أبهرتها خيوط النسيج وألوانها المختلفة بالرغم من كونها طفلة لم تكمل عامها السابع. بدأت تنفذ أشكالاً فنية تصلح أن تشارك بها في معارض الأطفال، فاسترعت انتباه والدتها التي كانت تراقبها عن بعد وهي ترى أصابع ابنتها الصغيرة تجدل لوحات نسيجية غاية في الروعة والجمال، فبدأت في إرشادها وتعليمها أصول هذا الفن الذي تحول لدى صاحبته إلى هواية فريدة جعلتها أشهر هاوية لتصنيع حلي المرأة من الخيوط النسيجية.

المصرية فداء سلام، عندما سألناها عن هذه الهواية الفريدة، قالت إن فكرتها جديدة وبسيطة في الوقت نفسه، ابتكرتها من وحي خيالها فأشاد بها عشاق الموضة والجمال واعتبروها ذوقاً عالياً وفناً راقياً لم يسبقها فيه أحد، موضحة أنها استطاعت أن تنمي هوايتها في تصنيع إكسسوارات المرأة من الخيوط بالدراسة، من خلال التحاقها بكلية التربية الفنية وحصولها علي الماجستير في الكلية نفسها عام 2008 تحت عنوان «التثقيف بالفن». وبحثا من الهاوية المصرية عن التميز، سعت للجمع بين الحلي والنسيج من خلال فكرة جديدة أطلقت عليها «الحلي النسيجية المعاصرة» وتقول بأنها حاولت من خلالها فتح آفاق جديدة للنسيجيات اليدوية للخروج بها من الحيز والمفهوم التقليدي لها كسجاد أو كليم أو معلقات لتدخل في الحياة اليومية كحلي تستخدم في الزينة.

بدائل أنوال... اعتمدت الفكرة، كما تقول سلام، على إيجاد بدائل جديدة للأنوال البسيطة من البيئة المصرية والعربية وتوظيف هذه البدائل وتطويعها لتتناسب مع التقنيات النسيجية المختلفة من خلال التراث القديم الذي يمثل مصدراً أساسيًا لاستلهام الفنان المعاصر في فنونه المختلفة، أو من خلال «الفكر الحر» الذي لا يرتبط باتجاه فني بعينه، بل يعتمد على توظيف الخامات المتاحة في البيئة للخروج بالعمل الفني في أفضل صورة ممكنة حتي أخرجت سلام أول مولود حقيقي لإنتاجها فأبهر كل من شاهده في الوقت الذي كان ينظر فيه الناس إلى فن النسيج على أنه كليم أو قطع توضع على الحائط أو على الأرض، لكنها حاولت دمجه بالحياة اليومية ليكون شيئاً مهماً ضمن احتياجات المرأة، ترتديه في رقبتها أو أذنيها أو أصابعها، فغيرت نظرة الناس للنسيج واعتبروه مكملاً ذاتياً لديهم يحمل في مضمونه الطابعين المصري والعربي.

خامات بسيطة... الخامات التي تستخدمها الهاوية في تصنيع إكسسوار المرأة تعتمد على وحدات الغاب والخيش والأسلاك المعدنية والهياكل النحاسية.. فخامة الغاب تأخذ شكلاً منتظماً جنباً إلي جنب بشكل هندسي سلس وتأخذ أشكالاً مخروطة من الفن الإسلامي أيضا مثل زهرة اللوتس -منها الزهرة المغلقة والمفتوحة من المنتصف والمفتوحة بشكل كامل- وتقول سلام إن منتجاتها تلاقي إقبالاً كبيراً من الفتيات بالذات على الأشكال التي تقوم بتصميمها، بالرغم من أنها، على حد قولها، لم تعرضه كمشروع تجاري، بل هواية تبدع فيها بهدف إسعاد الناس. وعن المدة التي تستغرقها في تصنيع إكسسواراتها المصنعة من النسيج، تقول سلام إن القطعة الواحدة تأخذ منها ثلاثة أيام أو أسبوع علي الأكثر، واستطاعت في المعرض الأخير عمل 75 قطعة في 18 شهراً ولاقت نجاحاً كبيراً وأشاد بها رواد المعرض بعد أن وجدوا أن هذه النوعية من الحلي خفيفة جدًا ولا تمثل ثقلا على الرقبة أو في اليد أو في الإصبع؛ لأنها لا تزن سوى عدد قليل جداً من الجرامات وليست مكلفة ماديًا في الوقت نفسه.

وعن كيفية الحفاظ على هذه الإكسسوارات، قالت إنها مثل الإكسسوارات العادية التي يجب التعامل معها وكأنها خامة من الذهب أو البلاتين أو المعدن حيث يجب التعامل معها برفق وعدم تعريضها للماء، وعند خلعها لابد ان يكون ذلك برفق ثم تحفظ في علبة مجوهرات خاصة لتعيش فترة زمنية أطول من الحلي المعدني ويمكن وضعها في أي مكان فهي لا تأخذ مكاناً أو حجماً.

موضة

أما عن متابعتها لخطوط الموضة في هذا المجال فتقول: أتابعها باستمرار وكأنني مصممة حلي عادية، حيث أتابع بدقة كل ما هو جديد في عالم الحلي عن طريق الإنترنت والمجلات، وأحاول أن أواصل الموضة ندًا بند؛ لأن هذا فن وهذا فن.

فمثلاً وجدت في الفترة الأخيرة ظهور لون (روز غول) الذي يشبه النحاس مع دخول قماش الستان إليه وإضافة ألوان طبيعية بخامة المينا المخصصة للذهب أحدى الصيحات التى أبهرت العالم، ومن ذلك أيضاً احتلال اللون الأخضر والبرتقالي والأزرق على غرار الألوان الزيتية في الفن التشكيلي، مما جعلني أستخدم بعض الورود الزخرفية التي أضعها على الخيوط النسيجية.

وعن ألوان الموضة هذا العام، تقول أنها مستوحاة من التراث المصري القديم مثل الأحمر والقرمزي والأخضر والأزرق النيلي..أما الألوان الخاصة بالفن الإسلامي فهي عبارة عن البيجات والبنيات والأحمر الغامق والأزرق الغامق.

خبرة عاشقة الخيوط فداء سلام لم تأت من فراغ، لكنها جاءت بعد عناء سنوات طويلة من العمل والبحث المضني حتي استطاعت في النهاية أن تشارك بإبداعها في عدة معارض، منها «تعبيرات نحتية»، «رؤية حول التشكيل المعدني» ومعرض خاص بعنوان «حلي نسيجية معاصرة».

كما شاركت في الاحتفالية الماسية لرحيل رائد فن النحت المصري محمود مختار 2009 بمتحفه واحتفالية فيلاكرمة بن هانئ بعد 90 عامًالالا رؤية تشكيلية بمتحف أحمد شوقي بالاشتراك مع مركز «كرمة بن هانئ الثقافي».

تاريخ قديم

للنسيج تاريخ قديم منذ القدماء المصريين، فقد شهدت المناظر التي تزين جدران المقابر بأن مصر القديمة كانت تشتهر بإنتاج الكتان الذي صنعت منه المنسوجات المصرية القديمة. ولم يكن الكتان وحده هو الليف النسيجي المستخدم فقط، بل عثر أيضًا على منسوجات مصنوعة من صوف الأغنام وشعر الماعز وألياف النخيل والحشائش وقصب (بوحب) السلال (الغاب)..

وقد أخرجت الحفائر عدة أمثلة لمنسوجات من شعر الماعز من موقع قرية العمال بتل العمارنة والتي يرجع تاريخها إلى منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد، كما عثرعلى أمثلة شبيهة في مواقع أخرى قديمة.

ولم تكن للألياف الحيوانية الأهمية نفسها في صناعة الأقمشة، حيث لم يكن الصوف في تلك العصور مناسبًا للغزل، كما أن قدماء المصريين كانوا يعتقدون أن الصوف غير نظيف فاستخدموه فقط في صناعة الثياب الخارجية التي كانت تترك خارج المعابد.