«الذي نسي أن يموت» عنوان ينقلنا إلى عوالم الكاتب المسرحي الانجليزي وليم شكسبير، الذي برع في التعامل مع شخصية حفار القبور، تلك المهنة التي ترى المجتمعات في كل أنحاء العالم أن صاحبها يملك قلبا من فولاذ ليقوم بها، ولتبدأ بذلك أسئلة لا تنتهي عند مسألة الحياة او الموت، ولا يمر بشكل عارض جوهر هذه الاسئلة.

والمرء يتابع العرض الإماراتي «الذي نسي أن يموت» في صراع الإجابة عن قضيتي الموت والحياة، لما يتضمنه ويحتويه من اشارات استفهام فلسفية تضع القارئ للنص، والمشاهد للعرض المسرحي يمضي في مجاهل موت عابر يحققها الفنان جمعة علي مدعوما بنص الكاتب المحترف اسماعيل عبد الله، وإخراج الفنان حسن رجب.وقد شكل كل من هذين المسرحيين «ثنائيا» في ورشة عمل يومية جعلت منهما حاضرين بقوة في الفعاليات المسرحية في الامارات لجهة المشاركة الفعالة في المهرجانات المسرحية المحلية والخليجية، وهي أول مرة يقدم فيها الاثنان شراكة في المونودراما.

وهي المرة الأولى أيضا التي يقدم فيها الاثنان عرضا مسرحيا في فعاليات مهرجان المونودراما الدولي في الفجيرة، وهذه المشاركة تجعل من عرض «الذي نسي أن يموت» في افتتاح المهرجان فاتحة العروض، والعرض الذي يمكن وصفه بأنه المفاجأة بالنسبة للعروض المسرحية التي تستضيفها الفجيرة نظرا إلى البنية الفنية والفكرية التي يقوم عليها، والتي تجعل منه عرضا احتفاليا واحترافيا بالمونودراما.

وقد يكون الكلام مفاجئا حول هذا العرض، أي أن يكون محليا ومنافسا في هذه الفعالية الدولية التي تستضيف أهم ستة عروض مونودراما عالمية وتسعة عروض عربية وهنا ليس علينا إلا أن نترقب يوم الخامس عشر من الشهر الجاري، حيث سيكون الموعد مع افتتاح المهرجان بهذا العرض.

وأتيح لنا أن نشاهد هذا العرض من انتاج 2009 في فعاليات أيام الشارقة المسرحية العام الماضي، حينما قدم على هامش المسابقة الرسمية، مقدما اقتراحا فنيا لغاسل الأموات الذي سبق أن تعرض للتعذيب والضرب والنفي إلى قرية نائية بناء على تاريخ الشخصية.

وهناك لم يجد ما يعمل به إلا في غسيل الأموات وهو وصل إلى مرحلة من السخرية أنه صار ينتظر أن يزداد عدد الموتى حتى يعمل في هذه المهنة التي خف عدد الأموات فيها نتيجة حظه وغياب عزرائيل عن بيوت القرية، كما قال ولكن تسير الرياح على عكس ما تشتهي السفن، وعلى الرغم من الخصم الذي يقدمه «غسيل ميتين بنقود والثالث مجانا..».

ولكن دون جدوى، وثمة من يضع له أمام عتبة بيته رجلا ميتا، وهنا يرى غاسل الأموات أن القدر منّ عليه به دون أن يعلم أن هذا الميت هو الزعيم نفسه، وأنه كان مطالبا بتجميع تلك الجثة، كي تكون الميتة طبيعية، دون أن يكون هناك ما يشير إلى أن الزعيم مات قتلا، لأن الكثير من الشخصيات الاعتبارية قد تحضر الدفن.

وكانت مهمة غاسل الأموات سهلة كما كان يعتقد بفعل العمل اليومي، وهكذا بدأ يحاور الجثة الموجودة بين يديه أو مع بقايا الجثة التي أراد أن يجمعها إلى بعضها البعض الى ان بدأ يتعرف فيها إلى الميت أنه الزعيم؛ فيصاب بالذعر والخوف ولتنتهي المسرحية بموته رعبا.

يعتمد العرض على لعبة المفارقة، والتي تبدأ أساسا بالعنوان الذي نسي أن يموت أو ذلك الذي نسيه الموت، ولكن من صادق الموت لا تليق به إلا الأعمال الكبيرة، لذا كانت هذه الشخصية طيلة العرض تقوم بكل ما من شأنه أن يجعل من فعل الموت ذا بعد دلالي على حواف حياة غير مكتملة وغير واضحة، وعلى الرغم من أن العرض يقدم نفسه بسلاسة وبساطة للمتفرج، إلا أن كتلة معقدة من التفاصيل المتعلقة بهذه الشخصية تعلن عن نفسها تباعا.

حيث يصبح المرء أمام عدد كبير من الأحداث والتفاصيل التي تحتاج إلى فسحة من التأمل، وإلى مواصلة البحث لمرة وأكثر في عرض ينطوي على أبعاد دلالية تحتمل آراء سياسية وانسانية واجتماعية واسعة، ووحدها فلسفة الموت والحياة تظل عالقة في فضاء الشخصية، وفي حركة الممثل العامة التي يؤديها الفنان الشاب جمعة علي بمناورة ذكية تثير شهية المتفرجين في الإقبال على المتابعة وعدم الوقوع في فخ الملل بمؤامرة مزدوجة مع النص والمخرج؛ مؤامرة يشعر بها المشاهد حقيقة.

ولكنه يريد أن يصل للمعالجة وإلى النهاية، وما الذي سيضيفه العرض أيضا، وهكذا تمضي معه في ذاكرة تفتح سجالات مهمة وحكايات لا تعرف نهاية لها، ومع كل تفصيل كان إعجاب المشاهدين يزداد بطقوس العرض وبمهارات جمعة علي الذي يستحق حقيقة أجرا عن ثلاث مهام ومهن قام بها في هذا العرض، ممثلا وغاسلا للأموات ومهندسا للإضاءة!