هي ليست القراءة الوحيدة التي قدمت لنص الكاتب الكبير ممدوح عدوان الذي حمل عنوان «الزبال» ولكنها إحدى تلك القراءات التي يؤمل ان تكون قريبة الصلة من واقع عربي معاصر ومن حال ألمح إليها النص الأصلي مرارا وتكرارا حمل إعادة تقديمها من جديد المسرحي الأردني حاتم السيد، الذي حققه عدوان في فترة الثمانينات من القرن الماضي، وليقدم بكثرة على خشبات المسارح العربية ولا سيما السورية واللبنانية وثمة عرض قدم في تونس يحمل عنوان «الزبال» وقد عرض بصيغة مونودراما تجريبية إلى جانب الاعتماد على التقنيات، بالإضافة إلى عرض الفنان اللبناني رفيق علي أحمد الذي عرف بأنه أشهر من قدم عروض المونودراما في العالم العربي.

وتنتمي مسرحية الزبال إلى المسرح الذي يحمل في طياته ملامح من الكوميديا السوداء التي تجعل المشاهدين في حالة تعاطف مع الشخصية التي يشاهدونها أمامهم وقد بدأت تتنقل بين مصائر مختلفة فيها الكوميدي والتراجيدي، ولعل الكاتب الراحل ممدوح عدوان احد ابرع الكتاب العرب في صياغة المونودراما الذي يعتبر بدوره احد أصعب الفنون الإبداعية صياغة وكتابة، نظرا لأن الخيط الفاصل في هذا النوع من العروض يرتبط بخط فاصل بين المتعة والفائدة من جهة وبين الملل من جهة ثانية، ومن جهة ثانية كان ممدوح عدوان سباقا بين أقرانه كتب للمسرح لإدخال اللغة الثالثة في متن نصوصه المسرحية التي تنطوي على الدخول في عمق الحياة وتقديمها بطريقة تليق بها، لا سيما وأن المونودراما وحسب تعريف عدوان لها هي فن يلتصق بقاع المجتمعات ويتجرأ على الخوض بالتفاصيل دون أدنى رقابة ودون حرمان المشاهد من متعة وفائدة المشاركة.

والزبال هي مفردة حياتية شعبية، غالبا ما تستخدم لتدل على واحدة من المهن التي يقوم بعض الأشخاص الذين لا يحتاجون إلى كفاءة ما من خلال أدائها وبالتالي فإن الكاتب الراحل ممدوح عدوان لعب على الجانب العفوي في شخصية الزبال والتي من خلالها يحقق إسقاطات من خلال وجهة نظره إزاء ما يحدث من خلال هذه الخشبة وعلى خشبات مسارح العالم الواقعية كافة، وحاتم السيد يعرض هنا في قراءته الثانية لهذا العرض القادم من الأردن ضمن فعاليات مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما ليقول كلمة بحق نص لا يزال يحظى بتأويلات كثيرة ويتسع مداه ليشمل أحاديث وقصصا تحدث اليوم على قارعة الطريق، وحسب كلام الفنان حاتم السيد لنا فإن الزبال يقدم رصدا متحولا للواقع العربي ولكن ثمة ما يجعل من هذا الزبال زبال القرن الـ 21 بعد ان قدم مشاهدات واقتراحات فكرية وفنية في القرن الماضي وفي عدة دول عربية أيضا، ومفهوم الزبالة وطبيعة عملها اختلف كما ان الزبالة اختلفت وبالتالي التنظيف والتخلص من الأوساخ يتيح للخيال مزيدا من الجرأة في التعاطي مع المفهوم المستقبلي لهذه المهنة، وفي كل الأحوال عودة الزبال بهذه الطريقة هي رغبة منه في الإفادة من طاقة الممثل الأردني القدير عبد الكامل الخلايلة محاولا استلهام قيم النص الأصلية.

ويعترف السيد الذي سبق وقدم نص الزبال قبل نحو 19 عاما من الآن في قراءة أولى له، أن الزبال الذي قدّمه في العام 1992 ليس هو زبال العام 2009، ولم يكن الخلايلة نفسه الفنان ناصر عمر الذي أدى النسخة الأولى من عرض السيد المعاد إخراجه. عرض الزبال أحد العروض العربية المشاركة في مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما والعرض بهذه المشاركة يحقق حضورا للأردن في الدورة الرابعة للمهرجان ، وبالإضافة الى ان وفدا أردنيا يعتبر الأكبر يشارك هذا العام في المهرجان ويصل عدد الفنانين المشاركين من الأردن حوالي العشرة، شخصية الزبال إجمالاً من الشخصيات الحميمة والغنية التي يفضلها المخرجون سواء في السينما أو الدراما التلفزيونية أو المسرح، وهي شخصية تغري دائماً بتناول جديد ومختلف.

والجدير ذكره أن التجربة الأولى التي قدمها السيد عام 1992 حصدت الكثير من الجوائز حينما عرضت وقد قدمت لاكثر من مئة عرض متواصل داخل الاردن وخارجها ويحكي أنها تعرضت لظروف أوقفت عروضها قبل الأوان رغم أنها كانت مطلوبة في العديد من المهرجانات العربية والأجنبية، وهي بمجملها ظروف تتعلق ببطل المسرحية آنذاك ناصر عمر الذي لم تسمح له أمور خاصة به بالسفر.

ويؤكد المخرج السيد إلى أنه سعى ألا يكرر نفسه في حياته، كاشفا إلى أنه يعيد إخراج المسرحية لأسباب عدة ومختلفة، مشيرا إلى أنه يجدها فرصة للتغيير والتجريب والتجديد والتنقل بين المذاهب والمدارس الفنية المختلفة.

وحاتم السيد صاحب تجربة كبيرة في الاخراج حيث قدم للمسرح الاردني حوالي العشرين عملا وشارك في العديد من المهرجانات المسرحية العربية وهو عضو مؤسس لاتحاد المسرحيين العرب، وعضو لجان تحكيم لمهرجانات عربية ودولية مثل مهرجان قرطاج والملتقى العلمي للمسرح ومهرجان الكويت المسرحي ومهرجان الطفل بالسويس ومهرجان سلطنة عمان ومهرجان بغداد المسرحي.

بطل المسرحية الفنان عبد الكامل الخلايلة عضو مؤسس لفرقة الفوانيس وحاصل على جائزة أفضل ممثل عن دوره بمسرحية بكالوريوس في حكم الشعوب العام 91 في مهرجان المسرح الأردني الأول بالإضافة إلى العديد من الجوائز الأخرى.

دبي - جمال آدم