يحفل تاريخ الموسيقى والنغم العربي بأسماء مطربين سيبقون ماثلين في ذاكرة الأمة العربية لما سطروه من أعمال أسهمت في تشكيل وجدان الجمهور وتطور مسيرة الغناء..
لكن في المقابل هناك شخصيات سرعان ما طواها النسيان وغابت عن الأسماع والأنظار وخفتت من حولها الأضواء، مع أنها حققت شهرة جماهيرية عند ظهورها وسلطت عليها الأضواء لفترة من الزمن، لعل أبرز هؤلاء المطرب زكي مراد الذي طواه الزمن وغاب عن ذاكرة مؤرخي الموسيقى، قبل أن يعود اسمه إلى الوجود بعد عرض مسلسل « أنا قلبي دليلي» الذي تناول السيرة الذاتية لابنته ليلى مراد، فبعد المسلسل بدأ الكثيرون يتساءلون عن شخصية زكي مراد وتأثيره في الطرب والنغم العربي. فمن يتذكر هذا الرجل ؟.. سؤال طرحه «الحواس الخمس» على المتخصصين في الموسيقى العربية والمؤرخين لها، والغريب أن أكثر من له إلمام بتاريخ النغم العربي لا يعرف شيئًا عنه ولا يتذكر حتى أغانيه، باستثناء قلة أبرزت جوانب من حياته..
د. رتيبة الحفني التي تعد واحدة من أشهر المؤرخين الموسيقيين في المنطقة ـ رئيس مهرجان الموسيقى العربية عندما سألناها عن زكى مراد قالت: لا أعرف شيئًا عنه في الساحة الغنائية، فقد ظهر في مرحلة معينة من تاريخ الغناء خلال فترة المطربة منيرة المهدية.مؤكدة أن زكي مراد لم يكن موضع اهتمام من المتخصصين أو المهتمين بشأن الموسيقى العربية ولولا شهرة ابنته المطربة ليلى مرد وابنه المطرب والموسيقار منير مراد لغاب اسم هذا الرجل عن الأذهان تمامًا، ما يتشابه مع والد السيدة أم كلثوم الشيخ إبراهيم البلتاجى الذي كان مطربا أيضا لكن شهرة كوكب الشرق أكسبته جماهيرية كبيرة.
يتفق مع الرأي السابق الملحن هاني شنودة حيث يقول: جمعتني صداقة قوية مع الملحن منير مراد بعد أن استمع لألحاني الخاصة بالألبوم الأول للمطرب محمد منير، وأعجب بها، وتوطدت العلاقة بيننا وطوال علاقتي به لم يذكر منير مراد أي شيء عن والده زكي مراد الذي لا أعرف عنه شخصيًا أي شيء، ويبدو أنه لم يكن مؤثرًا لا في مجال عمله ولا في حياة أبنائه الذين تناسوا ذكراه أو حتى التحدث عنه.
تهميش وتغييب
فيما أكد المؤرخ الموسيقي د. زين نصار- أستاذ النقد الموسيقي بالمعهد العالي للنقد الفني في أكاديمية الفنون- أن زكي مراد كان فناناً كبيراً وموسيقياً معروفاً ومطربا مشهوراً، وكان شخصية لها ثقلها الفني والاجتماعي، حتى إنه سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأحيا حفلات غنائية عديدة هناك، لكنه لم يصادف حظًا كبيرًا من الشهرة التي سعى إليها، فعاد إلى مصر بعد سنوات الغربة فاكتشف أنه لم يعد هناك من يتذكره.
أرجع نصار عدم تذكر أحد اسم زكي مراد إلى ندرة المعلومات المتوافرة عنه، فقد ظهر في فترة لم يكن أحد يهتم فيها بالكتابة عن الموسيقى ورصد حياة الموسيقيين، إلا أنه يكفيه فضل رعاية المطربة الكبيرة ليلى مراد وشقيقها منير مراد .
يستحق التقدير
إلى هنا يؤكد د. صالح رضا، أستاذ العود، وكيل كلية التربية الموسيقية، أن زكي مراد مطرب جيد وصوته أجمل من الموسيقار سيد درويش، ومع أن المتعارف عليه أن المطرب ينال شهرته في إحياء الحفلات ثم يقوم بتسجيل أسطوانات، إلا أنه حدث العكس مع زكي مراد، فقد قام بتسجيل أسطوانات لألحان قديمة أهمها لعبده الحامولي، ثم بدأ في إحياء الحفلات.
وعندما أصيب سلامة حجازي بالشلل قام زكي مراد بالغناء بدلا منه في مسرحياته عام 1990، وحينما سمعه سيد درويش اختاره ليغني معه في مسرحية «العشرة الطيبة»، وبعد أن حقق شهرة داخل المجتمع المصري، سافر إلى أمريكا، وظل هناك لسنوات، وحينما عاد إلى مصر كان الناس قد تناسته، ومن المعروف أن له ثلاث بنات هن ليلى وسميحة وملك والأخيرتين أقامتا في أمريكا للغناء هناك، كما أن أحد أبنائه الذكور هو الموسيقي منير مراد.
مدربا لليلى مراد
أما د. هويدا خليل حسن، وكيل كلية التربية الموسيقية للدراسات العليا، فأشارت إلى أن زكي مراد كان مطربا ومدربا لابنته ليلى مراد وكان مشهورا في الجوقة. لكنها تستطرد موضحة: ليس عندي معلومات كثيرة عنه غير التي تعرفت عليها من مشاهدتي لمسلسل «ليلى مراد» الذي عرض في شهر رمضان الماضي.
وقال الملحن حلمي بكر: زكي مراد لا نعرف عنه الكثير؛ لأنه من الجيل القديم، ولا يوجد أحد من معاصريه على قيد الحياة، والجيل الموجود لا يعرف عنه أي شيء، خاصة مع ندرة المعلومات عنه وندرة التسجيلات الصوتية له، ولا يعرف عنه سوى أنه والد المطربة ليلى مراد وشقيقه الملحن منير مراد، وشقيقهما إبراهيم مراد.
أشار بكر إلى أن الأبناء كانوا سببًا رئيسيًا في تخليد ذكرى الأب حتى وإن لم نعرف شيئًا عن غنائه وموسيقاه.
نجاح في الخارج وغياب في الداخل
مع انتهاء كلام المتخصصين في الموسيقى العربية عن زكى مراد دون أن يقدموا تعريفا واضحا عنه أو ذكر ما يساهم في توضيح معالم هذه الشخصية التي لا يتذكرها أحد، فإنه مع البحث تذكر المعلومات المتوافرة أن زكي مراد هو زكي أفندي مراد مردخاي، ولد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في العراق، ثم انتقل إلى مصر وعاش في مدينة الإسكندرية ومنها انتقل إلى القاهرة.
حيث تعلم الموسيقى والغناء، واشتغل في تجارة الأقمشة، وظهرت موهبته في الغناء، عندما كان يردد أغنيات عبده الحامولي ومحمد عثمان. أما عن حياته الاجتماعية فقد تزوج من جميلة بنت إبراهيم سالمون التي تنحدر أسرتها من اليهود المصريين، وأنجبت له ستة أولاد، منهم ابنته ليلى، وابنه موريس، الذي أصبح «منير».
التحق زكي مراد بالمعهد الأهلي للموسيقى الذي أسسه سامي أفندي الشوا ومنصور أفندي عوض، وبسبب اكتمال موهبته رشحه عوض الذي كان مستشارًا لإحدى شركات الأسطوانات لهذه الشركة فسجل أولى أسطواناته.
وكانت قصيدة «أراك عصي الدمع» من ألحان عبده الحامولي، ولاقت نجاحًا، ولم يكن زكي مراد اعتلى خشبة أي مسرح بعد، ولم يواجه الجمهور في أي حفلة عامة، لكن بعد هذا النجاح تهافت متعهدو الحفلات عليه.
في عام 1910 أصيب الشيخ سلامة حجازي بالشلل، وقد عهد للشاب زكي مراد بأداء أدواره المسرحية تمثيلا وغناءً، الأمر الذي جعل فنان الشعب سيد درويش يختاره للقيام بدور سيف الدين في أوبريت «العشرة الطيبة» من إنتاج نجيب الريحاني، بعدها ذاع صيت زكي مراد، فشارك أيضا في بطولة مسرحية «كيلوباترا ومارك أنطونيو» بديلا عن محمد عبدالوهاب بعد أن اختلف الأخير مع بطلة المسرحية منيرة المهدية.
امتلك زكي مراد صوتًا رخيمًا ذا قدرات عالية، وكان متأثرًا في غنائه بأستاذه عبدالحي حلمي، وقدم الكثير من الأعمال في هذه المرحلة مثل: صيد العصاري يا سمك- فيك ناس يا ليل- أصل الوداد المحبة- يا قمر داري العيون وغيرها.
ورغم حب زكي لقالب الطقطوقة والأغنية الخفيفة فإنه سجل الكثير من الأدوار لكبار الملحنين، منها: بين الدلال والغضب من ألحان داود حسني (مقام شورت). وأشكي لمين ذل الهوى، ألحان داود حسني (مقام بياتي)، والقلب مشتاق واللي أحبه قاسي، من ألحان على القصبجي.
وفي نهاية العشرينيات من القرن الماضي سافر زكي مراد في رحلة فنية طويلة إلى أمريكا ربح فيها أموالا طائلة، وعندما عاد وجد أن جمهوره قد نسيه، فجلس يجتر ذكرياته وأمجاده الغنائية، وكان عزاؤه أنه أنجب ثلاث مطربات منهن المطربة ملك مراد التي هاجرت إلى أمريكا .
وكانت تغني للجاليات العربية أغاني أم كلثوم وتسجلها على أسطوانات باسمه، أما أختها سميحة مراد فلحقت بها، وكانت قد مثلت فيلمًا واحدًا مع نور الدمرداش عام 1951 اسمه «طيش الشباب» من إخراج أحمد كامل مرسي، وتبقى ليلى مراد ومنير مراد هما أشهر أبنائه، وقد ساهما في تخليد ذكراه.
لم يكن زكي مراد مجرد مطرب وملحن، لكنه كان مؤسسًا لعائلة فنية أثرت في مسيرة الغناء العربي، ومن أغانيه المعروفة « وجننتيني يا بنت- يا بنت العم- أراك عصي الدمع - موال أهل الغرام»، وله أدوار« وصل الحبيب مني قريب- الحب سلطانه قاسي- بين الدلال والغضب والابتسام- يا قمر داري العيون»، وطقطوقة «خفيف الروح».. وله ترانيم وأغان باللغة العبرية.
القاهرة - دار الإعلام العربية


