تحت تلك الصفيحة الزرقاء يقبع عالم يحاول الناس اكتشافه، ولايزال غامضاً على الرغم من كثرة ما عرفوه عنه، إنه البحر الذي يغلب عليه اللون الأزرق بكل درجاته؛ أحيانا يبدو فاتحاً عندما يغطيه الشتاء، وأحيانا أخرى يتوهج مثل الماس تحت أشعة الشمس، ومرة يكون داكنا يميل إلى الكحلي، أو إلى الخضرة مثل مياه الخليج العربي.
وكما هو صعب على العالم اكتشاف عوالم البحر العميقة، لم يصلوا أيضا إلى نظرية مقنعة في اكتساب البحر لزرقته التي قال عنها البعض: إنها انعكاس للون السماء، وآخرون يفسرون أن البحر يمتص كل الألوان ويعكس الأزرق، هكذا قالوا أيضاً في تفسيرهم للألوان الأخرى، ولاتزال كل تلك النظريات التي تفسر وجود اللون غير مكتملة تتكئ على التكهنات. واللافت أن البحر يعكس الموجودات الأخرى في الطبيعة، التي كلما بعدت أصبح لونها يميل إلى أن يكون باهتا، عكس البحر؛ فعند نقطة الأفق يصبح البحر أكثر قتامة من لونه على الشاطئ، مهما كانت أمواجه هائجة، أو هادئة، تعبر عن سكون أو تحرك الطبيعة.
مهما كان من تفسير لا يمنع هذا الناس من الاستمتاع بجماليته، والسكون لدى رؤيته، إذ يقول علماء الطاقة إن البحر هو أحد أهم مصادر الطاقة في الكون، وهذا ما يجعل الناس أكثر استرخاء وراحة عندما يقفون أمام البحر، لقدرته العجيبة في تخليصهم من تلك الشحنات السلبية، والأمر يصبح أكثر متعة في حال لامس ماء البحر أجسادهم، متعة ربما تنشأ كما يقول البعض من عودة الإنسان إلى مرحلته الجنينية حيث كان الماء يحيط به من كل جانب. قد يكون فساداً للمتعة أن يحاول الإنسان تفسيرها، لذلك لا نجد الكثير من البشر يغوصون بمثل هذه الأسئلة، بل يمارسون بكل حرية رياضة المشي على الكورنيش عند وقت الغروب، حيث البحر يبتلع الشمس.
يبدو البحر لوحة جسدتها الطبيعة، كل مرة بطريقة مختلفة عن غيرها، مرة لا يزال خاما لم تطاله يد الإنسان، ومرة أخرى يعمل الإنسان لتوفير أماكن سياحية ومنتجعات.
وفي كل المرات يبقى التدخل محدودا عندما تحدد الطبيعة مكوناتها بقوة، فقد يحاط البحر بالجبال أحيانا، وبالغابات أحيانا أخرى، ليعزفوا جميعا سيمفونية الطبيعة الأزلية، في مكان لا يخفي رهبته في الكثير من الأحيان، خصوصا عندما تظهر الجزر متحدية بصلابتها ذلك السائل الأزلي.
مكان في الطبيعة، ومكان آخر في الإبداع البحر يحضر في الشعر العربي منذ الجاهلية، يقول امرؤ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدوله/ علي بأنواع الهموم ليبتلي. وبقي الشعراء يستحضرون البحر في العالم العربي والغربي، إلى الزمن الحديث فعندما كتب بدر شاكر السياب قصيدته (أنشودة المطر) قال أصيح بالخليج يا خليج/ يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى/ فيرجع الصدى.
ولم تخل الفنون الحديثة كالفن السابع والدراما التلفزيونية من قصص البحر، ومن يعيشون على شواطئه، وخصوصا المحبين، حيث تحاك هناك بالقرب من رماله الكثير من الحكايات، منها مسلسل لبناني قديم كان بعنوان (يارا والبحر) أو مسلسل مصري قام ببطولته الممثل عزت العلالي بعنوان (آه يا بحر) والكثير، ليس لشيء بل لأن البحر يفرض مفرداته الحياتية والبيئية مثل السفن، الصيد، السباحة، الغرق، الغوص، رحلات صيد اللؤلؤ، العاصفة البحرية.
وغيرها الكثير من الحالات، التي لابد أن تنعكس بشكل إيجابي أو سلبي على المجتمع كما يحدث في أي بيئة أخرى، تضع مفرداتها، الصحراوية البرية، التي ستختلف بشكل جذري عن بيئة البحر، التي لابد أن تجتمع بما تطرحه في كل أنحاء العالم.
وهذا ما تسرده الصور الفوتوغرافية، هناك شيء مشترك بين السكان لا يمكن أن يقال في المحصلة سوى أن البحر قد ألقى بظلاله بعيدا عن نقطة التقاء الموج بالرمال، تلك اللحظة التي تنقلب كما تتقلب الأمواج ومنها يجسد الرسامون لقطة ما تحفظها الألوان، أو الصورة الفوتوغرافية إلى الأبد.
أبوظبي ـ عبير يونس


