فكرة التنجيم واحدة من أقدم الأفكار التي عرفتها الحضارات القديمة، لكنها احتفظت ببريقها عند كثير من الناس، على اختلاف ثقافاتهم ومستويات وعيهم حتى وجدت لها سوقا رائجة بين ملوك ومشاهير وأثرياء، حيث نجد أن التنجيم دخل حياة الغني والفقير، المتعلم والجاهل، رجل الشارع والسياسي.

وقد تدخل التنجيم في امور السياسة، واستخدمه السياسيون سلاحا نفسيا ضد أعدائهم، كما استعان بعضهم بالمنجمين في تسيير امورهم ومشكلاتهم السياسية، مستندين إلى تاريخ طويل للتنجيم يدافع عنه أصحابه باطلاق تسمية العلم عليه، حتى صاروا مع مطلع كل عام يقدمون تفسيرات وتوقعات الحظ للسنة الجديدةوالاطلاع على تاريخ التنجيم لا يشير الى تغير ملحوظ في الأفكار التي بدأ بها؛ فقد نشأت فكرة التنجيم عند السومريين، وهم أقدم من تعامل به نتيجة عبادة الكواكب والخوف من الكوارث وربطهم بين الأجرام السماوية ومتغيرات الطبيعة.وقد رصدوا الكواكب السيارة وميزوها عن النجوم الثابتة. وكان السومريون أول من جمع النجوم المعروفة في تشكيلات سماوية.

والتي لا تزال معروفة لنا حتى الآن. وكان سكان وادي الرافدين هم أكثر الحضارات القديمة التي اهتمت بالتنجيم، ووجدت أقدم خريطة تحدد مواقع الكواكب لحظة ميلاد شخص معين يعود الى سنة 140 ق.م عند البابليين.

وكان المنجم البابلي يتنبأ بالحروب على الملك من خلال مواقع الشمس والقمر في السماء، ويحدد برج المولود وطالعه لحظة ولادته.

كما عرف الفراعنة الكواكب السيارة وتابعوها، وعرفوا مواعيد فيضانات نهر النيل من رصدهم نجم الشعرى اليمانية، لكنهم لم يؤمنوا بتأثير الأجرام السماوية في سلوك الانسان وكشف المستقبل من مواقعها وظهورها في السماء.

واهتم الفرس القدماء بالتنجيم وكانت لهم تقاليد خاصة يتبعونها في كل مناسبة ويربطونها بالتنجيم. أما الصينيون، فكانوا يسجلون مواعيد الخسوف والكسوف على العظام، والتنجيم عندهم مبني على الأساطير والخرافات، وقد عرفوا اثني عشر برجا مخالفا للبروج المعروفة عند الأمم الأخرى.

وهي عبارة عن اسماء اثنى عشر حيوانا مقدسا عندهم. وهذه الأبراج لها مواعيد مقابلة مع الأبراج المعروفة، فمثلا برج القوس يقابل برج الفأر عند الصينيين، وبرج الميزان هو برج الكلب وبرج العقرب يقابل برج الخنزيز وهكذا.

واهتم الهنود في القرون الوسطى بالتنجيم للبت في قضايا وأمور الدولة المختلفة، وقد نقل العرب احد الكتب الهندية التي تتحدث عن التنجيم الى اللغة العربية وهو كتاب (السند هند) في عهد الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور، الذي كان شديد الاهتمام بالتنجيم.

واستخدم اليونانيون التنجيم لحل العديد من قضاياهم وكانوا يحددون مهنة كل شاب عن طريق التنجيم، حيث يختارون يوما مناسبا ليدخلوا الشباب الى هيكل الصنائع الذي تعد فيه الطقوس الخاصة لمعرفة المهنة المناسبة.

أما العرب في الجاهلية، فكانت علاقتهم بالنجوم لمعرفة الجهات الأربع في السفر، وكانوا يستخدمون التنجيم في أمور الحياة اليومية، ويستشيرون المنجم الخاص بالقبيلة في أعمال البناء والسفر وحل مشكلاتهم، وله القول الفصل في تحديد الحلول.

في الحقيقة إن هذا الاستعراض للتنجيم عبر الحضارات القديمة لا يعني إعطاءه صفة علمية. فالتنجيم لا يقدم إلا طروحات تخمينية ولا يستطيع المنجمون إعطاء المبررات الحقيقية لعلاقة النجوم والكواكب بسلوك الانسان وطالعه. وقد ناقش عماد مجاهد، عضو جمعية الفلكيين، هذا الموضوع بدراسة مستفيضة في كتابه (التنجيم بين العلم والدين والخرافة).

إعداد ـ دلال جويد