حتى منتصف السبعينات كانت الأواني النحاسية هي الأساس في جهاز العروسين، والأدوات الأثيرة في أي بيت، بل وكانت مقياساً للثراء وللعز.

اليوم لا يمكن لأحد أن يقول إن زمن النحاس ولى رغم غزو الألمنيوم والستانلستيل لمطابخ الناس.. وهو وإن تراجع حضوره في بيوت الكثيرين، لكنه صار علامة مسجلة للفخامة والأصالة، وكأنه ملك غير متوج يعترف الجميع بأهميته دون أن يولوا له سلطات بعينها...ولكن عن أي نحاس نتكلم..؟هو النحاس المصنوع بشكل يدوي والذي تمازجت فيه عقلية الفنان بالحاجة المنزلية لتنتج أوان وتحف وسواها..تلبي الاحتياجات المنزلية وسواها، ولكنها بحد ذاتها قطعة فنية.

وصناعة النحاس اليدوي واحدة من أعرق الصناعات في دمشق، وقد أوجدت لنفسها سوقا في المدينة القديمة يستطيع المرء أن يصل إليه دون أن يسأل أحداً إذ يكفي المرء أن يتجاوز قلعة دمشق ويتتبع أصوات المطارق على النحاس ليصل إلى السوق العريق.في السوق التقينا مع محمد ياغي صاحب 31 سنة من العمل في صناعة النحاس، وفي هذا السوق ورث محمد المهنة عن والده الذي عمل في المحل ذاته الذي يعمل فيه محمد الآن بالسوق، وبحساب بسيط يقدر محمد عمر عائلته في ممارسة هذه المهنة بما يعادل الثمانين عاماً.وما بين القديم والجديد تنقل عمل محمد ففي الماضي يقول الرجل: «كنا نصنع الحلل والمناسف والكباجي والطناجر وكل الأدوات المنزلية تقريبا كانت مصنوعة من النحاس..

ولكن الطلب على تلك البضاعة المصنوعة من النحاس تراجع مع دخول الالمنيوم في صناعة الأدوات ذات الاستخدام المنزلي، ولم يعد الناس يستخدمون الأدوات النحاسية رغم فائدتها الكبيرة فهي تعطي الطبخ نكهة مختلفة، فالنساء اليوم يبتعدن عن استخدام وعاء النحاس الذي يحتاج تبيضا كل 5 : 6 أشهر، ويقبلن على استخدام أوعية الستانلستيل مما يعني ضعف مهنتنا أكثر فأكثر..لتقتصر فقط على أصحاب المطاعم والفنادق، بائعي الحلويات ..».

تراجع الطلب على الأدوات المنزلية النحاسية، بحسب السيد محمد، رافقه تطور في الجانب الفني للمهنة فقد «دخل عليها الحفر والزخارف»، ولكن الرجل أشار إلى أن الطلب زاد على بضاعتنا لصالح التجهيزات الفندقية وأغلب البضاعة المطلوبة هي تلك التي تعود للتراث القديم.

حيث تقوم عدد من الفنادق بتجهيز أغلب أدواتها من النحاس المصنع على الطريقة القديمة ولكن بمواصفات جديدة من حيث السماكة، ولفت إلى أن لدينا طلبيات لخارج القطر يتفقون معنا عليها بشكل مباشر..، هكذا بدأ جزء كبير من بضاعتنا يغادر المطابخ التي كان يدخلها كإوان للطعام والطبخ والشرب لينتقل إلى المتاحف كصناعة تراثية.

بخبرة 31 عاماً يحدثنا محمد عن أسرار مهنته، فيؤكد بداية أن لكل قطعة وقتا وزمنا في التصنيع تختلف عن القطعة الأخرى، ولكل منها مقدارها من الجهد في الصناعة، أما بالنسبة للمردود المادي من صناعته، فيؤكد المعلم محمد بأنه «مازال جيدا»، لافتاً إلى أنه يتحكم بكمية المردود مستوى الحرفة والدقة بالصنع، شارحاً الأمر بالقول: في كل المصالح هناك يد تختلف عن يد، وفي مهنتنا نحّاس عن نحّاس يختلف بتمكنه من مهنته..

ولا يخفي الرجل رغبته في هذا السياق أن يكون هناك مباريات مهنية بين صنّاع النحاس لتشجيع المهنة وإبراز اليد الأمهر بينهم لعل هذه المنافسة تعيد وتطور المهنة وتبعد بعض الأيدي الدخيلة عليها من أجل الحفاظ عليها وعلى سمعة صانعيها.

ويؤكد المعلم محمد على معلوماته السابقة قائلاً: لدينا صناع مختصون ومهرة، ولكن عددهم قليل لا يتجاوز العشرين أو أكثر من ذلك بقليل، وكل واحد من هؤلاء الصناع يبرع بنوع محدد من صناعة النحاس حتى بات مختصاً به وقد طوره وأبدع في صناعته وصانه وحافظ عليه حتى عرف هذا النوع باسمه.

ويتساءل المعلم محمد عن سبب عدم تطوير سوق النحاسين الموجود في دمشق القديمة وتحويله إلى سوق تراثي مرموق جميل يجول فيه الزوار والسياح فالنحاسيات مصلحة تراثية ونادرة.

بالنسبة لمحدثنا محمد ياغي وطبيعة علاقته بالمهنة فهو كما يقول: أعتمد على الزخارف الجديدة باستمرار وأبحث عن الرسومات حتى عن طريق الانترنت من رسومات تاريخية كتدمر ورأس شمرا واوغاريت وقلعة بعلبك.. وأعود لأشكل رسوماتي الخاصة حيث أمزج الجديد بالقديم..بعدها أقوم بتنزيل تلك الزخارف والرسوم على مصنوعاتي النحاسية، وأقوم بتعديلها من وقت إلى آخر باستخدام الكمبيوتر وبمساعدة أولادي أحياناً.

النحاس الأحمر هو المادة الأساسية في عمل السيد محمد ياغي، يقوم بإحضاره من حمص وحلب.. ويعاود تصنيعه في محله حسب الطلب، أما طريقة التنفيذ فتتم من خلال مطارق متنوعة، وبحسب السيد محمد فإن لكل مطرق ضربة وخطا معينا.

وبالتالي فإن لكل رسم أدوات ومطارق ولا تقتصر بضاعة محمد ياغي على النحاس الخالص فأحياناً ننزل على جسم القطعة النحاسية الخيوط الفضية أو الذهبية حسب الطلب، وهناك مختصون بالتنزيل نبعث بالقطعة النحاسية لهم من اجل تزيينها.

بحسب المعلم محمد فإن لكل مصلحة مشاكلها، ونحن مصلحتنا فقيرة وبحاجة للتشجيع وخصوصا في الأزمات، وفي الدول الأجنبية يدعمون الصناعات الكبيرة خوفا عليها من الانهيار فما بالك بصناعة تراثية مثل النحاس ويشير المعلم محمد إلى أن هناك مشكلة أخرى نعاني منها فالنحاس في بلدنا له قيمة وهو من أفضل أنواع النحاس بالعالم ومطواع بيد الصانع وهو صناعة محلية ولكنه يخرج بكميات كبيرة خارج البلد وهو غير مصنع مما يزيد سعره بالسوق الداخلية مما يزيد معاناتنا.

على صعيد العلاقة الشخصية مع المهنة ، يؤكد محمد أني أحب عملي واليوم الذي لا أعمل فيه اشعر بالتعب فروحي معلقة بهذه المهنة، وبحسها الفني..

دمشق ـ ماهر منصور