قبل ثلاثين عاماً عاد إلى أرض وطنه مصر لينشئ فرقته الموسيقية التي سرعان ما ذاع صيتها، حتى تحول إلى ما يشبه الأسطورة في فن لا مكان له في أرض العرب، موسيقى الجاز، بعد أن أمضى في أميركا منبع «الجاز» ـ نحو 15 عاماً عزف مع أعلام الجاز مثل Oliver Jones, Dave Young, John Lee..

وقدم إبداعاته في أكثر من مائة مدينة حول العالم.. ذلك هو الفنان يحيى خليل، أحد أهم الموسيقيين الذين أثروا في مسيرة الموسيقى المصرية والعربية، لاسيما مع أكثر من 700 لحن لا يشبه أحدها الآخر.. وفي هذه المساحة نلتقي خليل الذي تحدث عن تجربته الطويلة، وموسيقى الجاز ومستقبلها عربياً، فضلاً عن العديد من القضايا التي تهم الوسط الفني. وهذا نص الحوار..حدثنا عن لونيتك الخاصة في الجاز ؟ موسيقى الجاز في الأصل نابعة من افريقيا من أوساط العمال في الحقول والمعابد، بدأت تهتم به المجتمعات الأوروبية، فاقتبسوه ثم قاموا بتطويره، وجسدوا له قالباً خاصاً به.. وبدأ يأخذ هذا النوع من الموسيقى شكلاً جديداً، وانتقل من حضارة لأخرى، ثم انتقل إلينا وأخذ شكلاً آخر جديداً.

هل انتقال الجاز من افريقيا غير ملامحه الإفريقية؟ رغم التطورات التي حدثت في هذه الموسيقى، فإنها ظلت محتفظة بروحها الأساسية وهي الروح الافريقية الأصل، وكانت في البداية تسمى «الموسيقى البلوز» التي تعبر عن أحزان وآمال الأفارقة، وحاولوا من خلال تعبيراتها أن يصلوا للاستقلال بإيقاع قائم على الروح الحقيقية لها والمتميزة بالصخب.هل موسيقى الجاز أصبحت نافذة للتواصل مع كل طبقات الشعب؟نجحت فى ذلك من خلال تغيير موسيقى الجاز التقليدية ودمج موسيقى شرقية معها، وظللت في الأوبرا لمدة عشر سنوات عملت خلالها على تعريف الجمهور بموسيقى الجاز التقليدية، بخلاف أنني فكرت في عمل برامج تعرف بموسيقى الجاز سواء برامج إذاعية أو تلفزيونية، وقدمت فيها نجوماً ذوي شهرة وعلماء كثيرين من مختلف دول العالم، وأعتقد أنني وفرقتي نجحنا في إحداث ثورة في عالم موسيقى الجاز.

حيث مزجنا العربي بالغربي، وقدمنا الجاز التقليدي في صورة جديدة، أيضا أخذنا الموسيقى الأميركية بعد خبرة 15 عاماً في أميركا ومزجناها، وأصبحت (اللاتين جاز) وقمنا بتقديمها في جميع المهرجانات العالمية والمحلية وفي مصر وخارجها بعدما ربطنا الموسيقى المصرية الجميلة بموسيقى الجاز، وكنا من أنجح الفرق العالمية، وأعجب الجمهور بهذا الفن بشدة، وتجاوب معنا.

لكل فن رواده ومعجبوه، فكيف ترى جمهور حفلات الجاز ؟

موسيقى الجاز لم تكن، يوما، موسيقى صفوة، لكنها موسيقى الشعب كله ولجميع الفئات والطبقات؛ لأن جمهور الصفوة يميل إلى الموسيقى الكلاسيكية، أما جمهور الجاز فهو الجمهور المصري بكل فئاته وطبقاته وأيضا الجمهور الغربي بأكمله.

هل تمارس الارتجال في موسيقى الجاز ؟

الارتجال مرتبط بالأداء والحس العالي والمهارة والروح الخفيفة، وهو إيقاعات تقوم على تقاسيم معينة، وبالنسبة لي فمن خلال البروفات المستمرة والتعليمات الصحيحة تعلمت فن الارتجال الصحيح.

ألم تفكر في عمل مدرسة أو معهد لدراسة موسيقى الجاز؟

بالفعل فكرت في ذلك، ولكن لم تكتمل الفكرة حيث قمت بالاتفاق مع إدارة الأوبرا على جعل المكتبة الموسيقية بها بمثابة مدرسة لتعليم موسيقى الجاز، خاصة أنه لديّ أكبر مكتبة أسطوانات لمختلف أنواع الموسيقى العالمية.

يحيى خليل.. من أين يستقطب ألحانه؟

من بعض الألحان العالمية التي قدمت بأكثر من 700 شكل مختلف، وآخذ منها بعض المقطوعات وأقدمها بأسلوبي الخاص بي، وأعطيها لون الجاز المصري، وهناك أيضا مقطوعات من ألحاني، وأعطيها جرعة جاز وأيضا مقطوعات لموسيقى شرقية تمزج لتخرج موسيقى جاز مصرية حديثة.

من هم كبار العازفين الغربيين؟ وما المدرسة التي تنتمي إليها؟

كبار العازفين العالميين هم: (ديزى جليسبي)، (ديوك اليختون)، (لويس أرمسترونج)، (جين كروبا)، وهذا الأخير هو أكثر العازفين العالميين الغربيين الذين أقتدي بهم، وسرت على منهجهم، وأكثر من أثروا فيّ، فقد كان أول عازف في تاريخ الجاز يلعب درامز وأول نجم عالمي في التاريخ لعب على هذه الآلة وتأثرت به كثيراً، أيضاً هناك صاحب المعهد الذي تعلم فيه (جين كروبا)، وهو أيضاً الذى علمه وهو أشهر معلمي الجاز في أميركا.

هل تعتبر الجاز موسيقى أم فلسفة لها خصوصيتها؟

الجاز فكر وفلسفة وخصوصية، والجمهور الذي يسمع الجاز لديه تطلع في الحياة، ويحب هذا النوع من الموسيقى، وهي فيها تعبير عن الإنسان المعاصر بكل أخلاقه وآماله وإحباطاته وفيها الشجن والحزن وتحرك كل المشاعر المختلفة.

وعلى الرغم من اختلاف أجناس الجمهور، فإن له روحاً واحدة ونوعاً من الرقي والأمل وحب الحياة والاستمتاع بهذه الحياة وهي تغذيهم بذلك وتحقق لهم ما يتمنونه، وأقول أيضاً إن موسيقى الجاز بعيدة كل البعد عن الماديات ومن يقدمها لهذا الهدف فهو لا يقدم موسيقى حقيقية، وإنما يقدم سلعة يعرضها للبيع ليكسب من ورائها.

لماذا لا توجد أجيال جديدة تهتم بالجاز؟

لعدم وجود فرصة لتعليم الموسيقى، ولا توجد مهرجانات تشجع على ذلك وتخرج المواهب الجديدة، ولا مراكز متخصصة في ذلك، فكل ما أفعله هو من مجهودي الشخصي وتفكيري، ولا أحد يسعى لذلك، وأنا بدأت في عمل ندوات وحفلات أقرب إلى مهرجان للجاز، لكن لم تصل لمهرجان حقيقي بعد.

ما أهم المهرجانات العالمية التي تشارك فيها؟

شاركت في مهرجانات كلها عالمية، منها مهرجان (مونتراي جاز) في كاليفورنيا وسويسرا، وهناك (نورس جاز) في هولندا، و(كيب تاون) في جنوب افريقيا، و(بان سوكو) في بلغاريا، و(ناش فيل جاز) في صربيا وأكثر المهرجانات في أوروبا.

ما ردك على ما يتردد عن أن موسيقى الجاز تساهم في فقدان الشباب هويتهم الثقافية الموسيقية؟

بالعكس موسيقى الجاز تقربهم من هويتهم، على العكس من أنواع الموسيقى الأخرى التي تقدم الآن مع أغان هابطة، فهذه التي تؤدي لفقدان الشباب هويتهم، وتسيء لنا كشعوب ولا تفيد فكرة الهوية بشيء، وما يقدم الآن لا يمت للفن بصلة، بل هو يسيء للفن الأصيل.

هل راودتك الفكرة لتعيد برنامج «عالم الجاز» مرة أخرى؟

بالتأكيد سوف يعود مرة أخرى؛ لأنه لاقى إقبالاً كبيراً وشعبية جماهيرية لا مثيل لها، فضلاً عن ذلك فهناك برنامج كنت أقدمه بعنوان «إيقاع الروح» على النايل لايف، وقد توقف الآن بسبب سفري ومشاركاتي في المهرجانات الخارجية، ومن خلاله كنت أقدم المواهب الجديدة التي بها بذرة ناجحة لموسيقى حقيقية.

لماذا لم تعمل على نشر موسيقى الجاز في الدول العربية والخليج بشكل خاص؟

للأسف لم أقم بذلك، لأنهم معظم شعوب هذه الدول أكثر اهتماماً بالموسيقى الشرقية والخليجية، وبالنسبة لي أريد أن أكمل نجاحي بنشر موسيقى الجاز في المنطقة كلها.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية