حين كتب الروائي الإنجليزي هربرت جورج ويلز رواية «آلة الزمن» عام 1895م التي تصور اختراع آلة قادرة على الانتقال بالإنسان عبر الأزمنة ماضيها ومستقبلها، فإنه فاق أحلام أبناء جيله، وبعيداً عن القدرة للرحيل إلى المستقبل؛ فإن الكثير منا تشدهم حكايات الزمن والماضي وأسراره وحياة الناس فيه.
فماذا لو أتيح لك أن ترحل عبر الأزمنة الماضية منذ 5 آلاف سنة وحتى اليوم من دون أن تكلف نفسك سوى عناء زيارة متحف عاشق التاريخ الدكتور الإماراتي أحمد خوري الذي تحتضنه العاصمة أبوظبي؛ «الحواس الخمس» كان له هذه الجولة في أرجاء المتحف الذي يقع في منزل خوري في الخالدية ليرحل عبر التاريخ مع أكثر من 6500 قطعة أثرية نفيسة من مختلف الأزمنة والأمكنة عدا آلاف المسكوكات والطوابع النادرة.تعود رحلة الدكتور خوري مع الآثار والتاريخ والتحف إلى الأعوام الأولى في حياته، ولا يزال يتذكر جيداً أول راتب تقاضاه من شركة أدكو عام 1967م ويبلغ 271 روبية .
وهو في سن الرابعة عشرة من عمره وكيف اتجه آنذاك صوب مطعم «الفريج» الذي كان شبيهاً بمنتدى وسوق للتداول لشراء عملات وقطع أثرية وطوابع نادرة كان يتداولها البعض. ويتذكر خوري -الذي يشغل حالياً منصباً إدارياً مرموقاً في أدكو- لحظات لقائه الأول بالمغفور له بإذن الله الشيخ زايد وكيف أنه، رحمه الله، شجعه وحثه على مواصلة دراسته حتى نال أعلى الشهادات من الجامعات العالمية، ويضيف خوري: «لن أنفك عن القول إن جميع ما وصلت إليه دراسياً واجتماعياً وسعيي لاستبطان خطوط التاريخ عبر القطع التي أجمعها؛ كان كل ذلك بفضل الله وتوجيه زايد الخير الذي لن أنسى فضله ما حييت».
تتنوع مقتنيات المتحف من حيث الصنف والمصدر التاريخي، ففي مجال العملات والمسكوكات يقارب العدد 2000 قطعة أقدمها يعود لحوالي 700 ق.م وهي مسكوكة في مملكة عيلام بين العراق وإيران ومسكوكات تعود لفترة حكم داريوش الأول 470 ق.م التي تعتبر نادرة في عالم العملات.
ومن العملات النادرة أيضاً تلك العملات التي سكت أيام الحاكم الأموي معاوية بن أبي سفيان سنة 41 هـ وهي مسكوكة على الصور الساسانية والرومية المعروفة آنذاك، ومن بين أندر القطع هي الدنانير التي سكها القائد المهلب بن أبي صفرة في خراسان، أما الأندر بين جميع العملات فهو الدينار الإسلامي المسكوك في البصرة 77 هـ على أيام عبد الملك بن مروان، إضافة لدنانير أموية وعباسية وعثمانية نادرة.
أما الجزء الأقدم تاريخياً في متحف خوري فهو يضم مجموعة من الأختام الأسطوانية السومرية التي تعود للألف الثالث قبل الميلاد وهي تقرب من 100 ختم نادر، وضم الدكتور خوري إلى هذا القسم مؤخراً آنية فخارية تعود إلى سلالات الحكم السومري الأولى في الألف الرابع قبل الميلاد وتبلغ قيمتها ما يقارب 50 ألف دولار أميركي وعقدٍ من الأحجار يعود إلى حضارة وادي سند التي كانت موجودة في عام 2500 ق.م، ومجاميع أخرى من الآثار القديمة.
ورغم عشقه لمجاميعه من التحف التي تقارب 12 مجموعة؛ إلا أن حسرة وحزناً يلف كلمات الدكتور خوري، فهو قد أفنى ما يزيد على 4 عقود من الزمن في جمعها والبحث عنها في مزادات وأسواق العالم ومع ذلك فان المكان بات يضيق بهذه التحف والآثار النفيسة، فمساحة منزله لا تسمح بعرضها جميعاً ويقول متهكماً: «لقد وصلت صناديق التحف إلى قرب سرير نومي .
ولم يعد المكان يتسع لها، وكلي أمل ورجاء أن تلتفت الجهات المعنية في أبوظبي لتخصيص مكان لعرضها، لأني أعتقد أن هذه النفائس هي ملك للبشرية وما يفرحني حقاً هو أن يطلع الناس عليها، وأنا والعديد من جامعي ومقتني التحف والآثار بانتظار إنجاز المنطقة الثقافية والسياحية ومنطقة المتاحف في السعديات عسى أن تكون بذرة أمل لتحقيق حلمي بإيجاد مكان خاص لعرض المقتنيات».
من بين المجاميع المهمة التي يحتفظ بها خوري هي الحلي الفضية الخليجية التي يعود بعضها إلى قرون من الزمن ومنها قلادة للعنق يبلغ وزنها 200,1 غرام وغطاء للرأس من الفضة يعود لعام 1868م .
وكان ملكاَ شخصياً أميرة زنجبار سلامة بنت سعيد بن سلطان، يقول خوري عن هذه المجموعة: ما يميزها هو جودة صناعتها فهي مصاغة من فضة ماري تيريزا .
وهي ذات نقاوة عالية جداً، وقد عرضت بعضاً من هذه المجموعة في معرض تراثنا في كليات التقنية العليا في أبوظبي، ونال إشادة معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، حيث قدم لي معاليه شهادة تقدير، ومن أبرز ما عرضت يومها أبواب خشبية قديمة وسيوف ومدافع يعود بعضها إلى القرن الخامس عشر ومجموعة من البنادق أقدمها يعود إلى 280 سنة مضت.
ومن أبرز الوثائق التي أحتفظ بها نسخ تجارية بتوقيع الشيخ زايد الكبير قبل ما يقرب من 120 عاماً، بينما يبلغ عدد سيوف مجموعتي 60 سيفاً بتواريخ وأشكال مختلفة بعضها سيوف عباسية وصفوية وعثمانية، كما يوجد ضمن مجموعة التراث الخليجي أدوات لؤلؤ متكاملة وتبلغ 20 ميزاناً بأدواتها، ومجموعة من المكاحل الفضية وأساور من الفضة.
وأتمنى أن أعرض هذه المجموعة تحديداً في الجامعات والمدارس الإماراتية ليطلع الجيل الحالي على حياة أجدادهم في الإمارات والخليج، ولا أبالغ إن قلت ان الحياة الحديثة بما تحمله من سرعة وتكنولوجيا ومسارات اجتماعية غير عادية قد تركت أثرها في الأجيال الحالية وسلختهم عن أصولهم وجذورهم.
تبلغ القيمة التقديرية لمقتنيات أحمد خوري ما يقرب من 3 ملايين دولار، أما أغلى القطع فيه فهي خوذة تعود للعصر الصفوي اشتراها في السبعينات بمبلغ 50 ألف درهم بينما قيمتها الحالية تبلغ حوالي 500 ألف درهم، أما الموقف الذي لن ينساه الدكتور خوري فيسجله بالتالي:
«افتتحت في التسعينات متجرا لبيع وشراء التحف، وقد كان يتردد علي أحد الأشخاص، وعرضت يومها خوذتين صفويتين كبيرة وصغيرة، فاشترى مني الصغيرة بمبلغ 35 ألف درهم، ووقفت مندهشاً لشرائه الصغيرة دون الكبيرة لأني كنت أظن الكبيرة أغلى، وبعد الشراء أخبرني بأن الصغرى تخص أمير صفوي وجد صورتها في إحدى الكتب المتخصصة ويبلغ سعرها أضعاف المبلغ الذي اشتراها به.
بينما الكبرى متوفرة بكثرة في الأسواق، فندمت على ذلك وأغلقت المتجر وقررت عدم بيع أي قطعة مهما كلف الأمر، أما الموقف الآخر يتعلق بحادثة غش وقعت فيها على يد أحد المحتالين حين أقنعني بشراء دينار إسلامي ذهبي يعود للعصر الأموي وتبين لاحقاً أنه مغشوش ومطلي بالذهب، وكان ذلك منذ سنوات طويلة، أما الآن فقد وفرت لنفسي مجموعة كبيرة من المراجع التاريخية في مختلف المجالات.
كما أن لي أصدقاء من مختلف دول العالم هم بمثابة مستشارين في التقييم، ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين، وقد زادت خبرتي في التحف والآثار ومكنتني زياراتي المتكررة لمصر وبريطانيا وفرنسا ودول الخليج وبورما وشرق آسيا والصين من الإطلاع الدقيق على المجال».



