هواية الحاج عباس صابر اكتسبها بالوراثة لا ينافسه فيها الكثيرون.. ظل على مدار سنوات عمره التي تتجاوز السبعين عاما يجمع مقتنيات نادرة من جميع الأقطار العربية، لا يهمه ثمنها بل تشغله قيمتها التاريخية، وما ستضيفه للأعمال السينمائية حتى أصبح أشهر مقتن للإكسسوارات السينمائية في مصر..
فأطلق عليه شيخ المخرجين يوسف شاهين «دكتور الإكسسوار» وأطلق عليه المنتجون «ملك الحقب التاريخية»، بعد أن دلت مقتنياته في الأفلام والمسلسلات على نفس العصر الذي يرويه العمل.. صابر الذي يمتلك ترسانة من الإكسسوارات النادرة التي لا يتصورها عقل، علاوة على بيوت وقصور المشاهير، التقيناه واستمعنا إلى حكايته مع هوايته التي قضى فيها ثلاثة أرباع عمره..
نشأ هاوي اقتناء الإكسسوارات السينمائية في أحد الأحياء الشعبية «باب الشعرية»، وكانت بداية علاقته بالإكسسوارات عام 1958 حيث كان والده يعمل في المسرح الخاص بمنيرة المهدية، وحول تلك الفترة يقول صابر:كنت طالبا في الصف الثاني الإعدادي ، وبعد خروجي من المدرسة كنت ألازم والدي في عمله، حتى بدأت معرفة كل كبيرة وصغيرة عن الإكسسوار، ورغم صغر سني كان والدي يستعين بي في إنجاز بعض الأعمال، لكنني بدأت العمل الجاد عندما التحق والدي بالتلفزيون المصري عام 1960، وكان أول عمل أشارك فيه «خط الصعيد»، وكان دوري جمع كل ما هو قديم من كل شيء تتصوره في الحياة حتى تكون نوعية البيوت والشوارع تناسب العمل الذي نقوم به، فبدأت كمساعد لنجيب خوري، الذي ساعدني كثيرا في تثبيت أقدامي في هذه المهنة.
شيخ المخرجين... يشير الحاج صابر أن فيلم «الأرض» الذي قام ببطولته الفنان القدير محمود المليجى ونخبة كبيرة من الفنانين، كان أول درجة على سلم النجومية والاحتراف، حيث أصر مخرج العمل يوسف شاهين على أن يرافقه صابر في كل أعماله..يقول صابر: رشحني المخرج يوسف شاهين أيضا للعمل مع مخرجين آخرين كانت لهم بصمة كبيرة في السينما مثل علي بدرخان وكمال الشيخ وحسين كمال ويحيى العلمي، واستطعت رغم صغر سني أن أثبت وجودي وأدقق في أماكن وأحوال الشخصيات مع الإكسسوار الذي أقوم بتنفيذه والبيوت التي أصممها من خلال إكسسواراتي الدقيقة التي تعبر عن الحدث الذي يرويه العمل الفني، حيث يطلب مني المخرج أن أقرأ الشخصيات لأحدد الزمن أولاً، ثم أتصور المكان الذي تعيش فيه الشخصية حتى أقوم بعمل الإكسسوار الذي يناسبها، لذلك لم أخطئ مرة واحدة في التصور، ولم أضع تصميما أو ديكورا عكس الشخصية المطلوبة أو المكان المطلوب. وكل ذلك يتضح في جميع أعمالي مثل «سعد اليتيم، وناصر 56، والأمير المجهول، وحين ميسرة، والأرض، وولاد العم، والفرح، وعباس الأبيض، وكده رضا»، وغيرها.
ضربة البداية
يعود الحاج صابر بذاكرته للوراء متذكرا ضربة البداية مع اقتناء الإكسسوارات، فيقول: أول إكسسوار حصلت عليه كان ستائر مكتوبا عليها باللغه الفارسية اشتريتها بالصدفة أثناء سيري في منقطة قديمة بمبلغ أربعة جنيهات من أحد بائعي الروبابيكيا، واكتشفت أن هذه الستائر كانت ملكًا لشاه إيران.
وقد استخدمت هذه الستائر في عمل ديكور فخم يليق بقصر ملك الحبشة في الفيلم العالمي «الرسالة»..
وتوالت الأحداث بأن حصلت أيَضًا على حجرة السفرة التي باعها الرئيس جمال عبدالناصر بعد انفجار الثورة بقليل، وهي موديل فرنسي اسمه «ارنفو» سوداء اللون بها زجاج معشق ومشطوف، وقد اشتريتها من أحد النجارين، وكنت في البداية أؤجرها إلى أن اشتريتها من الورثة بمبلغ 27 ألف جنيه وقد استخدمت هذه الغرفة في ديكورات فيلم ناصر 56 وبالتحديد في ديكور منزل عبدالناصر.
وكذلك الكاميرا الفوتوغرافية الـ 8مم والبيك أب الخاصتان بعبدالناصر، وغرفة السفرة والدولاب الفضي بمكتب سعد زغلول حيث اشتريتهما من مزاد علني بالإسكندرية، ووصل سعر حجرة السفرة إلى 35 ألف جنيه والدولاب إلى عشرة آلاف جنيه..
واستخدمت هذه الأشياء في مسلسل المطربة الراحلة ليلى مراد، كما استطعت شراء غرفتي النوم والسفرة وماكينة الخياطة الخاصة بالفنانة الراحلة آمال زايد والدة الفنانة الكبيرة معالي زايد، وقد حصلت الفنانة معالي بالمقايضة على غرفة نوم جديدة مقابل إعطائي غرفتي السفرة والنوم وماكينة الخياطة وأطلقت على الغرفتين أم معالي زايد.
كما يضم أسطول الحاج صابر من الإكسسوارات كنبة وتمثالا برونزيا لفارس يمتطي الجمل وقد تم إهدائهما للملك فؤاد قبل أن يشتريهما الهاوي المصري في مزاد علني، وهما صناعة برتغالية، كذلك يحتفظ الهاوى بالباشتختة الخاصة بالملك فاروق والتي يوجد مثلها بمتحف إندرسون الملحقة بمسجد أحمد بن طولون، وخاتما أحمر خاصا بنفس الملك، وكرسي العرش.
ثروات في القمامة
ولأن علاقته بالإكسسوارات تحمل الكثير من العشق والخصوصية، فيقول الحاج صابر أن هناك الكثير من المواقف الصعبة التي تصيبه بالإحباط، منها أن يجد طاقما نادرا جدا من الإكسسوارات مهملا، وأصحابه لا يعرفون قيمته، وعن ذلك يقول: أشعر أن هذه القطع تتحدث معي، وتقول لي «صاحبي تخلى عني»..
وقد حدث مثل هذا الموقف في فيلا بشارع سليم الأول وكان صاحبها أحد أثرياء الصعيد ومثقفيها وتم بناؤها سنة 1914 وتم زواج البنت الأولى للدكتور جورج بسيلي..
وبعد موت صاحبها أراد الورثة بيعها وكانت بـ 16 مليون جنيه وأرادوا أن يتخلصوا من كل شيء بها وكانت الفيلا مكونة من ثلاثة أدوار، ومليئة بالإكسسوارات التي قد لا يتصورها عقل من شهادات ميلاد وأدوية ولعب أطفال وبعض الصور الذاتية للعذراء وبعض الإكسسوارات التي لا تقدر بثمن مثل الخواتم والحلقان وغيرها..
فهذا الموقف كان من أصعب المواقف؛ لأنني وجدت أصحاب الفيلا يريدون أن يتخلصوا من كل شيء قديم بأي طريقة ولو بإلقائه في سلة المهملات، فقررت شراء جميع المتعلقات، وبصعوبة شديدة استأثرت بها، علاوة على أنني أقوم بالبحث في كل محافظات مصرعن المزادات الخاصة بالتحف والأنتيكات، وأحتفظ بها في خمس «فلل» وأيضًا قطعة أرض كبيرة في مدينة 6 أكتوبر و6 هناجر أيضًا.
وأحافظ عليها بدهانها حتى تستمر ولا تتعرض للهلاك، خاصة تمثال الزعيم الوفي لمصر جمال عبدالناصر، وتمثال السادات، وتمثال محمد عبده، وتمثال الملك فؤاد.
وعن تكلفة الإكسسوارات في بعض أعماله، يقول على سبيل المثال تكلف فيلم مسلسل «الأمير المجهول» لنور الشريف حوالي 250 ألف جنيه، ووصلت قيمة المقتنيات المؤجرة لمسلسل «رياح الشرق» إلى 380 ألف جنيه ومسلسل «ابن حزم» 170 ألف جنيه و«هوانم جاردن سيتي» 150 ألف جنيه.
تجار الأنتيكة
وحول آخر الأعمال التي شارك فيها باكسسواراته، قال الحاج صابر: مسلسل الأدهم الذي عرض في رمضان الماضي آخر أعمالي، وتكلف مبالغ هائلة في جمع إكسسواراته، لأنه كان يجمع بين الإكسسوارات التي تمثل الحياة في أوروبا وفي مصر.
وقمت باستيراد بعض الإكسسوارات من الخارج؛ حتى أقوم بتنفيذ العمل على أحسن وجه، واستعنت ببعض تجار الأنتيكة الذين يقتنون إكسسوارات لها تاريخ، كذلك شاركت بمقتنياتي في أعمال إسماعيل ياسين، وليلى مراد.
أما فيما يتعلق بالأفلام العالمية التي ازدحمت بمقتنياتي لى جمعتها على مدار سنين طويلة، فهناك فيلم الرسالة في ليبيا، وقمت أيضًا بعمل فيلم شيخ المجاهدين عمر المختار.
وبعد الانتهاء منه ذهبنا للعراق لنعمل فيلم القادسية للمخرج صلاح أبوسيف، وعدنا مرة أخرى لنجد انتعاشة في التلفزيون المصري حيث أعادنا إلى ذكريات الزمن الجميل بمسلسلات السيرة الذاتية مثل طه حسين، أديب، ليالي الحلمية، كشتمر، زيزينيا، محمد عبده، وأوراق مصرية.
الأكشن والتاريخي
وعن نوعية الإكسسوارات في الأفلام، يقول: أفلام الأكشن لها مواصفات خاصة؛ لأنها تتعرض لتدمير بعض المشاهد مثل مشاهد أفلام تيتو، وخارج عن القانون، وواحد من الناس، والجزيرة، ومن الأفلام العالمية التي استخدمت بها إكسسوارات الأكشن مثل العربات وغيرها بونابرت ليوسف شاهين، الذي قرأت عنه جيدًا.
وفهمت شخصيته وتصورت كيف كان يعيش في قصره، وذلك على العكس تماما من أعمال السيرة الذاتية مثل شخصية إسماعيل يس، فقد جلست مع نفسي وتصورت عام 1911، وهو مولد إسماعيل ياسين، وكانت كمية الديكورات التي تم بناؤها وفرشها في العمل نحو 270 ديكورا.
وكان من الصعب أن يقوم أحد بمثل هذا العمل إلا إذا كان يمتلك صرحا يكفي هذا المسلسل الضخم، في حين لا يزيد الديكور الصعيدي قديما على سرير بسيط جدًا من الخشب وصندوق فقط في غرفة النوم..
وفي الصالة مائدة بسيطة يوضع عليها الطعام وبعض الأشياء التي تخص الزراعة، عكس البيت الصعيدي الآن؛ لأن إكسسوارات البيت الصعيدي قديمًا عكس البيت الصعيدي الحالي فالحالي يتميز بحداثته مثل أي بيت، فالصعيد تغير تمامًا عن الجو القديم، فلكل زمن إكسسواراته..
ففي الرحايا إذا نظرت إلى بيت نور الشريف سوف تجد أنه بيت عصري بالرغم من أنه بيت صعيدي، وتقسم أشكال الإكسسوارارت حسب المكان والزمن، وذلك بعد التعرف على كونه هل هو حي شعبي أم حي بهوات أم منطقة أولاد ذوات.
القاهرة - دار الإعلام العربية



