بالرغم من تقدم فتى الشاشة الأول محمود ياسين في العمر فإنه مازال يتميز بحيوية الشباب وعزم الرجال، ليس على الجانب الفني فقط وإنما على الجانب الإنساني والاجتماعي فلا يترك مناسبة إلا ويشارك فيها.. تراه في الندوات الثقافية والتوعوية والخيرية التي تهم المواطن المصري والعربي، والى جانب ذلك مشغول بهموم السينما والمسرح والتليفزيون..
نبدأ من حيث اهتماماته بالأعمال الخيرية، فقال: أنا من مواليد بورسعيد وعشت بها سنوات الطفولة والصبا.. وقد عانت تلك المدينة الجميلة قسوة الحروب التي خلفت مآسي إنسانية، وبعد انتهاء الحرب في تلك المدينة الباسلة تنامى لدي الاهتمام بالمشاركة في الأعمال والمساهمات الخيرية لتقديم العون لضحايا الظروف الطارئة مثل الكوارث والزلازل وما تخلفه الحروب من آثار مدمرة.. وبعد دخولي المجال الفني أسست مع مجموعة من أصدقائي جمعية خيرية تطوعية منذ ما يقرب من ربع قرن تقريبا ومن بين أنشطتها تخصيص إيرادات الفنانين الأعضاء الذين قرروا المشاركة بأجورهم كاملة لتحقيق أهداف الجمعية من تأهيل لبعض المدارس والمستشفيات في محافظة الجيزة.
* هل لهذا علاقة باختيارك سفيراً للجوع من قبل الأمم المتحدة؟ ـ فوجئت عام 2004 بترشيحي لهذا المنصب المهم من برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، حيث عرضوا عليَّ العمل سفيرا للنوايا الحسنة لدعم عمل منظمتهم ولم أتردد لحظة واحدة في الموافقة بعد أن قرأت القليل عن نشاط هذا البرنامج الذي يوفر رغم ضآلته إمكانياته والاحتياجات الأساسية من الغذاء لضحايا الكوارث الطبيعية والصراعات ووافقت على التحدث باسم البرنامج في جميع المحافل الإقليمية والدولية والمحلية في محاولة للحد من ظاهرة الجوع التي تأخذ في التفاقم يوما بعد يوم بسبب العديد من العوامل التي لم تكن الحروب سبباً رئيسياً فيها.
* تقصد أن الجوع أحد نتائج الفقر المدقع في المجتمعات المختلفة.. ـ اعتقد أنه من أسباب الفقر ومن نتائجه أيضا. وإذا لم ينجح العالم الذي نعيش فيه في استئصال الجوع والفقر فلن نتمتع أبدا بالسلام والاستقرار في جميع المجتمعات.. فليس جميع الجوعي في الشرق والغرب ضحايا حروب أو كوارث طبيعية لكنهم في حقيقة الأمر ضحايا أخطاء بشرية نتجت بسببها أزمات اقتصادية عصفت بالفقراء وألقت بهم على حافة المجاعة. * بعيدا عن العمل الاجتماعي.. ماذا أضافت السينما للرأي العام العربي؟ ـ السينما صناعة وثقافة عريقة ينمو تاريخها لأكثر من نصف قرن من الزمان صنعت الرأي العام العربي بفضل أكاديمية الفنون التي تأسست منذ أكثر من نصف قرن لتعليم التمثيل والمسرح والباليه، حيث اهتمت الدولة بدعم تلك الصناعة العامة والحفاظ على التراث الحضاري والثقافي والتاريخي وإن كان من أبرزها قرارات صفوت الشريف وزير الإعلام السابق بالحفاظ على معمل السينما المصري باعتباره أساس صناعتها.
ما توصيفك للسينما في الوقت الحالي بعد الأزمات المتلاحقة من إنفلونزا الدواجن مرورا بالخنازير والماعز والأزمة الاقتصادية؟
السينما الحالية سواء بتلك الأزمات أو بدونها اعتبرها فاشلة فشلاً ذريعا وليس في مصر وحدها، لكن في معظم دول العالم بعد أن ارتفعت الأجور بصورة مبالغ فيها وبدأ عصر التقدم التكنولوجي وعصر القرصنة وسرقة الأعمال قبل عرضها وتحميل المنتجين خسائر فادحة.. أما من ناحية نوعية الأفلام فأميركا تنتج سنويا ما يقرب من 600 فيلم منها 95 فيلما فقط يتم عرضها في المهرجانات ونحن مثلهم بالضبط، حيث ننتج أفلاماً لا يعرض منها بالمهرجانات سوى واحد أو اثنين..
هل لهذا السبب تراجعت أعمالك السينمائية؟
نشاطي السينمائي لم يتراجع الآن، لكنه في الحقيقة تراجع منذ عام 1995؛ لأن السينما في هذا التوقيت كانت تعاني تراجعاً في الإنتاج بشكل عام فلم يكن يتم إنتاج سوى 20 فيلما على مدار العام عكس ما كان يحدث في السبعينيات والثمانينيات، حيث كان يقدم أكثر من 100 فيلم في العام .. والسبب الثاني أنني احترمت سني لأنني أعرف أنها سنة الحياة، حيث حملنا أنا وزملائي الراية بعد عصر وحوش السينما فريد شوقي وعماد حمدي ومحمود المليجي وسلمناها لهنيدي ورزق والسقا وكريم عبد العزيز.
إلى أي مدى تثق في قدراتهم على حمل هذه الراية وتقديم أعمال يكتب لها البقاء مع الزمن مثل أفلامكم؟
هذا شيء لا أستطيع الجزم به لأن الزمن هو أكبر حكم عليهم، لكن في الحقيقة منهم ممثلون وممثلات مجتهدون ويسعون لتقديم أعمال جدية ومحترمة، خاصة الذين عانوا كثيرا من أجل الوصول قبل أن يحصلوا على فرصتهم وأكبر دليل على أنهم مشهود لهم بالكفاءة أنني أشاركهم في عدد كبير من الأعمال ولا أتضايق من وضع أسمائهم أو صورهم قبلي في الأفيشات.
جيل يحترم نفسه
لكن هذا الجيل أجبر جيلكم على الاتجاه إلى العمل بالتلفزيون.
أنا وأبناء جيلي لم نبتعد من الأساس عن السينما بهذا الشكل الذي يتحدثون عنه فكنا موجودين في التليفزيون والسينما في وقت واحد فكيف إذا تم إجبارنا بالشكل الذي وصفونا به.. لكنها كما قلت إنها سنة الحياة والمنتج هو الوحيد صاحب الرؤية التي تقول من سيفيده ويدر عليه ربحا يجعله يستطيع جمع الأموال التي أنفقها في مشوار إنتاج العمل السينمائي.
بما أن جيلكم كان عاشقاً للأعمال الأدبية التي لا يقدر عليها جيل الشباب، من وجهة نظرك لماذا هجرت السينما المصرية هذه الأيام الأدب ولم تعد هناك أعمال مأخوذة عن أعمال أدبية؟
أصبحت الكتابة للشاشة مباشرة هي السمة السائدة واختفت تماما الأعمال الأدبية إلا من بعض التجارب المحدودة لنعود لطرح التساؤل نفسه: لماذا لا تكتب أعمالاً أدبية يمكن أن تُسخَّر لخدمة السينما والدراما من الأصل، خاصة أنه لم تعد هناك نصوص أدبية يعتمد عليها سوى بقايا ما كتب كبار الأدباء. وعن نفسي فقد قدمت للسينما أكثر من 13 فيلمامأخوذة عن أعمال أدبية وقصص طويلة وقصيرة لكبار الأدباء مثل نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وأعتز جدا بفيلم الشريدة لأنه كان أحد النوادر التي كُتبت في صفحة ونصف الصفحة فقط.. وخرج الفيلم بشكل رائع.
إذا كانت الشاشة الصغيرة والكبيرة قد اختلفتا عن الماضي..كيف ترى مكتبة الإذاعة والأعمال الدرامية الإذاعية وسط هذا الصخب الكبير خاصة بعد انتشار الفضائيات؟
بلا شك أن الصخب الموجود حولنا من كثرة الفضائيات أثر فى الاستماع لأن الصورة أصبحت تجذب أحيانا أكثر من الصوت مما دفع عدداً كبيراً من عشاق الإذاعة إلى الانتقال للتليفزيون بعد التطور الهائل للتكنولوجيا الذي جعل التليفزيون محمولاً في اليد وعلى أجهزة الموبايل وشاشات عرض السيارات، إلا أنني اكتشفت بعد مسلسلي الإذاعي الأخير حي الضاهر أن هناك جمهورا إذاعيا جديدا عاشقاً للإذاعة في جميع أنحاء الوطن العربي.
الحنين إلى المسرح
مناسبة حي الضاهر.. ماذا تمثل لك جائزة أحسن ممثل إذاعي؟
هذه الجائزة بالتحديد لها مكانة خاصة في قلبي رغم حصولي على العديد من الجوائز من قبل لكن هذه المرة الأولى التي أحصل فيها على جائزة من الإذاعة رغم تقديمي لأعمال إذاعية كثيرة منذ بداياتي. وبالنسبة لمسلسل حي الضاهر بالقاهرة فأعتبره من أهم الأعمال الإذاعية التي قدمت في السنوات لأخيرة لأنه ملحمة مكونة من وجدان وفكر المجتمع بكل عناصر الأسرة المصرية والعربية.
ألم يشجعك الحصول على الجائزة في العودة الي خشبة المسرح الذي شهد بداياتك؟
أفكر دائما في المسرح وكانت آخر رواية قدمتها مسرحية الناس اللي تحت من تأليف نعمان عاشور وإخراج سمير العصفوري وقمنا بعمل بروفات وكان من المفترض أن يقوم بإنتاجها قطاع خاص لكن لم يحدث والمشروع توقف.
من وجهة نظرك هل يصلح الفن ما أفسدته السياسة والرياضة ؟
بالطبع الفن الأقرب إلى وجدان وقلوب وعقول ومشاعر البشر وصاحب الفضل في الكشف عن الحلول العبقرية، لكن هناك أموراً تخرج عن النطاق الطبيعي لا يصلح وقتها الفن في الإصلاح.
جوائز وأوسمة
عشرات الجوائز حصل عليها ياسين في مختلف المهرجانات في مصر وخارجها أهمها: جوائز التمثيل من مهرجانات طشقند عام ومهرجان السينما العربية في أميركا وكندا عام 1984 ومهرجان عنابة بالجزائر ، كما حصل على جائزة الدولة عن أفلامه الحربية عام 1975 وجائزة الإنتاج من مهرجان الاسماعيلية عام 0891
اختير رئيس تحكيم لجان مهرجان القاهرة للإذاعة والتليفزيون عام 1998 ورئيس شرف المهرجان في العام نفسه إلى جانب توليه منصب رئيس جمعية كتاب وفناني وإعلاميي الجيزة، كما حصل على جائزة أحسن ممثل في مهرجان التليفزيون لعامين متتاليين ثم تم تكريمه في مهرجان القاهرة السينمائى، وتم اختياره عام من قبل الأمم المتحدة سفيراً للنوايا الحسنة لمكافحة الفقر والجوع لنشاطاته الإنسانية المتنوعة.



