قد يكون ذهب شمال شرق السودان جزءا من أحلام مغرقة في الخيال للباحثين عن الثراء السريع في السودان بعد أن عايشوا كثيرا من القصص الأسطورية؛ ابطالها البسطاء من الناس، وربما يشاركهم الحلم بعض المثقفين والجامعيين؛

فالحلم مشروع وتحقيقه أيضا طموح مشروع فها هو بائع السجائر الذي لم يخرج من مدينة ام درمان ولو مرة واحدة في حياته، أضحى بين ليلة وضحاها مليارديرا، أو سائق الحافلة التي تمر بمعظم شوارع الخرطوم.ويعرفه الكثيرون لدماثة خلقة وأدبه الجم ها هو يعود بعد غياب ثلاثة أشهر محملا بأطنان من الأموال التي لا تعد ولا تحصى، وغيرها الكثير من الحكاوي والروايات التي وان بالغت في نصوصها فهي انعكاس لمغامرة حقيقية يعيشها أبناء السودان، ليضحوا بما هو في اليد من بيوت ومدخرات لكي يشتروا أجهزة التنقيب عن الذهب؛ فربما يتغير الحال، ويبتسم الحظ بعيدا عن أنظار الحكومة وشركات الامتياز !(الحواس الخمس) لم يكتفِ بنقل القصص والروايات.

ولكنه خاض مغامرة البحث والتنقيب عن الذهب مع منصور عوض الله ملة، الذي ينتمي إلى عائلة عريقة عرفت تجارة وتعدين الذهب في السودان، وتحديدا في أم درمان، وها هو اليوم ينقب عن الذهب في منطقة شمال شرق السودان، وفقا لتصريح حصل عليه من قبل الحكومة السودانية. وفي هذا السياق يقول ملة: ان تعدين الذهب في السودان شهد نشاطا مكثفا في العصور القديمة وخصوصا في العصر الفرعوني الذي لاتزال آثاره تنتشر في المناطق الواقعة بين نهر النيل والبحر الأحمر في المنطقة التي سميت بالنوبة المستمدة من كلمة (نب)، وهي تعني الذهب في اللغة النوبية.وقد كانت عمليات التعدين تتم بطرق ومعدات بدائية وتمتد الى مسافات ومساحات صغيرة متقطعة، والى أعماق لا تتعدى العشرة الى الخمسة عشر مترا، وذلك نسبة لمشاكل التهوية والانهيارات، ولهذا فقد كان الإنتاج محدودا لتغطية الاحتياجات البسيطة في ذلك العصر الذهبي.

ويضيف أنه مع بداية الثورة الصناعية في اوروبا في القرن السابع عشر، والذي لعب فيه التعدين دوراً أساسياً اتجهت الدول الأوروبية الصناعية الى أميركا وافريقيا بحثا عن الثروات المعدنية، وانتشرت المناجم المتطورة في كل أنحاء العالم في تلك الفترة.

وفي السودان انتشرت الشائعات عن وجود الذهب بكميات كبيرة وخصوصا في جبال بني شنقول بمنطقة النيل الأزرق حتى وصلت تلك الشائعات الى مصر الشقيقة والمجاورة ما دفع محمد علي باشا الى إرسال حملته المشهورة بقيادة ابنه إسماعيل.

وبعد أن تم فتح السودان في تلك الحملة طلب محمد علي باشا من قياصرة روسيا المساعدة في استغلال الذهب السوداني؛ فبعثوا بمهندس مناجم تم إرساله الى جبال بني شنقول بحماية عشرين ألف جندي، ولكن نتيجة للظروف الطبيعية ومعاملات الأتراك الوحشية للمواطنين السودانيين في ذلك الحين غادر المهندس الروسي السودان بعد ان أقام منجما صغيرا لاستخراج الذهب.

ومنذ ذلك الوقت وحتى دخول الجيش الانجليزي للاستعمار البريطاني لم يعرف السودان غير التعدين العشوائي للذهب في جبال البحر الاحمر والشمالية خلال تلك الفترة الاستعمارية.

ولكن تم إيقاف التعدين في جميع المناجم بالسودان في خمسينات القرن العشرين نظرا إلى انهيار اسعار الذهب آنذاك، ولان الذهب يملك القيمة (السياسية)؛ فقد كان من الضروري أن تكون صناعته قديمة وترجع إلى الحضارة النوبية قبل سبعة آلاف عام، وتطورت خلالها ادوات وطرائق صناعتها.

ظلت الحال هكذا إلى وقت هجرة الحاج عبدالرحمن التباد جد التبيداب بشمال السودان نهايات القرن الثامن عشر إلى منطقتي حيفا ويافا بفلسطين لتعلم صياغة الذهب من يهودها ولكن يهود حيفا رفضوا تعليمه أسرار المهنة لأنهم يعتبرونها سرا من أسرارهم المقدسة، ولحبه التعلم ثقب الحاج عبدالرحمن سقف ورشة الصياغة التي كان يعمل بها ليتلصص على ما يصنعون وحين اكتشفوا ما يفعل علموه الصنعة مكرهين.

ومن قصة التباد واليهود يبدأ تاريخ فن صياغة الذهب في السودان، فقد عاد التباد من هناك واحضر معه عدة بدائية عبارة عن مطرقة وسندان وعدد آخر من الآلات البدائية وباشر العمل في منطقة (جزيرة لبب) وشرع في تعليم شباب الجزيرة أسرار الصنعة.

نزح أحفاد الشيخ عبدالرحمن تبيدي من لبب إلى دنقلا العجوز، ثم اتجهوا جنوبا إلى ام درمان وكلمة تباد باللغة النوبية تعني الحداد، وكل من يقوم بصهر المعادن وتشكيلها، وحرف الاسم ليصبح اسما ولقبا لأسرة ثم اسما لبطن في قبيلة التبيداب ذات الأصل النوبي.

والتي تصاهرت فيما بعد مع أهل قرية (ود شلعي) على النيل الأبيض، وتشتهر منطقة (بربر) بأنها تقدم أمهر (الصاغة)، ومن الأسر العريقة في تخصص الذهب (أسرة عبدالمجيد)، وأسرة (ود مله) واسرة الميسكتاب التي تعد من أشهر الأسر العريقة في الصنعة، وكان (ذهب الميسكتاب) عالي القيمة ومضمونا قبل ظهور الأختام، وكان العمل يتم في المنازل المجاورة للورش وكانت عدة الشغل محفوظة داخله.

ويقول ملة إنه وعلى الصعيد الرسمي تسبب الاكتشاف الشعبي لذهب منطقة شمال شرق السودان، وهي واقعة لا يمكن نكرها، خصوصا انني في البداية كنت احد الذين يستمعون إلى هذه القصص والأخبار خاصة انها ضمن نطاق عملنا في السوق.

ولكن بالخبرة الطويلة في هذا المجال لم يسرق الحماس للتوسع في العمل، الحكمة والتروي اللذين تشربتهما عبر السنين من والدي رحمه الله، لذا أقدمت على دراسة المنطقة وخرائطها الجيولوجيا وطبيعتها إلى جانب الكثير من الدراسات اللوجستية والتي بناء على نتائجها بعثت فريق عمل واستكشاف لمدة ثلاثة أيام وكانت المفاجأة أن عادوا ومعهم 4000 جرام من الذهب، اى ما يعادل 13 ألف دولار، وبنسبة نقاء 99%، حيث ان الذهب الصافي تعد نسبته 99%، والذهب الذي يستخرج يعادل 90%!

وفيما يتعلق بشروط التنقيب والبحث عن الذهب في منطقة شمال شرق السودان يؤكد ملة أن هناك خلافات بين السلطات الولائية والاتحادية حول ملكية المنطقة، وحق التصرف في معادنها، وذكرت تقارير في الصحف المحلية أن وزير الطاقة السوداني اتهم الولاية بالتعدي على اختصاص وزارته بمنحها تراخيص للتنقيب اليدوي، والصغير والمتوسط عن الذهب.

مؤكدا بذلك ان التنقيب شأن اتحادي، ولا يحق للولايات، لكن سلطات الولاية رأت أن الاكتشاف أنعش المنطقة وساعد في تحسين الأوضاع المعيشية لسكانها.

ويؤكد ملة أن السلطات الولائية تمنح المواطنين تراخيص «تعدين أفراد» تبدأ ب7 ملايين جنيه، وقد تصل إلى 30 مليوناً مع كامل الإجراءات وتساعدهم ببعض المعينات، كما توفر لهم مختصاً في الجيولوجيا.

وعن أهمية الحصول على جهاز كشف الذهب (gbx) يضيف ملة: في حقيقة الأمر هو فعال ودقيق جدا في تحديد نطاق معين للتنقيب، ويقترح عمقاً محدداً للحفر. فمن امتلكوا هذا الجهاز الذي يصل سعره إلى 40 مليون جنيه سوداني (16 مليون دولار) «حصلوا على مبتغاهم بسرعة وباعوه لأشهر تجار الذهب في السودان بمن فيهم نحن تجار عائلة ملة!

حكايات كثيرة لا تخلو من طرافة، فالكثيرون ذهبوا إلى المنطقة من دون هذا الجهاز، وبحثوا بآلات حفر تقليدية، وما خاب سعيهم. لكن هول المفأجاة ذهب بعقول بعضهم.

ثمة حكايات أخرى تضفى على قصة الذهب هذا الكم من الجاذبية والألق؛ ففي غالبيتها تنتهي إلى ان ثمة «جانا» يسكن المنطقة! وهو ما لم تخشه الأسر التي تسكن في الجوار، إذ تبادلت الرسائل والمكالمات الهاتفية مع أهاليها في الولايات الأخرى، تحثها على القدوم لتشاركها في التنقيب، وسرعان ما تحولت تلك الأنحاء القاحلة منطقة شبه مزدهرة بالحركة والتجارة.

وارتفع سعر «جالون » الماء إضافة الى الطعام والمكيفات والشاحنات المؤجرة والعمالة! ولكن فى النهاية يسود قانون القبائل الذى ينص على تقسيم العائد من التنقيب على ثلاثة (ثلث لصاحب جاهز التنقيب وثلث للعمال وثلث لصاحب الشاحنة)، وتلك قسمة عادلة.

دبي ـ رشا عبد المنعم