مثل معظم الأعمال الفنية الكبيرة، يأتي فيلم »أجورا« الذي يعرض حاليا في صالات السينما بالإمارات، متعدد المستويات والدلالات ولا يتضمن مغزى ضيقا محدودا بقدر ما يعبر عن رؤية خاصة للوجود الإنساني.

ويعطي للنقاد فرصة لتفسيره برؤى قد تقترب أو تبتعد عن بعضها، ولكنها في النهاية تساهم في إثراء هذا العمل السينمائي الهام والذي تم عرضه في مهرجان كان السينمائي الدولي في دورته 62 خارج المسابقة الرسمية، ووجد استقبالا رائعا من النقاد والجمهور.»أجورا« أحدث أفلام السيناريست والمخرج والموسيقي الاسباني إليخاندرو أمينابار الذي حاز العديد من الجوائز في مهرجانات أوروبية وأمريكية، وهو مخرج فيلم الرعب الشهير »الآخرون« الذي قامت ببطولته قبل عدة سنوات نيكول كيدمانوالعمل الجديد بطولة راشيل ويز وماكس مينجيلا وأوسكار إيزاك وأشرف برهوم وسامى سمير، وقد تم الاستعانة بمجاميع هائلة من الكومبارس وهو من الأعمال الضخمة تجاوزت ميزانيته الخمسين مليون يورو.

وقد جرى تصويره في جزيرة مالطا، حيث شيدت ديكورات هائلة لمدينة الإسكندرية القديمة التي كانت العاصمة الثانية للإمبراطورية الرومانية في تلك الفترة، بفنارها الشهير، ومكتبتها التي اعتبرت مهد العلم والمعرفة في العالم القديم، ولم يفلح الإبهار التقني واستخدامات الجرافيك في إخفاء أخطاء فادحة للديكورات .حيث وضعت أعمدة معابد الأقصر والكرنك بتفاصيلهما الباقية ومعهما طريق الأكباش ومسلات عديدة على شاطئ الإسكندرية في خليط من عمارة فرعونية وتماثيل إغريقية وملابس رومانية، تثير الجدل حول النقل الحرفي لتلك الفترة.

هوية الفيلم الاسبانية لا تتنافى مع حقيقة أنه فيلم عالمي بكل معنى الكلمة، فهو ناطق بالانجليزية وأحداثه تدور في مدينة الإسكندرية خلال الهيمنة الرومانية في القرن الرابع الميلادي حين كانت تلك المدينة الساحلية تضم بين سكانها خليطا من الهويات والأديان والجنسيات ـ وكلمة »أجورا« يونانية تعني الساحة العامة أو مكان التجمع حيث السوق وحيث مركز الحياة الاجتماعية والسياسية ـ تلك المرحلة التي شهدت صعود المسيحية بعد فترة اضطهاد اتسمت بصراعات عنيفة بين المتزمتين وأصحاب الأحزاب من مختلف الطوائف والأديان.

وعلى مدى ساعتين و6 دقائق يقدم الفيلم ملحمة بصرية مكتملة العناصر توحي بقوة العمل وأهميته منذ لحظاته الأولى، ويستعرض في مشاهد تمثيلية إبداع الأداء الذي تميز حتى المجاميع الكبيرة التي تعطي إحساسا بالمهابة والجدية، فضلا عن عناصر الموسيقى والمشاهد التي تستحضر خصوصية العصر وروحه.

أصداء الفكرة الأساسية للفيلم معاصرة وتعكس واقع ما هو معاش حاليا في ظل التعصب الديني والعنف الطائفي الذي يرفض التعايش مع الآخر، وينبذ المرأة ويستبعد دورها ويعمل على تهميشه، ويحتقر العلم بدعوى تعارضه مع الدين، وغير ذلك من الأفكار التي تتسق مع ما يحدث في عالمنا الحاضر.

ويركز الفيلم على هيباتيا ابنة رئيس مكتبة الإسكندرية العالم الكبير »ثيوس« الذي يكن له الجميع الاحترام والتقدير، باعتبارها رمزا للحكمة والتسامح، فهي عالمة الفلك والرياضيات والفيلسوفة الشهيرة التي اعتبرت الأم الروحية للعلوم الطبيعية الحديثة من خلال استعراض أبحاثها المتعلقة بوضع الإنسان في الكون، وموضع كوكب الأرض بالنسبة للشمس، وهل الأرض كروية أم مسطحة، وما الذي يبقي الأرض سابحة في الفضاء.

في الوقت نفسه تصور الأحداث علاقتها بشخصية »أوريستوس« الروماني الذي يتدرج في السلك العسكري والسياسي إلى أن يصبح الحاكم الفعلي للمدينة وممثل الإمبراطور الروماني بعد انشقاق الإمبراطورية وإشرافها على التفكك، مفسحة الطريق لنظام عالمي جديد مع انتشار المسيحية.

ومن جهة أخرى هناك أيضا »دافوس« العبد الذي يتحول تدريجيا إلى اعتناق المسيحية، وتمنحه هيباتيا حريته، لينطلق وينضم إلى الجماعات المتطرفة التي يقودها رجل الدين »أمونيوس«، يقوم بدوره أشرف برهوم الممثل الفلسطيني في فيلم »الجنة الآن«.

يحرض »أمونيوس« على الاستيلاء على معابد الرومان والإغريق إلى أن نصل إلى اقتحام مكتبة الإسكندرية من جانب الجماعات المهووسة بالدين كما يصورها الفيلم، حيث تأخذ في هدم وتدمير المحتويات بدعوى أنها تنتمي إلى التراث الوثني، وتهدم التماثيل وتسقط الرموز الفنية وتحرق الوثائق والأبحاث العلمية والخرائط.

بعد ذلك يبرز دور الأسقف »سيرل« وتتصاعد الدعوة إلى ضرورة الفتك باليهود المقيمين في الإسكندرية والتنكيل بهم وهو ما يصوره الفيلم في مشاهد هائلة، تحطيم المحلات التجارية والاستيلاء على أموال اليهود ونهب بيوتهم ثم قتلهم، فيما يصرخ كبير الحاخامات: »لو لم يكن اليهود لما كنتم أنتم أيها المسيحيون.. لقد كان المسيح يهوديا«!

ومع اشتعال حمى رفض الآخر والفتك بكل من يختلف مع »الجماعات« التي تدعي احتكار الحقيقة المطلقة، تتجه دعوة الأسقف سيرل إلى منع الاستماع للنساء، بل وحظر بروز المرأة في المجتمع والعمل على إعادتها للمنزل، وحظر اشتغال المرأة بالفكر أو التدريس، بل والتحريض على قتل هيباتيا باعتبارها »وثنية« معادية للديانة الجديدة رغم دفاعها عن حق الآخرين في الاعتقاد كما يشاءون.

ولا يصور الفيلم النهاية الحقيقية التي انتهت إليها هيباتيا في الواقع كما تحفظ كتب التاريخ، أي تمزيق جسدها ثم حرق أشلائه، بل نرى عبدها السابق فيلادافوسلالا الذي يكن لها حبا ممزوجا بالاشتهاء، وهو يحتضنها بقوة ثم يقوم بخنقها بينما هو يتمزق ألما وحسرة عليها، حتى يجنبها مصيرها البشع المحتوم بالرجم.

دبي ـ أسامة عسل