مزدانة بعمارتها الفريدة ونقوشها البارزة بكتابات كوفية وتكوينات من الخشب المخروط والزخارف البديعة تقف شاهدة على عصور خلت وبقيت قبة الغوري في حي الحسين الفواح بعطر التاريخ تقف شامخة في قلب القاهرة الفاطمية، بناها الملك الأشرف أبوالنصر قنصوة الغوري الذي يحمل الرقم 46 في ملوك المماليك وأولادهم بالديار المصرية.. تأخذ شكلاً ضريحياً مشتملاً على مسجد وسبيل وكتَّاب ومدرسة وقبة ووكالة وحمام ومنزل ومقعد وخانقاه على رأس تقاطع شارع الغورية مع شارع المعز لدين الله بحي الأزهر..

مؤكدة عطاء فن العمارة الإسلامية.. السطور التالية تصحبنا في زيارة إلى القبة لنتعرف على أسرارها، وما انتهت إليه في العصر الحالي.. إلى التفاصيل.

كان السلطان الغوري مغرماً بفنون العمارة، فازدهرت في عصره واقتدى به أمراء دولته، كما عني بإنشاء الحدائق واقتناء الطيور المغردة، وليس أدل على ذلك من إنشائه هذه المجموعة المعمارية الكبيرة في سنة (909هـ ـ910ه/1504م ـ 1505م). مجموعة الغورى مجموعة الغورى هي واحدة من أكبر المجموعات الأثرية بالعالم الإسلامي، بهرت العديد من الخبراء والمتخصصين من حيث البهاء والدقة وجمال البناء.

وتعتبر من أجمل عناصر التراث المعماري الإسلامي، ودرة عمائره، لاسيما أنها تضم العديد من العناصر المعمارية مثل المسجد، المدرسة، السوق، القبة، الخانقاه، المقعد، السبيل، الكتَّاب، والوكالة.وهذه المجموعة تعتبر الأكبر والأشمل لعناصر العمارة المملوكية بمصر ولا ينقصها شيء. ويتميز موقعها بقيمة تاريخية كبيرة، حيث تقع على شارع المعز أهم شوارع القاهرة الفاطمية بالقرب من الجامع الأزهر، تقف شاهدة على شق شارع الأزهر الذي يربط القاهرة الإسلامية بضاحية مصر الجديدة من خلال خط المترو، فكان لواجهة المجموعة الجانبية خط عظيم يشرف على شارع الأزهر.

نموذج فريد كما أن لمجموعة قبة الغوري أيضاً قيمة معمارية كبيرة، وتعد نموذجا فريدا للمجموعات السابقة مثل مجموعة شيخو، وتظهر عبقرية المعماري في تكوين تشكيل فراغي شبه متعلق بإبراز كتلة المدرسة والمئذنة من جهة، والسبيل من الجهة المقابلة، ما كوَّن تشكيلاً فراغياً احتوائياً، وزاد من نجاح التشكيل إعداد سقفية خشبية عملاقة لتغطية هذا الفراغ تعتبر من أكبر التغطيات فى تاريخ القاهرة.

والتي أزالتها لجنة حفظ الآثار بعد حريق السقفية الصغرى بسوق «الجمالون»، وكانت تشغل هذا الفراغ الفسيح سوق البزازين (الحرير)، والتي تعتبر من أكبر أسواق العالم آنذاك في صناعة النسيج والسجاد، وكانت تجتذب التجار من شتى أنحاء العالم، لما لها من شهرة وفخامة.

بناء متكرر

وقد لا يعلم كثيرون أن قبة الغوري بنيت أكثر من مرة، فقد انهارت إبان إنشائها في عصر الغورى، وأعيد بناؤها، ثم تشققت فتم فكها وإعادة بنائها للمرة ثالثة، ما اعتبره البعض نذير شؤم على انهيار حكم السلطان، ثم انهارت القبة مرة أخرى في القرن التاسع عشر وأعيد بناؤها من الخشب، ثم استبدلت أخيرا بسقف من الخرسانة المدعمة بقطاعات حديد.

وبنظرة فاحصة إلى تاريخ القبة نجد أنها قد أنشئت على حدود الأمان الإنشائى ، وكانت رقيقة السمك مقارنة بمثلها، فلم تتحمل الإنشاء أول مرة وثانيها حتى وصل المعمار للسمك الأمثل، لكنها مع ذلك كانت على الحد الإنشائى المسموح به، حيث أثبتت الاختبارات الهندسية أن القبة تتحمل قوى الضغط بسهولة فى الاتجاه الرأسي، لكنها في الاتجاه الأفقي تتعرض لقوى شد تزيد وتنقص.

وكان هناك اتجاه لإعادة بنائها بالخرسانة المسلحة، وفى النهاية تم عمل سقف من الخرسانة المدعمة بقطاعات الحديد والتى وصل وزنها إلى 70 طناً ومحملة على أربع نقاط ترتكز على رقبة القبة، لكن هذا الحل اعتبره البعض غير مناسب نظراً لعدم تجانس مادة الحديد والأحجار ما تسبب في حدوث شروخ وتآكل من نقاط التحمل، علاوة على تدهور حالة الخرسانة والحديد نتيجة سوء عزل السطح وتتدهور طبقاته، الأمر الذى أدى إلى التدخل لحماية القبة الفريدة فى معمارها وزخرفاتها..

فبعد طول نقاش تم الاتفاق على إزالة السقف الخرسانى للقبة، ونفذ آخر أخف وزناً عبارة عن حلقة من الخشب بها اثنتا عشرة كمرة خشبية مزدوجة فى اتجاه مركز دائرة القبة، ويتم تجميعه بواسطة حلقة معدنية بقطر 2501 متراً وتتركز على محيط القبة على اثنتى عشرة وحدة من الخشب، وتمت كسوتها من أعلى بألواح، وصمم السطح مائلا ليسمح بتصريف مياه الأمطار.

القبة الضريحية

غرفة ضريحية مربعة المساحة، أرضيتها مكسوة بالرخام المزخرف، وتزدان الجدران الأربعة للحجرة بزخارف مملوكية ووزرات من أسفل يعلوها شريط كتابى قرآني من سورة «يس»، ويتصدر الجدار الجنوبي الشرقي للحجرة محراب مزخرف بوزرات رخامية، وعلى جانبيه دخلتان تتوسط كل منهما فتحة شباك يغلق عليها ضلفتان خشبيتان، وبالجدار الجنوبي ثلاثة دخلات معقودة بعقد مدببة، يتوسط كل منها فتحة شباك تشرق على شارع الغورية، وكذا بالجدار الغربى.

أما الجدار الشمالي ففيه ثلاث دخلات يتوسط الأولى والثانية فتحة شباك، أما الثالثة فهي مدخل الحجرة ويعلو كل من الدخلات الكائنة بالجدران الأربعة فتحات لشبابيك زجاجية على شكل قنديلية بسيطة، ويعلو ذلك منطقة انتقال القبة على شكل أربعة مثلثات مقلوبة، تحصر بداخلها ثلاثة عشر صفاً من المقرنصات، وبين كل مثلثين قنديليتان مركبتان من الزجاج المعشق الملون.

أما خوذة القبة فقد تهدمت تماماً ولم يكتب للقبة الضريحية البقاء، حيث ظهر بها خلل عام (917م) وقتها قرر الغوري هدمها وإعادة بنائها، ثم لم يلبث أن حدث بها خلل عام (919م)، فأمر بهدمها وإعادة بنائها مره أخرى، ثم هدمت فيما بعد رغم استبدالها بقبة خشبية نحوا عام (1881م) ثم هدمت وحل محلها سقف خرساني مقام على عدة كمرات من الحديد.

ويقول د. انتصار عبدالفتاح، المسؤول عن النشاط الثقافي: إن للقبة قيمة معمارية فريدة لأن جدرانها تعتبر من أجمل وأدق المعمار فى العالم الإسلامي.

ولها أرضية من الرخام البديع المقسم إلى أبسطة زخرفية من الرخام الخردة الملون والذى لا يضاهيه إلا المماثل له في المدرسة المقابلة له، ويحتوى على وزرة رخامية جميلة يزينها شريط كتابي زخرفي، والنادر فيها هي الأحجار التي تعلو الوزرة والتي نحتت بإبداع الزخارف النباتية مكونة قطعة نحتية أصلية نادرة لا مثيل لها في العمارة الإسلامية بمصر والعالم.

وتنتهي بمقرنص بديع ودقيق يتلاحم مع الزخارف كأنشودة معمارية تطيب لها الأعين، ولا تمل من جمالها الأخاذ. وفى هذه الأماكن تنبض بعبق التاريخ وتثرى الوجدان وتهتم بالأحاسيس في جمال الماضي وروعة الأصالة، تتداخل معها كل مقومات الجمال والإبداع والثقافة.. حيث تعتبر قبة الغوري من أكثر الأماكن التى تشع ثقافة وفكراً وفناً..

ومن هنا أصبحت تابعة لصندوق التنمية الثقافية وباتت محكى ثقافي وفني يقدم فرقة التنورة التي تبهر العالم في المهرجانات الدولية للفن الشعبي، والتي تضم 50 فنانا، وتتميز الرقصة بتنوع إيقاعاتها من البطيء والمتوسط والسريع، فضلاً عن ثراء الألوان والقيمة التشكيلية.

وتقدم القبة أيضاً فرق الإنشاد الصوفي وأطياف المولوية، فضلاً عن فرق التخت الغربي والشرقي والعديد من المعارض الفنية، بالإضافة إلى الحفلات الفنية لأشهر العازفين من مختلف الأماكن، كذلك الندوات الثقافية التي جعلت من القبة منبرا يشع ثقافة وحضارة وفكراً.

القاهرة - دار الإعلام