ليس غريباً أن تجد كل الأمور لديه مقننة بميزان حساس، فيبدع بنفس البراعة والحرفية التي عرفناها عنه في السينما وقت أن كان فارس الرومانسية الأول، يبدع على خشبة المسرح، مستغلا نبرات صوته الرخيم وإجادته العربية، مستحوذا كذلك على كادر الدراما التلفزيونية.. وفوق كل ذلك مستمتعا بحياته الأسرية، من دون أن يطغى مجال على الآخر، أو يخل بميزانه الحساس، كيف لا وهو الذي تخرج في كلية الحقوق قبل 45 عاما تعود خلالها ألا يقدم على عمل يدرك أنه لن يوفيه حقه..

لذلك صار أحد العمالقة الذين أعطوا الفن بلا حدود فأعطاهم كل شي، ولأنه غني عن التعريف، يمتلك قدرة استثنائية على الخوض في قضايا الفن على اختلاف أنواعه، إلى جانب شجاعته في تشخيص الداء قبل إعطاء الجواب، جاء حوارنا مع الفنان محمود ياسين ثرياً ومثيراً إلى أقصى حد.. التفاصيل في سياق السطور الآتية. * قبل أن نتعمق في داخلك ونعرف أحدث بصماتك الفنية دعنا نعرف أولاً مدى رضاك عن مشوارك الممتد لأكثر من 40 عاماً؟ ـ الحمد لله، أنا راض تماماً عن مشواري، وما حققته خلاله من نجاحات وتكريمات محلياً وعربياً، الأهم من كل ذلك حب واحترام الجمهور لي، والذي في رأيي لم يأت مصادفة، بل من خلال جهد وفكر وإخلاص دائم، في كل الأعمال التي شاركت فيها، والتي عبرت عن قناعاتي وخبراتي.

خلطة سرية * على مدار 40 عاماً وأنت تنعم بالنجومية، هل هناك خلطة سرية وراء حفاظك على نجوميتك حتى الآن، فيما اختفى آخرون؟ ـ لا أعرف شيئاَ اسمه خلطة سرية، لكن كما قلت لك لدي إيمان برسالة تجاه مجتمعي لابد أن أقدمها، من خلال التفاني والإخلاص في العمل واحترام عقلية المشاهد، فبهذه الأدوات يستطيع كل فنان أن يصنع لنفسه تاريخاً حقيقياً بعيداً عن التاريخ المزيف الذي سقط فيه كثيرون تحت شعار «ما يريده الجمهور»، وأقول لكل فنان إنه لكي تنال احترام جمهورك لابد أن تحترم أولاً عقله، من خلال تقديم أعمال جادة ذات رسالة تهم المجتمع. * كلامك عن الأعمال الجادة والهادفة يقودنا إلى فيلمك الأخير «عزبة آدم» الذي تعرض إلى هجوم شرس.. ما تعقيبك؟

الفيلم على أرض الواقع حقق نجاحاً كبيراً على مستوى المشاهدة والإيرادات، مما يؤكد أن الأزمة التي آثارها النقاد مصطنعة.. وهنا أحب أن أوجه سؤالاً لمن سارعوا في نقد الفيلم واتهموه بضعف المستوى: هل يمكن للمجتمع أن يحيا حياة سوية دون نزاع بين الخير والشر؟ بالطبع لا.. فهذا قانون الحياة منذ أن خلقت الأرض، وقد استطاع المخرج محمود كامل شحن كل أنواع الانحراف في قالب شخصيات القرية ولم يدع فيها مكانا للخير، وجعل لأول مرة في تاريخ السينما صراع الشر مع الشر، وليس مع الخير كما تعود المشاهد.

لكن ليس من المعقول أن يوجد مكان جميع أفراده منحرفون.

لا أنكر ذلك، لكن الانحلال دائما يتواصل داخل العلاقات المتشابكة، وهذا ما حدث مع سكان القرية، حيث تحول مصطفى بفعل الظلم إلى إرهابي بعد خروجه من السجن مباشرة، ثم تذبذبت شخصيته وتراجع عن التحاقه بالجماعات الإسلامية بعد علمه بصفقاتها المشبوهة، وأبلغ عنهم الشرطة، وفي الوقت نفسه تزوج من قوادة العزبة «هالة فاخر»، وهذا كله ناتج عن مشاكل الفقر والجهل الذي يعيشه سكان المناطق المنعزلة عن واقعنا والحياة المعاصرة.

إذن أنت تعترف أن الفقر سبب رئيسي في الانحلال .

لم أقل ذلك، لكنه أحد الأسباب، المناخ والنية والبيئة كانت كلها مناسبية جدا للمساعدة على نمو هذه الشرور في نفوس الشخصيات المستسلمة للأمر الواقع.

مآسي الواقع

ألا ترى أن الفيلم يحمل بعض المبالغات في بعض المواقف الانفعالية؟

من المعروف أن أداء الممثل لا يجب أن ينفصل عن كم العنف والخشونة الموجودين في السيناريو.. وفي عزبة آدم كانت الخشونة هي المسيطرة على الأحداث والعنوان الرئيسي للقرية ولمن يعيشون فيها.

هل يزعجك الرأي الذي خرج ليقول إن عزبة آدم لم يضف شيئا إلى رصيد محمود ياسين السينمائي؟

كل واحد حر في رأيه فأنا صاحب رصيد سينمائي وصل إلى 173 فيلما ولي رؤية في كل سيناريو يعرض عليَّ.. ويوميا يعرض عليَّ عدد كبير من القصص والروايات ولا أقبل منها سوى العمل الذي يضيف إلى رصيدي ولا يأخذ منه.. وأنا مؤمن بأن الجمهور ذكي وواعٍ إلى أقصى درجة، لأنه لم يعد الذي تنطلي عليه الألاعيب وتحركه المشاهد الساخنة، ومآسي الواقع تغنيه في الوقت نفسه عن خيال السينما.

بما أن الجمهور أصبح واعياً لهذه الدرجة.. هل تعتقد أن التصريح الذي أدلى به عزت أبو عوف رئيس مهرجان القاهرة السينمائي بشأن الفيلم كان سببا في تراجع الإقبال على مشاهدته ؟

لست مفوضا للحديث عن هذه النقطة، فهناك أصحاب الفيلم وهم منتجوه الوحيدون الذين يستطيعون الإجابة عن هذا التساؤل، لكن من وجهة نظري أن «السبكية» الذين أنتجوا الفيلم تطوروا كثيرا، وتغيرت مفاهيمهم الإنتاجية بدليل مشاركة أفلامهم الأخيرة في المهرجانات وحصولها على جوائز، ومنها بلطية العايمة وكباريه والفرح.. لكن من الظلم الشديد تصريح زميلي عزت أبو عوف قبل أن يشاهد لقطة واحدة من الفيلم، لأنه وقتها كان في الرقابة.. ولا أدري لماذا سبق الحكم عليه قبل عرضه في صالات العرض التجارية، ما يؤكد أن الحكم عليه غير موضوعي، لكن كل الشواهد أكدت بعد ذلك أن كل من شاهد الفيلم خرج سعيدا.

وهل تعتقد أن أزمة إنفلونزا الخنازير كان لها دور في تأخير ترتيبه؟

ما يسري على عزبة آدم يسري على الأفلام الأخرى، لكن النقد اللاذع الذي لا يحتوي على أي دليل هو الذي يؤثر في العمل؛ لأن المشاهد أصبح حريفا وعاقلاً، فلماذا يدخل فيلما أثيرت حوله ضجة؟.. ولا أظن أن هناك فيلما لم يتأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية، كما لا أظن أن إنفلونزا الخنازير منعت مشاهداً في أيام العيد ومنذ بدء عرض الفيلم عن حضوره.. وعموما السينما صناعة هشة تتأثر بالأحداث والأقاويل.

هل احترامك لآراء الآخرين كان سبباً في اعتماد جيل الشباب عليك بشكل أساسي؟

العمل مع الشباب ناتج عن رؤية شخصية، أرى فيها ضرورة تكاتف بعض العناصر من كل الأجيال لتقديم عمل جيد نرضى عنه جميعًا.. مع قناعتي التامة التي لا أمل من تأكيدها وهي أن السينما فن شباب، وقد حصلت على نصيبي وأكثر من بطولاتها.. فقدمت 173 فيلما منها 150 بطولة وكان عمري وقتها بين العشرين والخامسة والأربعين، ما يعني أنني أحترم سني، بعد ذلك وافقت على تقديم ما يقرب من 23 فيلما في دور الأب.