لطالما تألقت المصممة الفنزويلية الأصل كارولينا هيريرا كرائدة للأناقة الكلاسيكية والترف الأصيل، وعلى الرغم من انطلاقتها في بداية الثمانينات والتي تعتبر عقداً من العبثية والفوضى في الفن والألوان والموضة بشكل عام، إلا أنها ارتأت لنفسها طرازاً فريداً من البساطة والرقيّ يميزها عن بقية المصممين، وكونت اسماً لامعاً يشار إليه في عالم الأزياء.
واليوم نسلط الضوء على مشاعر هيريرا قبل عرض الأزياء المُقام خلال أسبوع الموضة في نيويورك.. كيف يتمّ اختيار العارضات، من يجلس في الصفوف الأمامية، ما التصاميم التي تُستبعد في الدقيقة الأخيرة ولماذا تُظهر هذه الأسئلة وغيرها مما يجري خلف الكواليس خلال أحد أكثر عروض الأزياء المنتظرة في عالم الموضة.
حماس وتوتّر، شعوران متضاربان يختلجان مرتين في السنة إحدى أكثر مصممات الأزياء طلباً في العالم. نحن بالطبع نتحدّث عن كارولينا هيريرا، محطّ إعجاب الملايين. يعدّ اسم هذه المصممة الفنزويلية التي جعلت من نيويورك مسكناً لها، من أكثر الأسماء أصالة وإثارة للجدل في أسبوع الموضة الأشدّ تأثيراً في العالم.
خلال العرض يتوافد عشرات الصحافيين وعارضات الأزياء والشارون والمصممون إلى نيويورك للالتزام بالمواعيد الكثيرة التي تملأ صفحات دفاتر أعمالهم.
زرنا مكتب مصممة الأزياء لنشاركها وفريقها 48 ساعة سابقة لعرض الأزياء حيث يقودها سعيها وراء الكمال دائماً، وبحسب كلماتها الخاصة، إلى التفكير في أنّ فيلاالأمور كان يمكن أن تكون أفضل».
بدأ كلّ شيء منذ أشهر عندما نشأت فكرة أساسية واسم وموضوع مجموعة 150 تصميماً. وسيتمّ اختيار 40 منها للمشاركة في عرض الأزياء. تلت بعد اختيار الاسم سلسلة من الاجتماعات رافقها سيل من أفكار فريق يعرف بالتفاصيل الدقيقة ما تحبّه السيدة هيريرا وما تكرهه.
الأقمشة والقصّات والرسوم ومخططات الألوان والحملات واختيار الموديلات وآلاف الاتصالات الهاتفية والدعوات... هذا النشاط المسعور خلال الساعات الثماني والأربعين التي شاركناها مع الفريق تدفع بهذا الأخير إلى أقصى حدود الاحتمال، هو الذي سبق أن أمضى 6 أشهر من الحركة الدائمة من أجل نشاط لا يدوم أكثر من 12 دقيقة.
ولكن بعد العرض، كيف يشعر الفريق المرهق والمتحمّس؟ يقول الكثيرون أنّ شعور الارتياح يخالجهم ولكنّهم لا يستطيعون التخفيف من حدّة انتباههم إذ بعد العرض تبدأ عمليات البيع وجلسات التصوير والعروض الصحفية.
يمكنكم القول إذاً إنّ هذه القصة لا تنتهي بل تكون أحياناً محطّ انتقاد الصحافة مع أنّ ذوي الشأن يقولون إنّ مقالات الانتقاد لا تؤثّر على المبيعات إلا بمقدار ضئيل، وأكثر المتأثرين بالصحافة السلبية هم أعضاء الفريق لا المشترين.
صالة العرض
القياس هو عملية تجربة الفستان التي يتمّ خلالها تعديل المقاسات والنقشات وإضافة الإكسسوارات أو إلغائها. وتُظهر هذه الصورة صالة عرض المصممة مع بعض الفساتين الأربعين التي اختيرت لعرض الأزياء. تشكّل فساتين كافية لملء خزانة واحدة ثمرة أشهر من العمل وهي مجموعة يجب أن ترتديها عارضات قادرات على إظهار أفضل مزاياها التصميمية وبيعها طبعاً.
التصميم - التنقيح
بحسب لغة الصحافة، يعني تنقيح النصّ تعديله ليناسب حجم الصفحة ومنحه شكلاً وإضافة عبارات وجملٍ وكلمات إليه أو حذفها منه. وقبل 36 ساعة من بدء العرض، تقوم كارولينا هيريرا وفريقها بتنقيح المجموعة.
ويعني التنقيح في هذه الحالة اختيار ترتيب عرض كلّ موديل وفستان. ويكون اختيار تصميم افتتاح العرض واختتامه حساساً لأنّه يجسّد الرسالة التي تهدف المجموعة إلى إيصالها. وقد شبّهت كارولينا هيريرا ذلك في مناسبات أخرى بتحليل مجموعة رسوم، إذ هذا عمل لا تداخله أيّ فوضى.
وقد انطلقت مسيرة عارضات كثيرة بمجرد اختيارهنّ لافتتاح عرض أزياء أو اختتامه. ولكنّ كارولينا هيريرا تنفي ادّعاء أنّها تختار دائماً العارضة الأكثر شهرة وتصرّ على أنها تختار العارضة الأفضل لكلّ تصميم.
مراجعة التصاميم
يعيد فريق كارولينا هيريرا عندئذ الاطلاع على المجموعة ويحلّل كلّ تصميم على حدة وليس على الحامل بل فيما ترتديه العارضة. ما زال ثمة 48 ساعة قبل العرض وهذه فرصة الفريق الأخيرة ليلمس الفساتين قبل العرض الأخير.
وخلال هذه المراجعة، يتمّ استبعاد تصاميم كثيرة فلا تشارك في العرض. ويكون الهدف إيجاد 40 «لحظة فريدة» تبقى في ذاكرة ضيوف العرض الـ 1200 أو أكثر. وهنا يكمن فنّ تنقيح باكورة عمل 6 أشهر.
عمليات القياس
بعد جلسة «مراجعة التصاميم»، ينفّذ الفريق تعليمات المصمّمة فيقصّون أو يضيفون أو يبدّلون ياقة أو يضيفون بروشاً أو حزاماً... ويسابق الفريق الوقت من أجل إنهاء التصاميم المختارة خلال الساعات الأخيرة التي تسبق العرض؛ ما من وقت ليضيّعه أحد. تقرّ السيدة هيريرا ببحثها عن الكمال مع كلّ تصميم وأيضاً بأنّها دائماً صاحبة القرار الأخير متى ينهي فريق ومدير التصميم تنفيذ اقتراحاتها بعد عملية مراجعة التصاميم الأخيرة.
الوصول إلى براينت بارك - الكواليس باكراً
قبل ساعات من العرض، يتبدّل جدول مواعيد كارولينا هيريرا كلّ دقيقة. ويبدأ فريقها بتحديد مقاعد الضيوف وتقام اجتماعات في الدقيقة الأخيرة. واعتاد الجميع على الظروف غير المتوقّعة إلى حدّ بات أعضاء الفريق جميعهم مدرّبين على التعامل معها بشكل فعّال.
تملأ المجموعة حوامل فساتين «الخيمة» حيث قدّمت كارولينا هيريرا مجموعتها طيلة السنوات الـ 15 الأخيرة. يتمّ تصنيف كلّ فستان ويوضّب بانتباه في تغطية شفافة بانتظار عرضه أمام الضيوف.
الماكياج وتصفيف الشعر
المظهر العامّ مهمّ بقدر الفستان والإكسسوارات ويعود الفضل فيه إلى الماكياج وتصميم الشعر. يهتمّ هذه السنة بالماكياج وتصفيف الشعر رائدان في عالم التجميل وهما فنانة الماكياج دايان كاندل ومصفّف الشعر أورلاندو بيتا.
ويقومان بذلك تحت عين كارولينا هيريرا الساهرة. أورلاندو بيتا مصفّف الشعر المفضّل عند الكثيرات من نجمات هوليوود اللواتي يتابعن بإخلاص أيضاً ماركة كارولينا هيريرا نيويورك. المصمّمة أيضاً صاحبة الكلمة الأخيرة في هذه الجلسة عند اختيار مظهر العارضات.
الإشراف على مقاعد الضيوف
الإخلاص إلى الماركة. هذا هو المقياس الذي تعتمده كارولينا هيريرا عند دعوة المشاهير إلى عرض أزيائها ولا تحبّذ ملء الصفوف الأمامية بنجمات مبهرات في كلّ مرة تشارك فيها في أسبوع الموضة في نيويورك. وتُمنح الأفضلية لمن يكونون ذوي علاقات دائمة مع ماركة كارولينا هيريرا نيويورك على غرار رينيه زيلويغر أو سلمى حايك.
هذان مجرد ضيفان من الضيوف الألف الجالسين بشكل نصف دائري حول منصّة العرض والمائتين الواقفين بسبب قلّة المقاعد. توزيع المقاعد من أهمّ ما في العرض إذ أنّ منح المقاعد للمحرّرين والمشترين لا يشكّل دائماً مهمة سهلة. ثمة صفّ أمامي واحد وأهمّية التغطية العالمية ضخمة.
ويتمّ إرسال الدعوات قبل 5 أيام من العرض ومع ذلك ينبغي القيام بتعديلات في الدقيقة الأخيرة مع أنّ المقاعد تحدّد لكلّ ضيف قبل عدّة أيام.
التفاصيل النهائية ومراجعة المظاهر
الوقت يمرّ وقبل فتح الأبواب لإدخال الضيوف، تصدح الموسيقى ويقام تمرين سير بالفساتين (بدون وضع الماكياج وتصفيف الشعر). يؤثّر أحياناً إكسسوار ما ترتيب ظهور فساتين المجموعة. إذ ليس من السهل عرض المجموعة خلال الدقائق الـ 12 المحدّدة لعرض الأزياء ولكنّ إطالة العرض قد تجعله مضجراً.
دقائق قبل العرض
تُفتح الأبواب ولا يزال ثمة نصف ساعة على البدء ومن المهمّ بمكان أن يظهر الجميع أنّ كلّ شيء تحت السيطرة لتسير الأمور على ما يرام. تلتقي كارولينا هيريرا بفريقها وتمدّهم بالحماس والهدوء. تقرّ بأنّها تضطرب دائماً قبل العروض ولكنها تحاول أن تبدو هادئة بقدر الإمكان لأنّ هذا عملها.
يبدأ الإعلاميون بالجلوس في أماكنهم وكذلك الشارون الذين يحملون دفاترهم التي سيدوّنون عليها ما ينوون شراءه، فيما يلتقط المصورون صور النجمات. دخل البعض إلى الكواليس ليظهر دعمه للمصمّمة فيما يجيب البعض الآخر على أسئلة تتعلّق بسبب شغفهم بتصاميمها.
يضع كلّ من أورلاندو بيتا ودايان كاندل اللمسات الأخيرة على الماكياج والشعر. الموسيقى على وشك أن تصدح وبدأت الأضواء تومض معلنة بدء العرض.
الشكر ومراجعة العرض
ينتهي كلّ شيء بعد 12 دقيقة. يعاني الفريق من الإرهاق العصبي كأنّ الجميع استفاق من كابوس لا ينتهي ولكنّهم راضون عن نتائج جهودهم. تخرج كارولينا هيريرا في نهاية العرض وهي ترتدي قميصها الأبيض الشهيرة.
تكتفي بكلمة «شكراً» خجولة بدون السير على منصة العرض أو الابتسام وتوزيع القبل. لا تحبّ الجلبة، لا في أعمالها ولا في علاقاتها مع الآخرين.
وتعجّ الكواليس بكاميرات التلفزيونات والمحررين المهمين والإعلاميين والمصوّرين ومسؤولي العلاقات العامة... تسلّم كارولينا هيريرا على الجميع وتحاول منحهم اهتماماً مماثلاً ولكنها دائماً تتساءل في قرارة نفسها إن كان يمكن أن تسير الأمور بشكل أفضل هذه المرة.
دبى - رشا عبد المنعم
