لا تعرف بياتريس روغيري شيئاً عن دبي. السيدة من ميلانو، وهي اليوم ليست على قيد الحياة، لكن أثرها باق. هنا، في (سوق البحار)، في المنطقة التي يتوسطها أعلى برج في العالم، (برج خليفة)، يحمل مطعم ايطالي اسم السيدة: «باتشي»، اسمها الذي كان الأصدقاء والأهل ينادونها به، وهي بعد صغيرة، لا تعرف الكثير عن الدنيا باستثناء حبها الطعام والضيافة.
هذا الإغواء، الذي يليق بالنساء الطيبات، بربات المنازل، هو الذي أثمر عن شبكة عالمية تحمل اسمها، ويقرأه محبو الطعام الايطالي، والأكل الأنيق، في سيئول ومدريد وولايات أميركا ودبي. 1926، ميلانو، ايطاليا مشغولة السيدة «بيتشي» بكل تلك الجلسات بين الأهل والأصدقاء. يتوافدون على بيتها الصغير، يعاينون المطبخ، يناظرون غرفة المعيشة، ويطلبون منها أن تقتنع بأن الوقت قد حان، لكي توضب طاولة في مطبخها، وتحولها الى ركن الضيافة الصغير: «طعامك رائع، وصفاتك غير تقليدية.. ماذا تنتظرين، سنمد لك يد المساعدة»، يقولون، وتفكر: هل هو الوقت المناسب.
تبدو السيدة بيتشي مشغولة دوماً، كما ميلانو وايطاليا التي كانت في تلك السنة تحتفل بحصول راكب الدراجة الشهير جيوفاني برونير على جائزة الـ «جيرو ديطاليا» للمرة الثالثة، بعد تمكنه من قطع 3429 كيلو متراً على دراجته، من دون انقطاع. تلك السنة، شهدت ايطاليا أيضاً احتفالات سباق السيارات.
وهي السنة التي عرض فيها الفيلم الدرامي «الأيام الأخيرة لبومبيي» Gli ultimi giorni di Pompei. وهي السنة ذاتها، التي وقفت في إحدى لياليها سيدة ميلانو في مطبخها، في وقت متأخر من الليل، وقالت: «حسناً، قبلت. سأجعل أهل ميلانو يأكلون من طعامي».
2010، دبي، الإمارات
يتوافد الناس من كل حدب وصوب الى ذلك المطعم في «سوق البحار». اسمه «بيتشي ماري» Bice mare، وهو أول مطاعم السلسلة الإيطالية الشهيرة الذي يقدم المطبخ الايطالي مجبولاً بالمأكولات البحرية.
الزبائن يريدون أن يجلسوا على الشرفة الخارجية التي تطل على «برج خليفة» ويستمتعوا بعروضات الموسيقى والضوء للنافورة العملاقة. وجوههم تشي بأنهم من كل مكان.
بعهضهم أكل في هذا المطعم في مدن أخرى، من نيويورك وشيكاغو الى بوينس أيريس وسنغافورة وامستردام واسطنبول، وصولاً الى المطعم الذي يحمل الاسم ذاته والموجود منذ سنوات في فندق (هيلتون جميرا).. بعضهم يأتي للمرة الأولى، ويطرح الكثير من الأسئلة على مدير المطعم كفافكا بوتشيارللي، الذي يشارك البعض ممن يعرفون أن اسمه كما اسم الشاعر العالمي الشهير بقصة شخصية:
«أمي اختارت لي هذا الاسم، وحتى اليوم، لم أقابل في حياتي سوى شخص واحد يحمله..»، يهم بأن يكمل، لكن الازدحام يشتد. الناس يريدون، جميعاً، طاولة على الشرفة الخارجية.
«ليت هذا المكان أكثر اتساعاً»، تقول سيدة ميلانو، وهي تنظر الى الطاولة الصغيرة المرتبة، الى جانب المطبخ. لقد اضحت اليوم جدة، والحفيد رفيال روجيري، اين روبرتو روغيري، لا يزال في السابعة من عمره، وينبهر كلما جاء الضيوف وجلسوا على طاولة «الجدة بيتشي».
سيقول لاحقاً، بعد مرور أكثر من ربع قرن، وهو يتحدث عن التأثر الذي جعله يمسك زمام أعمال تطور الشركة عن والده:
«كنت مفتوناً بتلك الطاولة السحرية، وبجدتي، وبكل أولئك المشاهير الذين كانوا يأتون من آخر الدنيا، يقطعون كل تلك المسافات، من أجل أن يجربوا طعامها. كانت خلطاتها غير مألوفة، كلاسيكية ومبتكرة في الوقت ذاته.
وهو الأمر الذي وضعته في بالي، في كل مرة كنت أفتتح فيها فرعاً جديداً للمطاعم حول العالم». تعلم رفيال الدرس جيداً، وأخذ عن جدته موهبة الابتكار.
في بداية تسعينات القرن الماضي، حين اجتاحت عولمة الانترنت بيوت الناس، من المكسيك الى جدة، واقتحمت أجهزة الكمبيوتر كل الأمكنة، حتى غرف الطعام والمقاهي، كان على رفيال أن يخرج بفكرة جديدة، تواكب العصر.
وتحمل أيضاً اسم (بيتشي كافيه ميد). افتتح الفرع الأول في ميامي في العام 1992، وسريعاً ذاع صيته بين رواد المقاهي من الشباب تحديداً: «هيا بنا الى بيتزا سريعة مع انترنت»، يقولون قبل أن يسترخوا على مقاعد المقهى الذي بات من علامات العصر.
لكن قبل الحديث عن انجازات الحفيد، لا يمكن اغفال دور المؤسسين، وفي طليعتهم روبرتو الذي، بفضل جهوده، توسعت شبكات المطاعم، وخرجت من ميلانو الى سردينيا في باديء الأمر، ومن ثم الى نيويورك في العام 1987 في «شارع 54، ايست» بين ماديسون وفيفث افنيو.
كان هذا الفرع فاتحة خير، وانتشرت مطاعم الشبكة في أميركا معلنة عصراً جديداً للمطعم الايطالي الذي يمزج التقليدية مع الحداثة. وهو ما سعت اليه دوما سيدة من ميلانو، يأكل الناس في مطعم يحمل اسمها اليوم في (سوق البحار) في دبي.
دبي- «الحواس الخمس»

