها نموذجاً للتميز والاستقلالية والتجدد والخصوصية.

فحصدت النجاح وكسبت جمهوراً واسعاً من الشباب عند عرضها في العديد من فضائيات الدول الأجنبية، وبعد أن تعذر على العاملين في بعض الفضائيات المحلية والعربية صناعة برامج من «ابتكارهم» أطلوا علينا ببرامج «يا لله شباب، ستار أكاديمي، فري، سوبر ستار وغيرها من البرامج» التي تستقطب آلاف المشاهدين مستعينين بالثورة التكنولوجية في ميدان الإعلام والاتصال، التي فسحت المجال «لممولي القنوات الفضائية» لمضاعفة عددها، وبعد اشتداد المنافسة فيما بينها جنح العديد منها للبحث عن التميز وعما يدفع للإثارة والتشويق والإعلان التجاري إلى أبعد مدى.

برامج استثمارية:

ووافقه الرأي محمد بن دخين مدير المركز الإعلامي بجامعة الشارقة قائلا: إن التنافس المحموم على ما أسماه «كعكة الإعلانات» التي لا تكاد تكفي القائمين والممولين لبعض القنوات الفضائية، هو ما دفعهم إلى بث هذه النوعية من البرامج «الاستثمارية» على حد وصفه، إذ وجدت في برامج «تلفزيون الواقع» والبرامج التي تهدف إلى تقوية المواهب الغنائية لدى شبابنا على سبيل المثال غنيمة سهلة وطريقاً ميسراً لجيوب المشاهدين، ولا ضير أن تتقاسم تلك الغنيمة مع شركات الاتصالات وكبريات الشركات التجارية.

مضيفاً: ولربما على أساس هذه الخلفية تبارت العديد من الفضائيات العربية بالشرق عموماً وبالخليج على وجه التحديد لمماهاة الفضائيات الغربية بعدما تعذر عليها الإبداع والابتكار وتقلصت السوق الإعلامية جراء ذلك في وجهها.

أما الثاني فيكمن في الوتيرة المتسارعة التي أضحت تعرفها ثقافة الوهم بهذه الجهة من المنطقة العربية أو تلك جراء ما أفرزه واقع الحال من يأس وتذمر وفقدان الثقة وضيق الأفق وما سواها.

برامج مختلفة:

وأشار د. صادق الحمامي أستاذ الاتصال في جامعة الشارقة: إن فضائياتنا تمتلك الأدوات التقنية المناسبة، وتستغل الفضاء الواسع بلا قيود ناقلة موادها الإعلامية من المصدر إلى المتلقي بعيداً عن الرقابة، وقدمت الكثير من البرامج والأعمال الدرامية، وأصبحت تعيش حالة من التنافس، وهذه الحالة التنافسية أدت وتؤدي دوماً للإرباك الشديد للجوئها إلى الإثارة الإعلامية.

وما تعكسه من تأثيرات إيجابية وسلبية في الطرح الإعلامي التلفزيوني، لاسيما الشباب الذي أصبح مشبعاً بالكم الهائل من البرامج الموجهة لهم والتي تختلف في أطروحاتها وأهدافها وأبعادها باختلاف الوسيلة ومالكيها.. فما يقدم في القنوات الحكومية يختلف اختلافاً كبيراً عن ما تقدمه القنوات الخاصة، وخاصة تلك التي تقدم للشباب!

تجاوز الخطوط الحمراء:

ومن جانب آخر أوضح الإعلامي سعيد الموسى أن أغلب برامج الشباب على الفضائيات قد انتهكت القيم الدينية، وتجاوزت الخطوط الحمر الأخلاقية. مؤكدا أن أغلب البرامج الشبابية التي تعرض في القنوات المحلية والعربية على حد سواء برامج مستنسخة عن برامج تبثها العديد من القنوات الغربية.

ومن ثم فهي لم تأت بجديد يذكر، وبوجود البث الفضائي المفتوح الذي حول العالم إلى قرية صغيرة يمكننا «بضغطة زر» أن نتجول في مختلف محطات العالم ونشاهد النسخ الأصلية من هذه البرامج بدل النسخ المقلدة.

الإعلامي منقذ الدباغ يرى ضرورة التصدي لظاهرة خطيرة تتمثل في التأثير السلبي والدور الهدام الذي تحدثه بعض وسائل الإعلام والقنوات الفضائية على النشء وفكرهم وتحتال في الوقت نفسه على مقدراتهم المالية.

وتساءلت أمينة محمد مديرة تحرير مجلة «المنبر الجامعي» التي يصدرها المركز الإعلامي بجامعة الشارقة أين البرامج الشبابية التي تشجع المواهب والقدرات الشابة الطامحة لتقديم برامج نوعية واستيعابهم في إطار خطط المؤسسات الإعلامية؟

الطالب عبدالمجيد صالح قال: بات لكثير من الفضائيات تأثيرات سلبية على المجتمع وبخاصة الشباب كونهم أكثر الفئات تأثراً بما يشاهدونه مما أدى إلى تذويب ثقافتهم وقيمهم وتسطيح فكرهم واستغلال مواردهم المالية من خلال الوسائط المتعددة المستخدمة في بعض برامجها غير الهادفة.

ويثني عبدالمجيد في نفس الوقت على قناة الرسالة التي يعتبرها مثالاً للقناة الشبابية الهادفة والتي تجمع بين المتعة والتسلية، وتتفنن في طريقة العرض والمضمون.

الطالبة هاجر الحوسني لها نظرتها التشاؤمية تجاه إنتاج البرامج الموجهة للشباب، وكما أوضحت: ببساطة لا يوجد لدى المخرج أو المعد أو الكاتب والذين قد نصنفهم ضمن إعلام والشباب أنهم مجرد ممتهنين بالاكتساب في إنتاج البرامج الموجهة للشباب، فهم لا يدركون معاني الشباب، ولا يملكون من الطاقات والإمكانيات الفكرية والتربوية والتقنية والمعرفة الدقيقة بكل شؤون الشباب لضمان نجاح المنتج أو حتى استحسانه من قبل جمهور الشباب.

وأشارت الطالبة أسماء أكرم إلى نقطة لاقت اهتمام المشاركين في الندوة وهي التهافت اللاهث من أغلب الشباب لمشاهدة المسلسلات التركية والكورية.. متسائلة في نفس الوقت: أين دور الفضائيات العربية في تقديم دراما عربية اجتماعية هادفة؟ فالمطلوب كما نقول دائماً- أن ينفتح الدين على العصر بكل ما فيه، بعد أن أغلق وانغلق على يد بعض الدعاة التلفزيونيين!

المشاركون في الندوة الإعلامية اتفقوا على أن برامج الشباب على الفضائيات لا تقدم أفكاراً جديدة للشباب، فما هو البديل أذن لها؟ سؤال يتوجهون به إلى القائمين على القنوات الفضائية، من أجل إنتاج برامج جديدة «غير مستهلكة تحاكي قضاياهم وتقترب من عالمهم»، برامج تخرجهم من دائرة الملل وتقدم لهم المتعة والفائدة في الوقت ذاته.. «الحواس الخمس» يطرح باقة حلول المُشاركين في الجزء الثاني من الندوة في عدد غد الأربعاء.

الشارقة ـ جميلة إسماعيل